Entités

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأنعام 56

BE152513Tafsir

يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {إني نُهيتُ} أي: نهاني ربي {أن أعبدَ الذين تدعُون} أي: تعبدون {من دون الله}، أو ما تدعونها آلهة؛ أي: تسمونها بذلك، وتخضعون لها من دون الله، {قل} لهم: {لا أتبع أهواءكم} الفاسدة وعقائدكم الزائغة، {قد ضللتُ} عن الحق {إذًا} أي: إذا اتبعت أهواءكم، {وما أنا من المهتدين} أي: ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم، وفيه تعريض بهم، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى، ليسوا على شيء منها. {قل إني على بيّنة} أي: طريق واضحة {من ربي} تُوصلني إلى تحقيق معرفته، واستجلاب رضوانه، أنا ومن اتبعني، {و} أنتم {كذبتم به} أي: بربي؛ حيث أشركتم به وعبدتم غيره، أو كذبتم بطريقه؛ حيث أعرضتم عنها، واستعجلتم عقابه في الدنيا، {ما عندي ما تستعجلون به} من العذاب أو المعجزات، {إن الحكم إلا لله} في تعجيل العذاب وتأخيره، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها، {يقَصُّ} القصص {الحق} وهو القرآن، أي: ينزله عليّ لأنذركم به، أو يقضي القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر، فيحكم بيني وبينكم إن شاء، {وهو خير الفاصلين} أي: القاضين. {قل لو أن عندي} أي: في قدرتي وطوقي {ما تستعجلون به} من العذاب {لقُضي الأمر بيني وبينكم} أي: لأهلكتكم عاجلاً؛ غضبًا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم، {والله أعلم بالظالمين} أي: عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلاً، وبمن ينبغي أن يمهل، فمفاتح الغيب كلها عنده، كما سيذكره. الإشارة: قل، أيها العارف، المتوجه إلى الله، المنقطع كليته إلى مولاه، الغائب عن كل ما سواه: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله؛ من حب الدنيا، ومن الرياسة والجاه. قل: لا أتبع أهواءكم؛ لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد، حين وصلت إلى حضرته، وتنعمت بشهود طلعته، فانحصرت محبتي في محبوب واحد، وفي ذلك يقول القائل: كَانَت لِقَلبيَ أهوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ *** فَاستَجمَعَت مُذ رأتكَ العَينُ أهوائِي فَصَارَ يَحسُدُنِي مَن كُنتُ أحسُدُهُ *** وَصِرتُ مَولَى الوَرَى مُذ صِرت مَولائِي تَرَكتُ لِلنَّاسِ دنياهم ودِينَهُم *** شُغلاً بِذِكرك يَا دِينِي ودُنيَائِي وقال آخر: تَركتُ للنَّاسِ ما تَهوَى نُفوسُهم *** مِن حُبِّ دُنيا ومن عزِّ ومن جَاهِ كذَاكَ تَركُ المقَامَات هُذَا وَهُنَا *** والقَصدُ غَيبَتُنَا عَمَّا سِوَى اللهِ {قل إني على بينة من ربي} أي: بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي، فقد كذَّبتم بخصوصيتي، وطلبتم دلائل ولايتي، ما عندي ما تستعجلون به من الكرامات، {إن الحكم إلا لله}، يقضي القضاء الحق، فيُظهر ما يشاء، ويُخفي مَن يشاء، {وهو خير الفاصلين} أي: الحاكمين بين عبادة، قل لو أن عندي ما تستعجلون به؛ من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي، لقٌضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالمكذبين بأوليائه.