{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)} {وَأَخَّرَتْ ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم} أي أي شيء خدعك وجراك على عصيانك تعالى وارتكاب ما لا يليق بشأن عز شأنه وقد علمت ما بين يديك وما سيظهر من أعمالك عليك والتعرض لعنوان كرمه تعالى دون قهره سبحانه من صفات الجلال المانعة ملاحظتها عن الاغترار للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدارًا لاغتراره حسا يغويه الشيطان ويقول له افعل ما شئت فإن ربك كريم قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثله في الآخرة أو يقول له نحو ذلك مما مبناه الكرم كقول بعض شياطين الإنس: تكثر ما استطعت من الخطايا *** ستلقى في غد ربًا غفورًا تعض ندامة كفيك مما *** تركت مخافة الذنب السرورا فإنه قياس عقيم وتمنية باطلة بل هو مما يوجب المبالغة في الإقبال على الايمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان دون العكس ولذا قال بعض العارفين لو لم أخف الله تعالى لم أعصه فكأنه قيل ما حملك على عصيان ربك الموصوف بما يزجر عنه وتدعو إلى خلافه وقيل إن هذا تلقين للحجة وهو من الكرم أضًا فإنه إذا قبل له ما غرك إلخ يتفطن للجواب الذي لقنه ويقول كرمه كما قيل يعرف حسن الخلق والإحسان بقلة الآداب في الغلمان ولم يرتض ذلك الزمخشري وكان الاغترار بذلك في النظر الجليل وإلا فهو في النظر الدقيق كما سمعت وعن الفضيل أنه قال غره ستره تعالى المرخي وقال محمد بن السماك: يا كاتم الذنب أما تستحي *** والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله *** وستره طول مساويك وقال بعضهم: يقول مولاي أما تستحي *** مما أرى من سوء أفعالك فقلت يا مولاي رفقًا فقد *** جرأني كثرة أفضالك وقال قتادة غره عدوه المسلط عليه وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فقال الجهل وقاله عمر رضي الله تعالى عنه وقرأ {أنه كان ظلومًاجهولًا} [الأحزاب: 72] والفرق بين هذا وبين ماذكروا لا يخفى على ذي علم واختلف في الإنسان المنادى فقيل الكافر بل عن عكرمة أنه أبي بن خلف وقيل الأعم الشامل للعصاة وهو الوجه لعموم اللفظ ولوقوعه بين المجمل ومفصله أعنى {علمت نفس} [الأنفطار: 5] {وأن الأبرار وأن الفجار} [الإنفطار: 13، 14] وأما قوله تعالى: {بَلِ يَكْذِبُونَ بالدين} [الانفطار: 9] ففي الكشف أما أن يكون ترشيحًا لقوة اغترارهم بإيهام أنهم أسوأ حالًا من المكذبين تغليظًا وأما لصحة خطاب الكل بما وجد فيما بينهم وقرأ ابن جبير والأعمش ما أغرك بهمزة فاحتمل أن يكون تعجبًا وأن تكون ما استفهامية كما في قراءة الجمهور وأغرك عنى أدخلك في الغرة وقوله سبحانه: