قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا به وبداره الأرض} لمَّا أمر قارونُ البَغِيَّ بقذف موسى على ما سبق شرحه [القصص: 76] غضب موسى فدعا عليه، فأوحى الله تعالى إِليه. إِنِّي قد أمرت الأرض أن تُطيعَك فَمُرْها؛ فقال موسى: يا أرض خُذيه، فأخذتْه حتى غيَّبَتْ سريره، فلمَّا رأى ذلك ناشده بالرَّحم، فقال: خُذيه، فأخذته حتى غيَّبتْ قدميه؛ فما زال يقول: خُذيه، حتى غيَّبتْه، فأوحى الله تعالى إِليه: يا موسى ما أفظَّك، وعِزَّتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته. قال ابن عباس: فخُسفتْ به الأرضُ إِلى الأرض السفلى. وقال سَمُرَة بنُ جنْدَب: إِنَّه يُخسف به كلَّ يوم قامة، فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة. وقال مقاتل: فلمَّا هلك قارون قال بنو إِسرائيل: إِنَّما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره، فخَسَفَ اللّهُ بداره وماله بعده بثلاثة أيام. قوله تعالى: {يَنْصُرونه مِنْ دون الله} أي: يمنعونه من الله {وما كان من المُنْتَصِرِين} أي: من الممتنعين ممَّا نزل به. ثم أعلَمنا أن المتمنِّين مكانه ندموا على ذلك التمنِّي بالآية التي تلي هذه. وقوله تعالى: {لَخُسف بنا} الأكثرون على ضم الخاء وكسر السين. وقرأ يعقوب، والوليد عن ابن عامر، وحفص، وأبان عن عاصم: بفتح الخاء والسين. فأما قوله: {وَيْكَ} فقال ابن عباس: معناه: ألم تر. وكذلك قال أبو عبيده، والكسائي. وقال الفراء: {وَيْكَ أن} في كلام العرب تقرير، كقول الرجل: أما ترى إِلى صنع الله وإِحسانه، أنشدني بعضهم: وَيْكَ أَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ *** بَبْ ومَنْ يفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وقال ابن الأنباري: في قوله: {وَيْكَ أنَّه} ثلاثة أوجه. إِن شئت قلت: وَيْكَ حرف، وأنَّه حرف؛ والمعنى: ألم تر أنَّه، والدليل على هذا قول الشاعر: سالَتَاني الطَّلاق أنْ رَأَتَاني *** قَلَّ مالي قَدْ جِئْتُمَاني بِنُكْرِ وَيْكَ أَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ *** بَبْ ومَن يفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْش ضُرِّ والثاني: أن يكون وَيْكَ حرفاً، وأَنَّه حرفاً، والمعنى: ويلك اعلمْ أنَّه، فحذفت اللام، كما قالوا: قم لا أباك، يريدون: لا أبالك، وأنشدوا: أَبِالْمَوْتِ الذي لا بُدَّ أنِّي *** مُلاقٍ لا أَبَاكِ تُخَوِّفِيني أراد: لا أَبَالَكِ، فحذف اللام. والثالث: أن يكون وَيْ حرفاً، وكأنَّه حرفاً، فيكون معنى وَيْ التعجُّب، كما تقول وَيْ لِمَ فعلت كذا وكذا، ويكون معنى كأنَّه: أظُنُّه وأعلمُه، كما تقول في الكلام: كأنَّك بالفَرَج قد أَقْبَل؛ فمعناه: أظُنُّ الفَرَجُ مقْبِلاً، وإِنما وصلوا الياء بالكاف في قوله: وَيْكأنَّه لأنَّ الكلام بهما كَثُر، كما جعلوا {يا ابْنَ أُمَّ} في المصحف حرفاً واحداً، وهما حرفان [طه: 94]. وكان جماعة منهم يعقوب، يقفون على وَيْكَ في الحرفين، ويبتدؤون أنّ وأنَّه في الموضعين. وذكر الزجَّاج عن الخليل أنه قال: وَيْ مفصولة من كأنَّ، وذلك أنَّ القوم تندَّموا فقالوا: وَيْ متندِّمين على ما سلف منهم، وكلُّ مَنْ نَدِم فأظهر ندامته قال: وَيْ. وحكى ابن قتيبة عن بعض العلماء أنَّه قال: معنى ويكأنَّ: رحمةً لك، بلغة حِمْيَر. قوله تعالى: {لولا أنْ مَنَّ اللّهُ علينا} أي: بالرحمة والمعافاة والإِيمان {لَخَسَف بِنَا}.