قوله جل ذكره: {إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. كذَّبهم فيما قالوا وأظهروا، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا تصديقك، فهم لم يكذبوا في الشهادة ولكنَّ كِذْبَهم في قولهم: إنَّهم مخلصون لك، مُصَدِّقون لك. فصِدْقُ القالة لا ينفع مع قُبْح الحالة. ويقال: الإيمان ما يوجِبُ الأمان؛ فالإيمانُ يوجِبُ للمؤمن إذا كان عاصياً خلاصَه من العذاب أكثره وأقّله.. إلاَّ ما ينقله من أعلى جهنم إلى أسفلها. قوله جل ذكره: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تَسَتَّرُوا بإقرارهم، وتكَشَّفوا بنفاقهم عن أسْتارِهم فافتضحوا، وذاقوا وبالَ أحوالهم. قوله جل ذكره: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. استضاؤوا بنورِ الإجابة فلم يَنْبَسِطْ عليهم شعاعُ السعادة، فانطفأ نورُهم بقَهرِ الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحُكْم الشقاوة. قوله جل ذكره: {وَإِذَا رَأَيْتُهمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيِْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللًّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. أي هم أشباحٌ وقوالبٌ وليس وراءهم ألبابٌ وحقائق- فالجوزُ الفارغُ مُزَيَّنٌ ظاهِرُه ولكنه للعب الصبيان. {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} وذلك لِجُبْنِهم؛ إذ ليس لهم انتعاشٌ بربِّهم، ولا استقلالٌ بغيرهم. {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} هم عدوٌّ لك- يا محمد- فاحْذَرْهم، ولا يَغُرَّنْكَ تَبَسُّطُهم في الكلام على وجهِ التودُّدِ والتقرُّب.