{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)} {وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم} فهو سبحانه يقهر من يعصيك منهم ومن غيرهم بعزته وينصرك برحمته، وتقديم وصف العزة قيل لأنه أوفق قام التسلي عن المشاق اللاحقة من القوم إليه صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون ذلك لأن العزة كالعلة المصححة للتوكل والرحمة كالعلة الداعية إليه، وفسره غير واحد بتفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على أن ينفعه ويضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى، وذكر بعضهم أن هذا من أحط مراتب التوكل وأدناها، ونقل عن بعض العارفين أنه فيما بين الناس على ثلاث درجات. الأولى: التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس ونفع الخلق وترك الدعوى، والثانية: التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهادًا في تصحيح التوكل وقمع تشرف النفس تفرغًا إلى حفظ الواجبات. والثالثة: التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل. وذلك أن يعلم أن الله تعالى لم يترك أمرًا مهملًا بل فرغ من الأشياء كلها وقدرها وشأنه سبحانه سوق المقادير إلى المواقيت، فالمتوكل من أراح نفسه من كد النظر والمطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين وهو أن يعلم أن الطلب لا ينفع والتوكل لا يمنع ومتى طالع بتوكله عوضًا كان توكله مدخولًا وقصده معلولًا وإذا خلص من رق الأسباب ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله تعالى كفاه الله تعالى كل مهم. وبين العلامة الطيبي أن في قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ} إلخ إشارة إلى المراتب الثلاث بما فيه خفاء. وفي مصاحف أهل المدينة. والشام «فتوكل» بالفاء. وبه قرأ نافع. وابن عامر. وأبو جعفر. وشيبة. وخرج على الإبدال من جواب الشرط. وجعل في الكشاف الفاء للعطف وما بعده معطوفًا على {فَقُلْ} [الشعراء: 216] أو {فَلاَ تَدْعُ} [الشعراء: 213] وما ذكر أولًا أظهر.