Entités

تفسير القشيري — النور 36

BE191665Tafsir

قوله جلّ ذكره: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ}. المساجدُ بيوتَه- سبحانه- وإنَّ الله أَذِنَ أَنْ تُرْفَعُ الحوائجُ فيها إليه فيقضيها، ورَفَعَ أقدارَ تلك البيوتِ على غيرها من الأبنية والآثار. المساجدُ بيوتُ العبادة والقلوبُ بيوتُ الإرادة؛ فالعابِدُ يَصِلُ بعبادته إلى ثوابِ الله، والقاصدُ بإرادته إلى الله. ويقال القلوبُ بيوتُ المعرفة، والأرواحُ مَشاهِدُ المحبة، والأسرار محالُّ المشاهدة. قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ...} لم يقل: لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون، بل قال: لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله، فإنْ أمكن الجمع بينهما فلا بأسَ- ولكنه كالمعتذر- إلاَّ على الأكابر الذين تجري عليهم الأمورُ وهم عنها مأخوذون. ويقال هم الذين يُؤْثِرون حقوقَ الحقِّ على حظوظ النَّفْس. ويقال إذا سمعوا صوتَ المؤذن: حيَّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع، وقاموا الأداء حقه. ويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] عن التحقق بذكره من غير ملاحظة عِوَضٍ أو مطالعة سبب. قوله جلّ ذكره: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}. أقوامٌ ذلك اليومُ مُؤَجَّلٌ لهم، وآخرون: ذلك لهم مُعَجَّلٌ وهو بحسب ما هم فيه من الوقت؛ فإنَّ حقيقةَ الخوفِ تَرَقُّبِ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس. قوله جل ذكره: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. مَنْ رَفَعَ الحسابَ من الوَسَطَ يَرْفَعْ معه الحساب، ومَنْ هو في أَسْرِ مطالباته فالوزنُ يومئذٍ الحقُّ. والرزقُ بغير حساب في أرزاق الأرواح، فأَمَّا أرزاقُ الأشباحِ فمحصورةٌ معدودةٌ؛ لأن أرزاقَ الأشباحِ حظوظٌ؛ وهي وجودُ أفضال وفنونُ نوالٍ،. وما حَصَرَه الوجودُ مِنَ الحوادثِ فلا بُدَّ أن يأتيَ عليه العَدَدُ، وأما مكاشفةُ الأرواحِ بشهودِ الجمالِ والجَلال فذلك على الدوام.