قوله جلّ ذكره: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ}. بل أمورُهم مُنْتَقَضةٌ عليهم؛ فلا يتمشّى لهم شيء مما دبَّروه، ولا يرتفع لهم أمرٌ على نحو ما قدَّروه- وهذه الحالُ أوضحُ دليل على إثبات الصانع. قوله جل ذكْره: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}. إنما خوَّفهم بسماع المَلَك، وبكتابتهم أعمالهم عليهم بغفلتهم عن الله- سبحانه، ولو كان لهم خبرٌ عن الله لما خَوَّفهم بغير الله، ومَنْ عَلِمَ أنَّ أعمالَه تُكتْتَبُ عليه، وأنه يُطالَبُ بمقتضى ذلك- قَلَّ إلمامُه بما يخاف أن يُسألَ عنه.. قوله جل ذكره: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوْلُ الْعَابِديِنَ}. أي إن كان في ضميركم وفي حُكْمِكم وفي اعتقادكم أنَّ للرحمن ولداً فأنا أوَّلُ مَنْ يستنكِفُ من هذه القالة. قوله جل ذكره: {سُبْحانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. تنزَّه الله تنزيهاً، وتقدَّس تقديساً عمَّا قالوه. وفي هذه الآيات وأمثالِهَا دليلٌ على جوازِ حكاية قول المبتدعة- فيما أخطأوا فيه من وصف المعبود- قصداً للردِّ عليهم، وإخباراً بتقبيح أقولهم، وبطلانِ مزاعمهم. ثم قال جلَّ ذكره: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ}. إذ ليس يفوت أمرُهم، وهم لا محالة سيلقون صغرهم. وفي هذا دليلٌ على أنه لا ينبغي للعبد أن يَغْتَرَّ بطول السلامة فإنَّ العواقبَ غيرُ مأمونة. قوله جل ذكره: {وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَآءِ إِلهُ وَفِى الأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}. المعبودُ- في السماء- الله، ولمقصودُ- في طلب الحوائج في الأرض- الله. أهلُ السماءِ لا يعبدون غير الله، وأهل الأرض لا يَقْضِي حوائجهم غير الله. {وَهُوَ الْحَكِيمُ} في إمهاله للغُصاة، {الْعَلِيمُ} بأحوالِ العِباد. {وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. تعالى وتقدَّس وتنزَّه وتكبَّرَ الذي له مُلْكُ السموات والأرض. السمواتُ والأرضُ بقدرته تظهر *** لا هو بظهورها يتعزَّز. قوله جل ذكره: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعَونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. أي شهد- اليوم- بالتوحيد، فيثبت له الحقُّ حقِّ الشفاعة. وفي الآية دليل على أن جميع المسلمين شفاعتهم تكون غداً مقبوله.