Entités

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — لقمان 23

BE155160Tafsir

يقول الحق جل جلاله: {أَلَمْ تَرَوْا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض}، يعني: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والمطر، وغير ذلك، {وما في الأرض}، يعني: البحار والأنهار، والأشجار، والثمار، والدواب، والمعادن، وغير ذلك، {وأسْبَغَ}: أتم {عليكم نِعَمَه}، بالجمع، والإفراد؛ إرادة الجنس. والنعمة: ما يسر به الإنسان ويتلذذ به، حال كونها {ظاهرةً}؛ ما تدرك بالحس، {وباطنة}؛ ما تدرك بالعلم والوجدان. فقيل: الظاهرة. السمع، والبصر، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك. أو: الظاهرة: الصحة والعافية، والكفاية؛ والباطنة: الإيمان، واليقين، والعلم والمعرفة بالله، وسيأتي في الإشارة بقيتها. رُوي أن موسى عليه السلام قال: دُلني على أخفى نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم: النَّفسُ. اهـ. قلت: إذ بمجاهدتها تحصل السعادة العظمى، ولا وصول إليه إلا بمجاهدتها والغيبة عنها. وفي هذا المعنى كان شيخ شيخنا يقول: جزاها الله عنا خيراً؛ ما ربحنا إلا منها. اهـ. وقيل: الظاهرة: تحسين الخلْق، والباطنة: حُسْنُ الخلقُ. وقال ابن عباس: الظاهرة: ما سوى من خلقك، والباطنة: ما ستر من عيوبك. {ومن الناس من يُجادل في الله} بعد هذه النعم المتواترة، أي: في توحيده وصفاته ودينه، {بغير علم} مستفاد من دليل ولا برهان، {ولا هُدىً} اي: هداية رسول، {ولا كتاب منير} أنزله الله، بل بمجرد التقليد الردي. نزلت في النضر بن الحارث. وقد تقدمت في الحج. {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} على رسوله؛ من التوحيد، والشرائع، {قالوا بل نتبعُ ما وجدنا عليه آباءنا} من عبادة الأصنام. وهو دليل منع التقليد في الأصول. قاله البيضاوي قلت: والمشهور أن إيمان المقلِّد صحيح. وأما من قلَّد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ينظر، فهو مؤمن، اتفاقاً. قال تعالى: {أَوَ لَو}؛ أيتبعونهم، ولو {كان الشيطانُ يدعوهم إلى عذاب السعير}، يحتمل أن يكون الضمير لهم، أي: أيقلدونهم، ولو كان يدعوهم بذلك التقليد إلى العذاب، أو: لآبائهم، أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان في زمانهم يدعوهم إلى عذاب السعير. الإشارة: الأكوان كلها خُلِقَتْ لك أيها الإنسان، وأنت خُلِقْتَ للحضرة، فاعرف قَدْرَكَ، ولاتتعدَّ طَوْرَكَ، واشكر النعم لتي أسبغ عليك؛ ظاهرة وباطنة. الظاهرة: استقامة الظواهر في عمل الشرائع، والباطنة: تصفية البواطن؛ لتتهيأ لأنوار الحقائق، أو: الظاهرة: المنن، والباطنة: المحن. قال القشيري: قد تكلموا في الظاهرة واباطنة وأكثروا. فالظاهرةُ: وجودُ النعمة، والباطنةُ: شهودُ المنعِم، أو: الظاهرةُ: الدنيويةُ، والباطنة: الدينية. أو: الخلْق والخُلق، أو: نَفْس بلا زَلَّة، وقلبٌ بلا غفلة، أو: عطاء ورضى. أو: الظاهرة: في الأموال ونمائها، والباطنة: في الأحوال وصفائها، أو: الظاهرة: النعمةُ، والباطنة: العصمةُ، أو: الظاهرةُ: توفيقُ الطاعات، والباطنة: قبولُها، أو: الظاهرة: صحبة العارفين، والباطنةُ: حِفْظُ حُرْمَتِهم وتعظيمهم. أو: الظاهرة: الزهدُ في الدنيا، والباطنة: الاكتفاءُ بالله من الدنيا والعُقبى. أو: الظاهرة: الزهد، والباطنة: الوَجْدُ. أو: الظاهرة: توفيق المجاهدة، والباطنة: تحقيقُ المشاهدة، أو: الظاهرة: وظائف النَّفْس، والباطنة: لطائف القلب، أو: الظاهرة: اشتغالُك بنفسك عن الخلق، والباطنة: اشتغالك بربَّك عن نفسك، أو: الظاهرة: طَلَبَهُ، والباطنة: وجودُه، أو: الظاهرةُ: أنْ تَصِلَ إليه، والباطنة: أن تبقى معه. اهـ. ببعض المعنى. ثم قال القشيري: {وإذا قيل لهم أتبعوا ما أنزل الله...} الآية: لم يتخطوا أمثالَهم، ولم يهتدوا إلى تحوِّل أحوالهم. اهـ. يعني: قلدوا أسلافكم في الإقامة مع الرسوم والأشكال، والانهماك في الحظوظ، فعاقبهم ذلك عن السير والوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله.