Entités

تفسير القشيري — يوسف 100

BE190534Tafsir

قوله جلّ ذكره: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ}. أوقف كُلاًّ بمحلِّة؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم. قوله: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً}: كان ذلك سجودَ تحيةٍ، فكذلك كانت عادتهم. ودَخَلَ الأَبَوان في السجود- في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله: {وَخَرُّوا} إخبارٌ عن الجميع، ولأنه كان عن رؤياه قد قال: {إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] وقال هاهنا: {هَذَا تَأْوِيلُ رُءيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقَاً}. قوله جلّ ذكره: {أَحْسَنَ ِبِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجِنْ وَجَاءَ بكُم مِّن البَدوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْن إِخْوَتِى إِنَّ رَبِىّ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ}. شهد حسانه فَشَكَرَه.. كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده. وذَكَرَ حديثَ السجن- دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر. وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ} وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال، وفي معناه أنشدوا: وأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني *** بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح تجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح وفي قوله: {وَجَآءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ} إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته- وإنْ كانوا أهل الجفاء، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة. قوله: {مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىْ} أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال: {بينى وبني إخوتى} يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال: {بَيْنِى وَبَيْنَ إْخْوَتِى}. ثم نطق عن عين التوحيد فقال: {إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني.