Entités

زاد المسير في علم التفسير — الأحزاب 18

BE205240Tafsir

قوله تعالى: {قد يَعْلَمُ اللّهُ المعوِّقين منكم} في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن رجلاً انصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، فوجد أخاه لأُمِّه وابيه وعنده شِواءُ ونبيذٌ، فقال له: أنتَ هاهنا ورسولُ الله بين الرِّماح والسيوف؟! فقال: هلمَّ إِليَّ، لقد أُحيطَ بك وبصاحبك؛ والذي يُحْلَفُ به لا يستقبلها محمدٌ أبداً؛ فقال له: كذبتَ، والذي يُحْلَف به، أما والله لأُخْبِرَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأمرك، فذهب إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرَه، فوجده قد نزل جبريل بهذه الآية إِلى قوله: {يسيراً}، هذا قول ابن زيد. والثاني: أن عبد الله بن أُبيّ ومُعتّب بن قُشَير والمنافقين الذين رجعوا من الخندق إِلى المدينة، كانوا إِذا جاءهم منافق قالوا له: ويحك اجلس فلا تخرُج، ويكتُبون بذلك إِلى إِخوانهم الذين في العسكر أن ائتونا بالمدينة فإنَّا ننتظركم- يثبِّطونهم عن القتال- وكانوا لا يأتون العسكر إِلاَّ أن لا يجدوا بُدّاً، فيأتون العسكر ليرى الناسُ وجوههم، فاذا غُفل عنهم، عادوا إِلى المدينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. والمعوِّق: المثبّط؛ تقول: عاقني فلان، واعتاقني، وعوَّقني: إِذا منعك عن الوجه الذي تريده. وكان المنافقون يعوِّقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نُصَّاره. قوله تعالى: {والقائلين لإِخوانهم هَلُمَّ إِلينا} فيهم ثلاثة أقوال. أحدها: أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد. والثاني: أنهم اليهود دعَواْ إِخوانهم من المنافقين إِلى ترك القتال، قاله مقاتل. والثالث: أنهم المنافقون دعَواْ المسلمين إِليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الماوردي. قوله تعالى: {ولا يأتون البأْس} أي: لا يحضُرون القتال في سبيل الله {إِلاَّ قليلاً} للرِّياء والسُّمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيراً. قوله تعالى: {أَشِحَّةً عليكم} قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: لا يأتون الحرب إِلا تعذيراً، بخلاءَ عليكم. وللمفسرين فيما شحُّوا به أربعة أقوال. أحدها: أشحة بالخير، قاله مجاهد. والثاني: بالنفقة في سبيل الله. والثالث: بالغنيمة، رويا عن قتادة. وقال الزجاج: بالظَّفَر والغنيمة. والرابع: بالقتال معكم، حكاه الماوردي. ثم أخبر عن جُبنهم فقال: {فاذا جاء الخوفُ} أي: إِذا حضر القتال {رأيتَهم ينظُرون إِليك تدورُ أعينُم كالذي يُغْشَى عليه مِنَ الموت} أي: كدوَران عين الذي يُغْشَى عليه من الموت، وهو الذي دنا موته وغشيتْه أسبابُه، فانه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يَطْرِف، فكذلك هؤلاء، لأنهم يخافون القتل. {فاذا ذهبَ الخوفُ سَلَقُوكم} قال الفراء: آذَوْكم بالكلام في الأمن {بألسنة حِدادٍ} سليطة ذَرِبة، والعرب تقول: صَلَقوكم، بالصاد، ولا يجوز في القراءة؛ وهذا قول الفراء. وقد قرأ بالصاد أُبيُّ بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة في آخرين وقال الزجاج: معنى: {سلقوكم}: خاطبوكم أشدَّ مخاطَبة وأبلَغها في الغنيمة، يقال: خطيب مِسْلاق: إِذا كان بليغاً في خطبته {أَشِحَّةً على الخير} أي: خاطبوكم وهُم أشحَّة على المال والغنيمة. قال قتادة: إِذا كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطُونا فلستم أحقَّ بها منَّا؛ فأمَّا عند الباس، فأجبن قوم وأخذله للحق، وأمَّا عند الغنيمة، فأشحُّ قوم. وفي المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الغنيمة. والثاني: على المال أن يُنفقوه في سبيل الله تعالى. والثالث: على رسول الله صلى الله عليه وسلم بظَفَره. قوله تعالى: {أولئك لم يُؤْمِنوا} أي: هُمْ وإِن أظهروا الإِيمان فليسوا بمؤمِنين، لنفاقهم {فأحبَطَ اللّهُ أعمالَهم} قال مقاتل: أبطلَ جهادهم، لأنه لم يكن في إِيمان {وكان ذلك} الإِحباط {على الله يسيراً}. ثم أخبر عنهم بما يدل على جُبنهم، فقال: {يَحْسَبون الأحزاب لم يَذهبوا} أي: يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجُبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا، {وإِن يأتِ الأحزاب} أي: يَرجعوا إِليهم كَرَّةً ثانية للقتال {يَوَدُّوا لو أنَّهم بادُون في الأعراب} أي: يتمنَّوا لو كانوا في بادية الأعراب من خوفهم، {يَسألون عن أنبائكم} أي: ودُّوا لو أنَّهم بالبُعد منكم يسألون عن أخباركم، فيقولون: ما فعل محمد وأصحابه، ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهَدة، فَرَقاً وجُبناً؛ وقيل: بل يَسألون شماتةً بالمسلمين وفرحاً بنكَبَاتهم {ولو كانوا فيكم} أي: لو كانوا يشهدون القتال معكم {ما قاتلوا إِلاَّ قليلاً} فيه قولان: أحدهما: إِلا رمياً بالحجارة، قاله ابن السائب. والثاني: إِلا رياءً من غير احتساب، قاله مقاتل. ثم عاب من تخلَّف بالمدينة بقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة} أي: قُدوة صالحة. والمعنى: لقد كان لكم به اقتداءٌ لو اقتديتم به في الصبر معه كما صبر يوم أُحُد حتى كُسِرت رَباعِيَّتُه وشُجَّ جبينه وقُتِل عمُّه، وآساكم مع ذلك بنفسه. وقرأ عاصم: {أُسوةٌ} بضم الألف؛ والباقون بكسر الألف؛ وهما لغتان. قال الفراء: أهل الحجاز وأَسَد يقولون: {إِسوة} بالكسر، وتميم وبعض قيس يقولون: {أُسوة} بالضم. وخَصَّ اللّهُ تعالى بهذه الأُسوة المؤمنين، فقال: {لِمَن كان يرجو الهل واليوم الآخر} والمعنى أن الأسوة برسول الله إِنما كانت لِمَن كان يرجو الله {واليوم الآخر}؛ وفيه قولان: أحدهما: يرجو ما عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس. والثاني: يخشى اللّهَ ويخشى البعث، قاله مقاتل. قوله تعالى: {وذَكَرَ اللّهَ كثيراً} أي: ذِكْراً كثيراً، لأن ذاكر الله متَّبِع لأوامره، بخلاف الغافل عنه. ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعَدَنا اللّهُ ورسولُه} وفي ذلك الوعد قولان: أحدهما: أنه قوله: {أم حَسِبتم أن تدخلوا الجَنَّة ولَمَّا يأتكم مَثَل الذين خَلَوا مِنْ قَبْلِكم...} الآية: [البقرة: 214] فلمَّا عاينوا البلاء يومئذ قالوا: هذا ما وعَدَنا اللّهُ ورسولُه، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين. والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم النصر والظهور على مدائن كسرى وقصور الحِيرة، ذكره الماوردي وغيره. قوله تعالى: {وما زادهم} يعني ما رأوه {إِلاَّ إِيماناً} بوعد الله {وتسليماً} لأمره.