Entités

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — النساء 123

BE152278Tafsir

قلت: اسم ليس ضمير الأمر، أي: ليس الأمر بأمانيكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ليس} هذا الوعد الذي ذكرت لأهل الإيمان يُنَال {بأمانيكم} أي: تمنيكم أيها المسلمون، ولا بأماني {أهل الكتاب}، أي: لا يكون ما تتمنون ولا ما يتمنى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده ويجازيهم بأعمالهم. رُوِي أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة، فنزلت. وقيل: الخطاب مع المشركين، وهو قولهم: لا جنة ولا نار، أو قولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لتكونن خيرًا منهم وأحسن حالاً. وأماني أهل الكتاب: قولهم {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [آل عِمرَان: 24]، و{لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارى} [البَقَرَة: 111]، ثم قرر ذلك فقال: {من يعمل سوءًا يجز به} عاجلاً أو آجلاً؛ لما رُوِي أنه لما نزلت قال أبو بكر: من ينجو مع هذا يا رسول الله، إن كنا مجزيين بكل سوء عملناه؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: «أما تحزن؟ أما تمرض؟ أما يصيبك اللأواء؟» قال بلى يا رسول الله، قال: «هو ذلك» فكل من عمل سوءًا جوزي به، {ولا يجد له من دون الله وليًا} يليه ويدفع عنه، {ولا نصيرًا} ينصره ويمعنه من عذاب الله. الإشاره: لا تُنال المراتب بالأماني الكاذبة والدعاوي الفارغة، وإنما تنال بالهمم العالية، والمجاهدات القوية، إنما تنال المقامات العالية بالأعمال الصالحة، والأحوال الصافية، وأنشدوا: بِقَدرٍ الكذِّ تُكتَسَبُ المَعَالِي *** من أراد العز سهر الليالي تُرِيدُ العزَّ ثُم تَنَامُ لّيلاً *** يَغُوضُ البحر مَن طَلَبَ اللآلي ولما نزل قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب...} الآية. قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء.