Entités

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأنبياء 104

BE154255Tafsir

قلت: {يوم}: ظرف لاذكر، أو لقوله: {لا يحزنهم الفزع}، أو لتتلقاهم. والسجل: الصحيفة، والكتاب: مصدر، و{كما بدأنا}: منصوب بمضمر، يُفسره ما بعده، و{ما}: موصولة. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {يوم نَطْوِي السماءَ}؛ وذلك يوم الحشر والناس في الموقف، فتجمع وتُكوّر وتُطوى {كطَيِّ السِّجِلِّ}؛ الصحيفة {للكتاب} أي: لأجل الكتابة فيها؛ لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين؛ ليكتب فيها. فاللام للتعليل، أو بمعنى على، أي: كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها، لتُصان، وقرأ أبو جعفر: {تُطوى}؛ بالبناء للمفعول. وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها. وأصل الطي: الدرج، الذي هو ضد النشر. وقرأ الأخوان وحفص: {للكُتُبِ} بالجمع، أي: للمكتوبات، أي: كطي الصحيفة؛ لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها، أو كطيها عليها؛ لتُصان. فالكتاب أصله مصدر، كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. وقيل: السجل: ملك يطوي كتب ابن آدم، إذا رفعت إليه، فالكتاب، على هذا، اسم للصحيفة المكتوب فيها، والطي مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: إلى المفعول. {كما بدأنا أول خَلقٍ نُعيده} أي: نعيد ما خلقنا حين نبعثهم، كما بدأناهم أول مرة، فالتنوين في {خَلقٍ} مثله في قولك: أول رجلٍ جاءني، تريد أول الرجال والتقدير: كما بدأنا أول الخلائق، نعيدهم حفاةً عراة غُرلاً. قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ تَحْشَرُونَ يَوْمَ القيَامَة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. وأول مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ خليلُ الله»، أي: لأنه جرد في ذات الله، فقالت عائشة- رضي الله عنها-: واسوءتاه! فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض؟ فقال: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغنيه» ثم قرأ- عليه الصلاة والسلام-: {كما بدأنا أول خلق نعيده}. كما بدأناه من الماء نعيده كيوم ولدته أمه. قلت: قد استدل بعضهم، بظاهر الآية والحديث، أن أهل الجنة ليس لهم أسنان، ولا دليل فيه؛ لأن المقصود من الآية: الاستدلال على كمال قدرته تعالى، وعلى البعث الذي تُنكره الكفرة، لا بيان الهيئة، وعدمُ وجودها نقصان، ولا نقص في الجنة. ثم أكد الإعادة بقوله: {وعدًا علينا} أي: نُعيده وعدًا، فهو مصدر مؤكد لغير فعله؛ بل لِمَا في {نعيده} من معنى العِدة، أي: وعدنا ذلك وعدًا واجبًا علينا إنجازه؛ لأنا لا نُخلف الميعاد، {إِنا كنا فاعلين} لما ذكرنا لا محالة، فاستعدوا له، وقدِّموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال. وبالله التوفيق. الإشارة: إذا أشرقت على القلب شموسُ العرفان، انطوت عن مشهده وجودُ الأكوان، وأفضى إلى فضاء العيان، فلا سماء تظله ولا أرض تحمله، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: لقد تجلى ما كان مخبى *** والكون كُلٌّ طويت طي