Entités

زاد المسير في علم التفسير — النحل 80

BE203660Tafsir

قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سَكَناً} أي: موضعاً تسكنون فيه، وهي المساكن المتَّخَذة من الحجر والمدر تستر العورات والحُرَم، وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن بناء البيت وتسقيفه، {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} وهي القباب والخيم المتخذة من الأدم {تستخفُّونها} أي: يخفُّ عليكم حملها {يوم ظعنكم} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو {ظَعَنِكُم} بفتح العين. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بتسكين العين، وهما لغتان، كالشَّعَر والشَّعْر، والنَّهَرِ والنَّهْرِ، والمعنى: إِذا سافرتم، {ويوم إِقامتكم} أي: لا تثقل عليكم في الحالين. {ومن أصوافها} يعني: الضأن {وأوبارها} يعني: الإِبل {وأشعارها} يعني: المعز {أثاثاً} قال الفراء: الأثاث: المتاع، لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له. والعرب تقول: جمع المتاع أمتعه، ولو جمعت الأثاث، لقلت: ثلاثة أإِثَّةٍ، وأُثُث: مثل أعثة وغُثث لا غير. وقال ابن قتيبة: الأثاث: متاع البيت من الفرش والأكسية. قال أبو زيد: واحد الأثاث: أثاثة. وقال الزجاج: يقال: قد أثَّ يَأَث أَثّاً: إِذا صار ذا أثاث. وروي عن الخليل أنه قال: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إِلى بعض، ومنه: شَعَر أثيث. فأما قوله: {ومتاعاً} فقيل: إِنما جمع بينة وبين الأثاث، لاختلاف اللفظين. وفي قوله: {إِلى حين} قولان: أحدهما: أنه الموت، والمعنى: ينتفعون به إِلى حين الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه إِلى حين البلى، فالمعنى: إِلى أن يَبلى ذلك الشيء، قاله مقاتل. قوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظِلالا} أي: مايقيكم حر الشمس، وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنه ظلال الغمام، قاله ابن عباس. والثاني: ظلال البيوت، قاله ابن السائب. والثالث: ظلال الشجر، قاله قتادة، والزجاج. والرابع: ظلال الشجر والجبال، قاله ابن قتيبة. والخامس: انه كل شيء له ظل من حائط، وسقف، وشجر، وجبل، وغير ذلك، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} أي: مايَكُنُّكم من الحرِّ والبرد، وهي الغيران والأسراب. وواحد الأكنان كِنّ وكل شيء وقى شيئاً وستره فهو كِنّ {وجعل لكم سرابيل} وهي القُمُص {تقيكم الحر} ولم يقل: البرد، لأن ماوقى من الحر، وقى من البرد، وأنشد: وَمَا أدْرِي إِذَا يمَّمْتُ أَرْضاً *** أُرِيْدُ الخَيْرَ أَيُّهما يَلَيْنِي وقال الزجاج: إِنما خص الحرَّ، لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناةً له من البرد، وهذا مذهب عطاء الخراساني. قوله تعالى: {وسرابيل تقيكم بأْسكم} يريد الدروع التي يتَّقون بها شدّة الطعن والضرب في الحرب. قوله تعالى: {كذلك يتم نعمته عليكم} أي: مثلما أنعم الله عليكم بهذه الأشياء، يتم نعمته عليكم في الدنيا {لعلكم تُسلِمون} والخطاب لأهل مكة، وكان أكثرهم حينئذٍ كفاراً، ولو قيل: إِنه خطاب للمسلمين، فالمعنى: لعلكم تدومون على الإِسلام، وتقومون بحقه. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو رجاء: {لعلكم تَسلَمون} بفتح التاء واللام، على معنى: لعلكم إِذا لبستم الدروع تَسلَمون من الجراح في الحرب. قوله تعالى: {فإن تَولَّوا} أعرضوا عن الإِيمان {فإنما عليك البلاغ المبين} وهذه عند المفسرين منسوخة بآية السيف. قوله تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} وفي هذه النعمة قولان: أحدهما: أنها المساكن نعم الله عز وجل عليهم في الدنيا. وفي إِنكارها ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يقولون: هذه ورثناها عن آبائنا. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نِعَم الله: المساكن، والأنعام، وسرابيل الثياب، والحديد، يعرفه كفار قريش، ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم، وهذا عن مجاهد. والثاني: أنهم يقولون: لولا فلان، لكان كذا، فهذا إِنكارهم، قاله عون بن عبد الله. والثالث: يعرفون أن النعم من الله، ولكن يقولون: هذه بشفاعة آلهتنا، قاله ابن السائب، والفراء وابن قتيبة. والثاني: أن المراد بالنعمة هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون أنه نبيٌّ ثم يكذِّبونه، وهذا مروي عن مجاهد، والسدي، والزجاج. قوله تعالى: {وأكثرهم الكافرون} قال الحسن: وجميعهم كفار، فذكر الأكثر، والمراد به الجميع.