قوله تعالى: {يوم ندعو} قال الزجاج: هو منصوب على معنى: اذكر {يوم ندعو كل أُناس بإمامهم} والمراد به: يوم القيامة. وقرأ الحسن البصري: {يوم يدعو} بالياء {كلَّ} بالنصب. وقرأ أبو عمران الجوني: {يوم يُدعى} بياء مرفوعة، وفتح العين، وبعدها ألف، {كلُّ} بالرفع. وفي المراد بإمامهم أربعة أقوال. أحدها: أنه رئيسهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه سعيد بن جبير أنه قال: إِمام هدى أو إِمام ضلالة. والثاني: عملُهم، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وأبوالعالية. والثالث: نبيُّهم، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد في رواية. والرابع: كتابُهم، قاله عكرمة، ومجاهد في رواية. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه كتابهم الذي فيه أعمالهم، قاله قتادة، ومقاتل. والثاني: كتابهم الذي أُنزل عليهم، قاله الضحاك، وابن زيد. فعلى القول الأول يقال: يا متَّبعي موسى، يا متَّبعي عيسى، يا متَّبعي محمَّدٍ؛ ويقال: يا متَّبعي رؤساء الضلالة. وعلى الثاني: يا من عمل كذا وكذا. وعلى الثالث: يا أُمَّة موسى، يا أُمَّة عيسى، يا أُمَّة محمد. وعلى الرابع: يا أهل التوراة، يا أهل الإِنجيل، يا أهل القرآن. أو يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا. قوله تعالى: {فأولئك يقرؤون كتابهم} معناه: يقرؤون حسناتِهم، لأنهم أخذوا كتبهم بأيْمانهم. قوله تعالى: {ولا يُظلمون فتيلاً} أي: لا ينقصون من ثوابهم بقدر الفتيل، وقد بيَّنَّاه في سورة [النساء: 49]. قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى} قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: {أعمى فهو في الآخرة أعمى} مفتوحتي الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم بكسر الميمين. وقرأ أبو عمرو: {في هذه أعمى} بكسر الميم، {فهو في الآخرة أعمى} بفتحها. وفي المشار إِليها ب {هذه} قولان: أحدهما: أنها الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معنى الكلام خمسة أقوال. أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خَلْق الأشياء، فهو عمّا وُصِف له في الآخرة أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: من كان في الدنيا أعمى بالكفر، فهو في الآخرة أعمى، لأنه في الدنيا تُقبَل توبته، وفي الآخرة لا تُقبَل، قاله الحسن. والثالث: من عمي عن آيات الله في الدنيا، فهو عن الذي غيِّب عنه من أمور الآخرة أشدّ عمىً. والرابع: من عمي عن نِعَم الله التي بيَّنها في قوله: {ربُّكم الذي يزجي لكم الفُلْك في البحر} إِلى قوله: {تفضيلا} فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه، ذكرهما ابن الأنباري. والخامس: من كان فيها أعمى عن الحُجَّة، فهو في الآخرة أعمى عن الجنة، قاله أبو بكر الورّاق. والثاني: أنها النِّعم. ثم في الكلام قولان: أحدهما: من كان أعمى عن النِّعم التي تُرى وتُشاهَد، فهو في الآخرة التي لم تُر أعمى، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: من كان أعمى عن معرفة حق الله في هذه النِّعم المذكورة في قوله: {ولقد كرَّمنا بني آدم} ولم يؤدِّ شكرها، فهو فيما بينه وبين الله مما يُتقرَّب به إِليه أعمى {وأضل سبيلاً}، قاله السدي. قال أبو علي الفارسي: ومعنى قوله: {في الآخرة أعمى} أي: أشدُّ عمىً، لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عَمَاهُ بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إِلى الخروج من عماه. وقيل: معنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إِلى طريق الثواب، وهذا كلُّه من عمى القلب. فإن قيل: لم قال: {فهو في الآخرة أعمى} ولم يقل: أشدُّ عمىً، لأن العمى خِلْقة بمنزلة الحُمرة، والزُّرقة، والعرب تقول: ما أشدَّ سواد زيد، وما أبْيَنَ زرقة عمرو، وقلَّما يقولون: ما أسود زيداً، وما أزرق عمراً؟ فالجواب: أن المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شيء بعد شيء، فيخالف الخِلَقَ اللاّزِمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ذكره ابن الأنباري.