Entités

تفسير الرازي — يونس 30

BE183991Tafsir

{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)} واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها. وقوله: {هُنَالِكَ} معناه: في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان، وفي قوله: {تَبْلُواْ} مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي {تَتْلُواْ} بتاءين، وقرأ عاصم {نبلوكُلُّ نَفْسٍ} بالنون ونصب كل والباقون {تَبْلُواْ} بالتاء والباء. أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان: الأول: أن يكون معنى قوله: {تَتْلُواْ} أي تتبع ما أسلفت، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار. الثاني: أن يكون المعنى: أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى: {اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] وقال: {فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم} [الإسراء: 71] وأما قراءة عاصم فمعناها: أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل، والمعنى: أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها، إن كان حسناً فهي سعيدة، وإن كان قبيحاً فهي شقية، والمعنى نفعل بها فعل المختبر، كقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2] وأما القراءة المشهورة فمعناها: أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت. البحث الثاني: الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} [الأعراف: 168] ويقال: البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء. ولقائل أن يقول: إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء؟ وجوابه: أن الابتلاء سبب لحدوث العلم، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور. وأما قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق} فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه، وهاهنا فيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى الله} أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره. والثاني: أن يكون المراد {وَرُدُّواْ} إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب، منبهاً بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير. الثالث: أن يكون المراد من قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى الله} أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى، ولذلك قال: {مولاهم الحق} أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق. وأما قوله: {مولاهم الحق} فقد مر تفسيره في سورة الأنعام. وأما قوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق.