قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} روى سعد بن أبي وقاص قال: نزلت هذه الآية في ستة: فيّ، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقداد، وبلال. قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء، فاطردهم عنك، فدخل على رسول الله من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فنزلت هذه الآية. وقال خباب بن الأرتِّ: نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه وسلم، يعلّمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فقالا: إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره أن يرونا معهم، فاطردهم، إذا جالسناك. قال: «نعم». فقالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتاباً، فأتُي بأديم ودواة، ودعا علياً ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} إلى قوله: {فتنّا بعضهم ببعض}، فرمى بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول: {سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة}. فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته. وقال ابن مسعود: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خبَّاب، وصهيب، وبلال، وعمَّار، فقالوا: يا محمد، رضيتَ بهؤلاء، أتريد أن نكون تبعاً لهم؟! فنزلت {ولا تطرد الذين يدعون ربهم}. وقال عكرمة: جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، وأدنى لاتِّباعنا إياه، فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من مقالته. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم بلال، وصهيب، وخبَّاب، وعمَّار، ومِهْجَعُ، وسلمان، وعامر ابن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأن قوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} نزلت فيهم أيضا. وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن ناساً من الأشراف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. فعلى هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف، وعلى الأقوال التي قبله، سألوه طردهم عن مجلسه. قوله تعالى: {يدعون ربهم} في هذا الدعاء خمسة أقوال. أحدها: أنه الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس. وقال مجاهد: هي الصلوات الخمس؛ وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح والعصر. وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك. والثاني: أنه ذكر الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول الأول. والثالث: أنه عبادة الله، قاله الضحاك. والرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر. والخامس: أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. وقرأ الجمهور: {بالغداة} وقرأ ابن عامر هاهنا وفي الكهف أيضا: {بالغُدْوَةِ} بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو. قال الفراء: والعرب لا تدخل الألف واللام على {الغدوة} لأنها معرفة بغير ألف ولام، ولا تضيفها العرب؛ يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غُدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. وقال أبو علي: الوجه: الغداة، لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام؛ وأما غُدوة، فمعرفة. وقال الخليل: يجوز أن تقول أتيتك اليوم غُدوة وبُكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر. فان قيل: دعاء القوم كان متصلاً بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة والعشي، فالجواب: أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى. قوله تعالى: {يريدون وجهه} قال الزجاج: أي: يريدون الله، فيشهد الله لهم بصحة النيات، وأنهم مخلصون في ذلك. وأما الحساب المذكور في الآية ففيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه حساب الأعمال، قاله الحسن. والثاني: حساب الأرزاق. والثالث: أنه بمعنى الكفاية، والمعنى ما عليك من كفايتهم، ولا عليهم كفايتك. قوله تعالى: {فتكون من الظالمين} قال ابن الأنباري: عظم هذا الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وخُوِّفَ بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد همّ بتقديم الرؤساء على الضعفاء.