Entités

تفسير القشيري — التغابن 9

BE194408Tafsir

قوله جل ذكره: {يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُّسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. قصِّروا حِيَلكُم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومُكم، وأنا أعلمُ ذلك دونَكم.. فاطلبوا منِّي، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر. ويقال: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ}. فاحذورا دقيقَ الرياء، وخَفِيَّ ذات الصدور {وَمَا تُعْلِنُونَ}: فاحذروا ان يخالِفَ ظاهرُكم باطنكم. في قوله: {مَا تُسِرُّونَ} أمرٌ بالمراقبة بين العبد وربه. وفي قوله: {ما تعلنون} أمرٌ بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخَلْق. قوله جل ذكره: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نََبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ واللهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ}. المراد من ذلك هو الاعتبار بِمَنْ سَلَفَ، ومَنْ لم يعتبِرْ عَثَرَ في مَهْوَاةٍ من الامَلِ، ثم لا يَنْتَعِشُ إلاّ بعد فواتِ الأمرِ من يده. {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم}. شاهدوا الأمر من حيث الخَلْقِ فتَطَوَّحوا في متاهاتِ الإشكالِ المختلفةِ الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلَّصوا من تفرقة الأباطيل، واستراحوا بشهود التقدير من اختلاف الأحوال ذات التغيير. قوله جل ذكره: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عِملِْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}. الموتُ نوعان: موتُ نَفْسٍ، وموتُ قلب، ففي القيامة يُبْعَثون من موت النَّفْس، وأمَّا موتُ القلبِ فلا بَعْثَ منه- عند كثيرٍ من مخلصي هذه الطائفة، قال تعالى مُخْبِراً عنهم: {قَالُواْ يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَننَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] فلو عرفوه لَمَا قالوا ذلك؛ فموتُ قلوبِهم مُسَرْمَدٌ إلى أنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً، فهذا الوقتُ وقتُ موتِ قلوبهم. قوله جل ذكره: {فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذَى أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. {النور الذي أنزلنا}: القرآن. ويجوز ان يكون ما أنزل في قلوب اوليائه من السكينة وفنون الألطاف. قوله جل ذكره: {يَوْمَ يَحْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. المطيعُ- يومئذٍِ- في غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي في غبن لأنه استكثر من الزلَّة. وليسَ كلُّ الغبنِ في تفاوت الدرجات قلَّةً وكثرة، فالغبن في الأحوال أكثر.