قوله جلّ ذكره: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَالهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}. {كَفَرُواْ} وحجدوا، {وَصَدُّكُمْ} ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية. {وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً}: أي منعوا الهَدْيَ أن يبلغَ مَنحرَه، فمعكوفاً حالٌ من الهدي أي محبوساً. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق تلك السَّنَة سبعين بَدَنَةٌ. قوله جلّ ذكره: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدخِلَ اللّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}. لو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرَّة منكم بغير علم لَسَّلْطناكم عليهم ولأظفرناكم بهم. وفي هذا تعريفٌ للعبد بأن أموراً قد تنغلق وتَتَعَسّر فيضيق قلب الإنسان.. ولله في ذلك سِرُّ، ولا يعدم ما يجري من الأمر أن يكون خيراً للعبد وهو لا يدري كما قالوا: كم مرة حفَّت بك المكاره *** خير لك اللَّهُ وأنت كاره قوله جلّ ذكره: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمْيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِليَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أحقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَئ عَلِيماً}. يعني الأنفة؛ أي دَفَعْتهم أنفةُ الجاهليه أن يمنعوكم عن المسجد الحرام سَنَةَ الحديبية، فأنزل اللَّهُ سكينته في قلوب المؤمنين حيث لم يقابلوهم بالخلاف والمحاربة، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحِلْم. {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} وهي كلمة ُ التوحيد تَصْدُرُ عن قلبِ صادق: فكلمةُ التقوى يكون معها الاتقاءُ من الشَّرْك. {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا} حسب سابق حُكْمِه وقديم علمه..... {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَئ عَلِيماً}. ويقال: الإلزامُ في الآية هو إلزامُ إكرامٍ ولطف، لا الإلزام إكراهٍ وعُنْفٍ؛ وإلزامُ برِّ لا إلزام جبر... وكم باسطين إلى وَصْلنا *** أكفهمو.. لم ينالوا نصيبا! ويقال كلمة التقوى: التواصي بينهم بحفظ حق الله. ويقال: هي أن تكون لك حاجةٌ فتسأل الله ولا تُبديها للناس. ويقال: هي سؤالك من الله أن يحرُسَك من المطامع.