Entités

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأحقاف 26

BE156204Tafsir

قلت: {فيما} موصولة، أو موصوفة، ومفعول {اتخذوا} الأول: محذوف، و{آلهة} مفعول ثان، أي: اتخذوهم آلهة، و{قرباناً} حال، ولا يصح أن يكون مفعولاً ثايناً ل {اتخذوا}، و {آلهة}: بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده: أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً؛ لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصود بنفسها، فتأمله، وإن نافية، والأصل: فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل: مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل: إن صلة، أي: في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن. يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد مكَّنَّاهم} أي: قررنا عاد ومكناهم في التصرُّف {فيما} أي: في الذي، أو في شيء ما {مكناكم} يا معشر قريش {فيه} من السعة والبسطة، وطول الأعمار، وسائر مبادئ التصرفات، فما إغنى عنهم شيء من ذلك، حين نزل بهم الهلاك، وهذا كقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ} [الأنعام: 6] أو: ولقد مكنهم في مثل ما مكنكم فيه، فما جرى عليهم يجري عليكم، حيث خالفتم نبيكم، والأول أوفق بقوله: {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَاراً فِى الأَرْضِ} [غافر: 21] وقوله: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74]. {وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدةً} أي: آلات الإدراك والفهم، ليعرفوا بكل واحدة منها ما خلقتْ له، وما نيطت به معرفته، من فنون النعم، ويستدلوا بها شؤون منعمها، ويداوموا على شكرها، ويوحدوا خالقها،، {فما أغنى عنهم سمعُهم} حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، {ولا أبصارهم} حيث لم يُبصروا ما نصب من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ووجوب وجوده، {ولا أفئدتهم} حيث لم يتفكّروا بها في عظمة الله تعالى وأسباب معرفته، فما أغنت عنهم {من شيء} أي: شيئاً من الإغناء. و{من} زائدة؛ للتأكيد، وقوله: {إِذ كانوا يجحدون بآيات الله} ظرف لقوله: {فما أغنى} جارٍ مجرى التعليل، لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك: ضربته إذ أساء، أو: لإساءته، لأنك إذا ضربته وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، وكذلك الحال في حيث دون سائر الظروف غالباً، أي: فما أغنت عنهم آلات الإدراك لأجل جحودهم بآيات الله. {وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}. {ولقد أهلكنا ما حولَكم من القرى} يا أهل مكة، كحِجر ثمود، وقرى لوط، والمراد: أهل القرى، ولذلك قال: {وصرَّفنا الآياتِ} كرّرناه، {ولعلهم يرجعون} أي: كرّرنا عليهم الحجج وأنواع العِبر لعلهم يرجعون من الطغيان إلى الإيمان، فلم يرجعوا فأنزلنا عليه العذاب. {فلولا نَصَرَهم الذين اتخذوا من دون الله قُرباناً آلهةً} أي: فهلاّ منعهم وخلصهم من العذاب الأصنام الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، حال كونها متقرباً بها إلى الله، حيث كانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] و{هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18] {بل ضلوا عنهم} أي: غابوا عن نصرتهم، {وذلك إِفكهم وما كانوا يفترون} الإشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذها آلهة، وثمرة شركهم، وفترائهم على الله الكذب. وقرأ ابن عباس وابن الزبير: {أَفَكَهم} أي: صرفهم عن التوحيد. وقُرئ: بتشديد الفاء، للتكثير. الإشارة: التمكُّن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفاً في المعنى، وبُعداً من الحق، ولذلك يقول الصوفية: كل من زاد في الحس نقص في المعنى، وكل ما نقص في الحس زاد في المعنى، والمراد بالمعنى: كشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وما مكّن اللّهُ تعالى عبدَه من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه، ويوصله إلى معرفته، فإذا صرفها في غير ذلك، عُوقب عليها. وبالله التوفيق.