Entités

زاد المسير في علم التفسير — الجمعة 5

BE206880Tafsir

ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلاً، فقال تعالى: {مثل الذين حُمِّلوا التوراة} أي: كُلِّفوا العمل بما فيها {ثم لم يحملوها} أي: لم يعملوا بموجبها، ولم يؤدُّوا حقها {كمثل الحمار يحمل أسفاراً}، وهي جمع سفر. والسِّفْر: الكتاب، فشبَّههم بالحمار لا يعقل ما يحمل، إذ لم ينتفعوا بما في التوارة، وهي دالَّة على الإيمان بمحمدٍ وهذا المثل يلحق من لم يعمل بالقرآن ولم يفهم معانيه {بئس مثل القوم} ذم مثلهم، والمراد ذمُّهم، واليهود كذبوا بالقرآن وبالتوراة حين لم يؤمنوا بمحمد {والله لا يهدي القوم الظالمين} أنفسهم بتكذيب الأنبياء. قوله تعالى: {إِن زعمتم أنكم أولياءُ لله} وذلك أن اليهود، قالوا: نحن ولد إسرائيل الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، ونحن أولى بالله عز وجل من سائر الناس، وإِنما تكون النبوة فينا. فقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام {قل} لهم إن كنتم {أولياء لله فتمنَّوا الموت} لأن الموت خير لأولياء الله من الدنيا. وقد بيَّنا هذا وما بعده في [البقرة: 94] إلى قوله تعالى: {قل إِن الموت الذي تفرُّون منه} وذلك أن اليهود علموا أنهم أفسدوا على أنفسهم أمر الآخرة بتكذيبهم محمداً، وكانوا يكرهون الموت، فقيل لهم: لا بد من نزوله بكم بقوله تعالى: {فإنه ملاقيكم} قال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل، مثل: من والذي فمن أدخل الفاء هاهنا ذهب بالذي إِلى تأويل الجزاء. وفي قراءة عبد الله {إِن الموت الذي تفرُّون منه ملاقيكم} وهذا على القياس، لأنك تقول: إن أخاك قائم، ولا تقول: فقائم، ولو قلت: إن ضاربك فظالم، لجاز، لأن تأويله: إن من يضربك فظالم. وقال الزجاج: إنما جاز دخول الفاء، لأن في الكلام معنى الشرط والجزاء. ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله تعالى: {تفرُّون منه} كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتل أو غيره {فإنه ملاقيكم} وتكون {فإنه} استئنافاً بعد الخبر الأول.