Entités

زاد المسير في علم التفسير — يونس 2

BE203045Tafsir

قوله تعالى: {أكان للناس عجباً} سبب نزولها: أن الله تعالى لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فنزلت هذه الآية. والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة، والمراد بالرجُل: محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى {منهم}: يعرفون نسبه، قاله ابن عباس، فأما الألِف فهي للتوبيخ والإِنكار. قال ابن الأنباري: والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إِرسال محمد، محذوف هاهنا، وهو مبيَّن في قوله: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} [الزخرف 32]، أي: فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة، فلا تنكروا تفضيل الله مَنْ شاء بالنبوة؛ وإنما حذفه هاهنا اعتماداً على ما بيَّنه في موضع آخر. قال: وقيل: إِنما عجبوا من ذكر البعث والنشور، لأن الإِنذار والتبشير يتصلان بهما، فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك، مثل قوله: {وهو أهون عليه} [الروم: 27]، وقوله: {يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79]. وفي المراد بقوله: {قَدَم صدق} سبعة أقوال: أحدها: أنه الثواب الحسن بما قدَّموا من أعمالهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه أبو صالح قال: عمل صالح يَقْدمون عليه. والثاني: أنه ما سبق لهم من السعادة في الذِّكر الأول، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: سابقة صدق. والثالث: شفيع صدق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة، قاله الحسن. والرابع: سَلَفُ صدق تقدّموهم بالإِيمان، قاله مجاهد، وقتادة. والخامس: مقام صدق لا زوال عنه، قاله عطاء. والسادس: أن قدم الصِّدق: المنزلة الرفيعة، قاله الزجاج. والسابع: أن القدم هاهنا: مصيبة المسلمين بنبيِّهم صلى الله عليه وسلم وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته، ذكره ابن الأنباري. فإن قيل: لِم آثر القَدَم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع الإِحسان؟ فالجواب: أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدُّم الساعي على قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يُتقدَّم فيه ولا يقع فيه تأخُّر، قال ذو الرمة: لكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّها *** مع الحَسَب العادِيّ طَمَّتْ على البحر فإن قيل: ما وجه إِضافة القدم إِلى الصدق؟ فالجواب: أن ذلك مدح للقدم، وكل شيء أضفته إِلى الصدق، فقد مدحته؛ ومثله: {أدخلني مُدْخَل صدق وأخرجْني مخرج صدق} [الاسراء: 80]، وقوله: {في مقعد صدق} [القمر: 55]. وفي الكلام محذوف، تقديره: أوحينا إِلى رجل منهم، فلما أتاهم الوحي {قال الكافرون إِن هذا لسحر مبين} قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: {لَساحر} بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: {لَسحر} بغير ألف. قال أبو علي: قد تقدم قوله: {أن أوحينا إِلى رجل منهم} فمن قال: ساحر، أراد الرجل؛ ومن قال: سحر، أراد الذي أُوحي، سحر، أي: الذي تقولون أنتم فيه: إِنه وحي، سحر. قال الزجاج: لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا: هذا سحر، أخبرهم أن الذي خلق السموات والأرض قادر على بعثهم بقوله: {إن ربكم الله} وقد سبق تفسيره في [الأعراف: 54]. قوله تعالى: {يدبِّر الأمر} قال مجاهد: يقضيه. وقال غيره: يأمر به ويمضيه. قوله تعالى: {مامن شفيع إِلا من بعد إِذنه} فيه قولان: أحدهما: لا يشفع أحد إِلا أن يأذن له، قاله ابن عباس. قال الزجاج: لم يَجْرِ للشفيع ذِكر قبل هذا، ولكنَّ الذين خوطبوا كانوا يقولون: الأصنام شفعاؤنا. والثاني: أن المعنى: لا ثانيَ معه، مأخوذ من الشَّفْع، لأنه لم يكن معه أحد، ثم خلق الأشياء. فقوله: {إِلا من بعد إِذنه} أي: من بعد أمره أن يكون الخلق فكان، ذكره الماوردي. قوله تعالى: {فاعبدوه} قال مقاتل: وحِّدوه. وقال الزجاج: المعنى: فاعبدوه وحده. وقوله: {تذكَّرون} معناه: تتَّعظون.