Entités

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأنعام 93

BE152550Tafsir

قلت: {كما خلقناكم}: بدل من {فُرَادى}، أو حال ثانية، و{لقد تقطع بينكم}؛ من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي: تقطع وصلُكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي: تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول؛ لقد تقطع ما بينكم. يقول الحقّ جلَ جلاله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} فزعم أنه يوحى إليه، كمسيلمة الكذاب والأسود العَنسي، أو: غيَّر الدين، كعَمرو بن لحي وأمثاله {أو قال أُوحي إليَّ ولم يُوحَ إليه شيء} كابن أبي سَرح ومن تقدم، إلا من تاب، كابن أبي سرح. {ومَن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} الذين قالوا: {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلِ هَذَا} [الأنفَال: 31] كالنضر بن الحارث وأشباهه. {ولو ترى إذ الظالمون} من اليهود والكذابين والمستهزئين، حين يكونون {في غمرات الموت}: شدائده {والملائكة باسطو أيديهم} لقبض أرواحهم، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم، قائلين لهم: {أخرجوا أنفسكم} من أجسادكم؛ تغليظًا عليهم، {اليوم} وما بعده {تُجزون عذاب الهون} أي: الهوان، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب {بما كنتم تقولون على الله غير الحق}، كادعاء النبوة كذبًا، وادعاء الولد والشريك لله، {وكنتم عن آياته تستكبرون} فلا تستمعون لها، ولا تؤمنون بها، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرًا فظيعًا وهولاً شنيعًا. يقول الحق سبحانه لهم: {ولقد جئتمونا} للحساب والجزاء، {فُرادى}. متفرَّدين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله: {كما خلقناكم أول مرة} أي: على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفُاة عُراة غُرلاً {وتركتم ما خولناكم} أي: تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة، {وراء ظهوركم}، فلم تقدموا منه شيئًا، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا، {وما نرى معكم شفعاءكم} أي: أصنامكم {الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} أي: أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، {لقد تقطَّع بينكم} أي: تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم، {وضَلَّ} أي: غاب {عنكم ما كنتم تزعمون} أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم. الإشارة: كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله: {ولقد جِئتُمُونَا فرادى...} إلخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا. وقال الورتجبي: ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي: ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعرَاف: 172] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ»، يعني: على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت: وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني: مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الإغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال: ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} أي: من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف: كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. اهـ. وقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم} إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant1
Total4

Traductions

🇸🇦 Arabic
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأنعام 93