قلت: {مكروا السيئات}: صفة لمحذوف، أي: المكرات السيئات، والتخوّف، قيل: معناه: التنقص، وهو أن تنقصهم شيئًا فشيئًا. رُوي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها، فقال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم. قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدَاً *** كَمَا تَخوَّفَ عُودَ النَّبَْعةِ السفَنُ فقال عمر: عليكم بديوانكم؛ لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. اهـ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفأمِنَ الذين مَكروا} المكرات السيئات برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، حيث قصدوا ردّ دينه، وصدوا الناس عن طريقه، {أن يَخْسِفَ اللهُ بهم الأرض} كما خسف بقارون، {أو يأتيهُم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: بغتة من حيث لا يظنون، كما فعل بقوم لوط، {أو يَأخذهم في تقلبهم}؛ في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم، {فما هم بمعجزين}؛ بفائتين قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم، {أو يأخذهم على تَخوُّفٍ}: على تنقص، بأن ينقص أموالهم وأنفسهم، شيئًا فشيئًا، حتى يهلكوا جميعًا، من غير أن يهلكهم جملة واحدة. وعليه يترتب قوله: {فإن ربكم لرؤوف رحيم} حيث لم يهلكهم دفعة واحدة، أو: على تخوف: على مخافة بأن يهلك قومًا قبلهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله: {وهم لا يشعرون}، وقوله: {فإن ربكم لرؤوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل، يُخوف به أهل المكر بالأولياء والمنتسبين، وقد تقدم هذا مرارًا.