Entités

زاد المسير في علم التفسير — البقرة 26

BE201712Tafsir

قوله تعالى: {إِنَّ الله لا يَسْتَحيْي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً} في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنه لما نزل قوله تعالى: {ضرب مثل فاستمعوا له إِن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] ونزل قوله: {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [العنكبوت: 41] قالت اليهود: وما هذا من الأمثال؟! فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل والفراء. والثاني: أنه لما ضرب الله المثلين المتقدمين، وهما قوله تعالى: {كمثل الذي استوقد ناراً} [البقرة: 17] وقوله: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] قال المنافقون: الله أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال، فنزلت هذه الآية، رواه السدي عن أشياخه. وروي عن الحسن ومجاهد نحوه. والحياء بالمد: الانقباض والاحتشام، غير أن صفات الحق عز وجل لا يطلع لها على ماهية، وإنما تمر كما جاءت. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حييّ كريم» وقيل: معنى لا يستحيي: لا يترك. وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين أن معنى لا يستحيي: لا يخشى. ومثله: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] أي: تستحيي منه. فالاستحياء والخشية ينوب كل واحد منهما عن الآخر. وقرأ مجاهد وابن محيصن: لا يستحي بياء واحدة، وهي لغة. قوله تعالى: {أن يضرب مثلاً} قال ابن عباس: أن يذكر شبهاً، واعلم أن فائدة المثل أن يبين للمضروب له الأمر الذي ضرب لأجله، فينجلي غامضه. قوله تعالى: {ما بَعوضَة} ما زائدة، وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين. وأنشدوا للنابغة: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا *** إلى حمامتنا أو نصفه فقد وذكر أَبو جعفر الطبري أن المعنى: ما بين بعوضة إِلى ما فوقها، ثم حذف ذكر: بين وإِلى إِذ كان في نصب البعوضة، ودخول الفاء في ما الثانية؛ دلالة عليهما، كما قالت العرب: مطرنا مازبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملاً، وهي أحسن الناس ما قرناً فقدماً يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها. وقال غيره: نصب البعوضة على البدل من المثل. وروى الأصمعي عن نافع: {بعوضةٌ} بالرفع، على إِضمار هو. والبعوضة: صفيرة البق. قوله تعالى: {فما فوقها} فيه قولان: أحدهما: أن معناه: فما فوقها في الكبر، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والفراء. والثاني: فما فوقها في الصغر، فيكون معناه: فما دونها، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: وقد يكون الفوق بمعنى: دون، وهو من الأضداد، ومثله: الجون؛ يقال للأسود والأبيض. والصريم: الصبح، والليل. والسَّدفة: الظلمة، والضوء، والحلل: الصغير، والكبير. والناهل: العطشان، والريان. والمائل: القائم، واللاطئ بالأرض. والصارخ: المغيث، والمستغيث. والهاجد: المصلي بالليل، والنائم. والرهوة: الارتفاع، والانحدار. والتلعة: ما ارتفع من الارض، وما انهبط من الارض. والظن: يقين، وشك. والاقراء: الحيض، والاطهار. والمفرع في الجبل: المصعد، والمنحدر. والوراء: خلفاً وقدّاماً. وأسررت الشيء: أخفيته، وأعلنته. وأخفيت الشئ: أظهرته وكتمته. ورتوت الشيء: شددته، وأرخيته. وشعبت الشيء: جمعته، وفرقته. وبُعت الشيء بمعنى: بعته، واشتريته. وشريت الشيء اشتريته. وبعته. والحي خلوف: غيب ومتخلفون. واختلفوا في قوله: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} هل هو من تمام قول الذين قالوا: {ماذا أراد الله بهذا مثلاً} [البقرة: 26] أو هو مبتدأ من كلام الله عز وجل؟ على قولين. أحدهما: أنه تمام الكلام الذي قبله، قاله الفراء، وابن قتيبة. قال الفراء: كأنهم قالوا: ماذا اراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا، ويهدي به هذا؟! ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله فقال الله: {وما يضل به إِلا الفاسقين} [البقرة: 26] والثاني: أنه مبتدأ من قول الله تعالى، قاله السدي ومقاتل. فأما الفسق؛ فهو في اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها. فالفاسق: الخارج عن طاعة الله إِلى معصيته. وفي المراد بالفاسقين هاهنا، ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: المنافقون، قاله أبو العالية والسدي. والثالث: جميع الكفار.