قوله جلّ ذكره: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قوم يصير لهم ذلك هنيئاً بطَعْمِه ولَذَّتِه، وقومٌ يصير هنيئاً لهم سماعُ قولهم عنه- سبحانه- هنيئاً، وقوم يصير لهم ذلك هيناَ ليِّناً وهم بمشهد منه: فاشرب على وجهها كَغُرَّتِها *** مُدامةً في الكؤوس كالشَّررِ {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ}. يظلَّون في سرور وحبور، ونصيب من الأنْس موفور. قوله جلّ ذكره: {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. يُكْملُ عليهم سرورهم بأَنْ يُلْحِق بهم ذُرِّياتِهم؛ فإنَّ الانفرادَ بالنعمة عَمَّنْ القلبُ مشتغِلٌ به من الأهل والولد الذرية يوجِب تَنَغص العيش. وكذلك كلُّ مْن قلبُ الوليِّ يلاحِظه من صديق وقريب، ووليٍّ وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: {وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93]. وفي هذا المعنى قالوا: إنيِّ على جفواتها- فبربِّها *** وبكلِّ مُتَّصلٍ بها متوسِّلِ لأحُّبها وأُحِبُّ منزلَها الذي *** نزلت به وأحب أهل المنزِل {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَئ كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}. أي ما أنقصنا من أجورهم من شيءٍ بل وفينا ووفَرنا. وفي الابتداء نحن أَوْليْنا وزدنا على ما أعطينا. {كُلُّ امْرِى بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} مُطَالَبٌ بعمله، يوفىَّ عليه أَجره بلا تأخير، وإنْ كان ذنباً فالكثيرُ منه مغفور، كما أنه اليوم مستور. قوله جلّ ذكره: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَ كَأْساً لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ}. أي لا يجري بينهم باطلٌ ولا يؤثمهم كما يجري بين الشَّربِ في لدنيا، ولا يَذْهبُ الشُّرْبُ بعقولهم فيجري بينهم ما يُخْرِِجهم عن حَدِّ الأدبِ والاستقامة. وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومِن المعلوم من يسقيهم، وهم بمشهد منه وعلى رؤية منه؟