Entités

Ne sais-tu pas qu'à Allah, appartient le royaume des cieux et de la terre, et qu'en dehors d'Allah vous n'avez ni protecteur ni secoureur ?

BE2186Aya

Déclarations

36 sortant
=Juz1BS1833596
=ordre du aaya107BS6475
sourateEl BaqaraBS6474
مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بياناً غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم ، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض؟ وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ . ولما كان التصدي لذلك أمراً لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها ، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية ، عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد ، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه ، وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلاً على أنه يحملهم على مصالحهم في سائر الأحوال .ومما يزيد هذا العدول توجيهاً أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم .ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام ، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر } [ المائدة : 91 ] الآية بعد قوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] الآية ونحو { وعلم أن فيكم ضعفاً } [ الأنفال : 66 ] الآية . ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع . ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه ، ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور . ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها .والخطاب في { تعلم } ليس مراداً منه ظاهره الواحد وهو النبيء صلى الله عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس حاضراً للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب في كونه بحيث يصير مخاطباً لشهرة هذا الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه ، وإلى هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح «الكشاف» وعليها يشمل هذا الخطاب ابتداء اليهود والمشركين ومن عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين ، أما غيرهم فغني عن التقرير في الظاهر وإنما أدخل فيه ليسمع غيره .وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هوالنبيء صلى الله عليه وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبيء إلى مخاطبة أمته انتقالاً كنائياً لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوماً عرفياً فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من المعلومات في باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة الكناية في جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي ، وههنا لا يصلح توجه المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلاً عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة ، والمقصد من تلك الكناية التعريض باليهود . وإنما سلك هذا الطريق دون أن يؤتى بضمير الجماعة المخاطبين لما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في لفظ الضمير .والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما تقدم عند قوله : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض }[ البقرة : 33 ] أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما يجري فيهما من الأحوال ، فهو ملكه أيضاً فهو يصرف الخلق كيف يشاء . وقد أشار في «الكشاف» إلى أنه تقريري وصرح به القطب في «شرحه» ولم يسمع في كلام العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير.وقوله : { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } قال البيضاوي : هو متنزل من الجملة التي قبله منزلة الدليل لأن الذي يكون له ملك السماوات والأرض لا جرم أن يكون قديراً على كل شيء ولذا فصلت هذه الجملة عن التي قبلها . وعندي أن موجب الفصل هو أن هاته الجملة بمنزلة التكرير للأولى لأن مقام التقرير ومقام التوبيخ كلاهما مقام تكرير لما به التقرير والإنكار تعديداً على المخاطب .BS169498
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍالْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير وَأَنَّهُ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : بَلَى , فَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ خَبَر عَنْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ; وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْكَلَام مَخْرَج التَّقْرِير كَمَا تَفْعَل مِثْله الْعَرَب فِي خِطَاب بَعْضهَا بَعْضًا , فَيَقُول أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : أَلَمْ أُكْرِمك ؟ أَلَمْ أَتَفَضَّل عَلَيْك ؟ بِمَعْنَى إخْبَاره أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمه وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ , يُرِيد أَلَيْسَ قَدْ أَكْرَمْتُك ؟ أَلَيْسَ قَدْ تَفَضَّلْت عَلَيْك ؟ بِمَعْنَى قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ . قَالَ : وَهَذَا لَا وَجْه لَهُ عِنْدنَا ; وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ { أَلَمْ تَعْلَم } إنَّمَا مَعْنَاهُ : أَمَا عَلِمْت . وَهُوَ حَرْف جَحْد أُدْخِل عَلَيْهِ حَرْف اسْتِفْهَام , وَحُرُوف الِاسْتِفْهَام إنَّمَا تَدْخُل فِي الْكَلَام إمَّا بِمَعْنَى الِاسْتِثْبَات , وَإِمَّا بِمَعْنَى النَّفْي . فَأَمَّا بِمَعْنَى الْإِثْبَات فَذَلِكَ غَيْر مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب , وَلَا سِيَّمَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى حُرُوف الْجَحْد ; وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَهَرَ ظُهُور الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنِيّ بِهِ أَصْحَابه الَّذِينَ قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } فَعَادَ بِالْخِطَابِ فِي آخِر الْآيَة إلَى جَمِيعهمْ , وَقَدْ ابْتَدَأَ أَوَّلهَا بِخِطَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } لِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الَّذِينَ وَصَفْت أَمْرهمْ مِنْ أَصْحَابه , وَذَلِكَ مِنْ كَلَام الْعَرَب مُسْتَفِيض بَيْنهمْ فَصِيح , أَنْ يُخْرِج الْمُتَكَلِّم كَلَامه عَلَى وَجْه الْخِطَاب مِنْهُ لِبَعْضِ النَّاس وَهُوَ قَاصِد بِهِ غَيْره , وَعَلَى وَجْه الْخِطَاب لِوَاحِدِ وَهُوَ يَقْصِد بِهِ جَمَاعَة غَيْره , أَوْ جَمَاعَة وَالْمُخَاطَب بِهِ أَحَدهمْ ; وَعَلَى هَذَا الْخِطَاب لِلْجَمَاعَةِ وَالْمَقْصُود بِهِ أَحَدهمْ , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ اتَّقِ اللَّه وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } ثُمَّ قَالَ : { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْك مِنْ رَبّك إنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } 33 1 - 2 فَرَجَعَ إلَى خِطَاب الْجَمَاعَة , وَقَدْ ابْتَدَأَ الْكَلَام بِخِطَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِير ذَلِكَ قَوْل الْكُمَيْت بْن زَيْد فِي مَدْح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَى السِّرَاج الْمُنِير أَحْمَد لَا يَعْدِلنِي رَغْبَة وَلَا رَهَب عَنْهُ إلَى غَيْره وَلَوْ رَفَعَ الن اس إلَيَّ الْعُيُون وَارْتَقَبُوا وَقِيلَ أَفْرَطْت بَلْ قَصَدْت وَلَوْ عَنَّفَنِي الْقَائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا لَجَّ بِتَفْضِيلِك اللِّسَان وَلَوْ أَكْثَر فِيك الضِّجَاج وَاللَّجَب أَنْت الْمُصَفِّي الْمَحْض الْمُهَذَّب فِي النِّ سْبَةِ إنْ نَصَّ قَوْمك النَّسَب فَأَخْرَجَ كَلَامه عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاصِد بِذَلِكَ أَهْل بَيْته , فَكَنَّى عَنْ وَصْفهمْ وَمَدْحهمْ بِذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ بَنِي أُمَيَّة بِالْقَائِلِينَ الْمُعَنِّفِينَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّهُ لَا أَحَد يُوصَف بِتَعْنِيفِ مَادِح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْضِيله , وَلَا بِإِكْثَارِ الضِّجَاج وَاللَّجَب فِي إطْنَاب الْقَيْل بِفَضْلِهِ . وَكَمَا قَالَ جَمِيل بْن مَعْمَر : أَلَا إنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّة رَائِح دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوَى ومنادح فَقَالَ : " أَلَا إنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّة " فَابْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ جَمَاعَة جِيرَانه , ثُمَّ قَالَ : " رَائِح " ; لِأَنَّ قَصْده فِي ابْتِدَائِهِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ كَلَامه الْخَبَر عَنْ وَاحِد مِنْهُمْ دُون جَمَاعَتهمْ . وَكَمَا قَالَ جَمِيل أَيْضًا فِي كَلِمَته الْأُخْرَى : خَلِيلِيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا قَتِيلًا بَكَى مِنْ حُبّ قَاتِله قَبْلِي وَهُوَ يُرِيد قَاتَلْته ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِف امْرَأَة فَكَنَّى بِاسْمِ الرَّجُل عَنْهَا وَهُوَ يَعْنِيهَا . فَكَذَلِكَ قَوْله : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَإِنْ كَانَ ظَاهِر الْكَلَام عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ مَقْصُود بِهِ قَصْد أَصْحَابه ; وَذَلِكَ بَيِّن بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } الْآيَات الثَّلَاث بَعْدهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . أَمَّا قَوْله : { لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَلَمْ يَقُلْ مَلِك السَّمَوَات , فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مُلْك السُّلْطَان وَالْمَمْلَكَة دُون الْمِلْك , وَالْعَرَب إذَا أَرَادَتْ الْخَبَر عَنْ الْمَمْلَكَة الَّتِي هِيَ مَمْلَكَة سُلْطَان قَالَتْ : مَلَكَ اللَّهُ الْخَلْقَ مُلْكًا , وَإِذَا أَرَادَتْ الْخَبَر عَنْ الْمِلْك قَالَتْ : مَلَكَ فُلَان هَذَا الشَّيْء فَهُوَ يَمْلِكهُ مِلْكًا وَمَلَكَة وَمَلْكًا . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : أَلَمْ تَعْلَم يَا مُحَمَّد أَنَّ لِي مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسُلْطَانهمَا دُون غَيْرِي أَحْكُم فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا مَا أَشَاء وَآمُر فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاء , وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاء , وَأَنْسَخ وَأُبَدِّل وَأُغَيِّر مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُم بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاء إذَا أَشَاء , وَأُقِرّ مِنْهَا مَا أَشَاء ؟ وَهَذَا الْخَبَر وَإِنْ كَانَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلّ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ عَظَمَته , فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيب لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخ أَحْكَام التَّوْرَاة وَجَحَدُوا نُبُوَّة عِيسَى , وَأَنْكَرُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللَّه مِنْ حُكْم التَّوْرَاة . فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه أَنَّ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسُلْطَانهمَا , فَإِنَّ الْخَلْق أَهْل مَمْلَكَته وَطَاعَته , عَلَيْهِمْ السَّمْع لَهُ وَالطَّاعَة لِأَمْرِهِ وَنَهْيه , وَإِنَّ لَهُ أَمْرهمْ بِمَا شَاءَ وَنَهْيهمْ عَمَّا شَاءَ , وَنَسْخ مَا شَاءَ وَإِقْرَار مَا شَاءَ , وَإِنْسَاء مَا شَاءَ مِنْ أَحْكَامه وَأَمْره وَنَهْيه . ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ : انْقَادُوا لِأَمْرِي , وَانْتَهُوا إلَى طَاعَتِي فِيمَا أَنْسَخ وَفِيمَا أَتْرُك فَلَا أَنْسَخ مِنْ أَحْكَامِي وَحُدُودِي وَفَرَائِضِي , وَلَا يَهُولَنكُمْ خِلَاف مُخَالِف لَكُمْ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي وَنَاسِخِي وَمَنْسُوخِي , فَإِنَّهُ لَا قَيِّم بِأَمْرِكُمْ سِوَايَ , وَلَا نَاصِر لَكُمْ غَيْرِي , وَأَنَا الْمُنْفَرِد بِوِلَايَتِكُمْ وَالدِّفَاع عَنْكُمْ , وَالْمُتَوَحِّد بِنُصْرَتِكُمْ بِعَزِّي وَسُلْطَانِي وَقُوَّتِي عَلَى مَنْ نَاوَأَكُمْ وَحَادَّكُمْ وَنَصَبَ حَرْب الْعَدَاوَة بَيْنه وَبَيْنكُمْ , حَتَّى أُعْلِي حُجَّتكُمْ , وَأَجْعَلهَا عَلَيْهِمْ لَكُمْ . وَالْوَلِيّ مَعْنَاهُ " فَعِيل " , مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَلَيْت أَمْر فُلَان : إذَا صِرْت قَيِّمًا بِهِ فَأَنَا أَلِيه فَهُوَ وَلِيّه وَقَيِّمه ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : فُلَان وَلِيّ عَهْد الْمُسْلِمِينَ , يَعْنِي بِهِ : الْقَائِم بِمَا عُهِدَ إلَيْهِ مِنْ أَمْر الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا النَّصِير فَإِنَّهُ فَعِيل مِنْ قَوْلك : نَصَرْتُك أَنْصُرك فَأَنَا نَاصِرك وَنَصِيرك ; وَهُوَ الْمُؤَيِّد وَالْمُقَوِّي . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مِنْ دُون اللَّه } فَإِنَّهُ سِوَى اللَّه وَبَعْد اللَّه . وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : يَا نَفْس مَالَك دُون اللَّه مِنْ وَاقِي وَمَا عَلَى حِدْثَان الدَّهْر مِنْ بَاقِي يُرِيد : مَالَك سِوَى اللَّه وَبَعْد اللَّه مَنْ يَقِيك الْمَكَارِه . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَلَيْسَ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْد اللَّه مِنْ قَيِّم بِأَمْرِكُمْ وَلَا نَصِير فَيُؤَيِّدكُمْ وَيُقَوِّيكُمْ فَيُعِينكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ .BS169514
يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ، ويصح من يشاء ، ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء ، كذلك يحكم في عباده بما يشاء ، فيحل ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، ويبيح ما يشاء ، ويحظر ما يشاء ، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه . ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى . . فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا . وامتثال ما أمروا . وترك ما عنه زجروا . وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا ، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا .قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء .ثم قال : وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد ، عليهما الصلاة والسلام ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة . فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ، ونهيهم عما يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء ، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه .[ وأمر إبراهيم ، عليه السلام ، بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل ، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل ] .قلت : الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ ، إنما هو الكفر والعناد ، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ; لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد ، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثم حرم ذلك ، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ، ثم نسخ حل بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها . وأشياء كثيرة يطول ذكرها ، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه . وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية ، فلا تصرف الدلالة في المعنى ، إذ هو المقصود ، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه ، فإنه يفيد وجوب متابعته ، عليه السلام ، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته . وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ، عليه السلام ، فلا يسمى ذلك نسخا كقوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) [ البقرة : 187 ] ، وقيل : إنها مطلقة ، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها ، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى .ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ، ردا على اليهود ، عليهم لعائن الله ، حيث قال تعالى : ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) الآية ، فكما أن له الملك بلا منازع ، فكذلك له الحكم بما يشاء ، ( ألا له الخلق والأمر ) [ الأعراف : 54 ] وقرئ في سورة آل عمران ، التي نزل صدرها خطابا مع أهل الكتاب ، وقوع النسخ عند اليهود في قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) الآية [ آل عمران : 93 ] كما سيأتي تفسيرها ، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى ، لما له في ذلك من الحكم البالغة ، وكلهم قال بوقوعه . وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر : لم يقع شيء من ذلك في القرآن ، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول . وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول ، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة ، عن بيت المقدس لم يجب بشيء ، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين ، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، والله أعلم .BS169506

Référencé par

33 entrant
يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ، ويصح من يشاء ، ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء ، كذلك يحكم في عباده بما يشاء ، فيحل ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، ويبيح ما يشاء ، ويحظر ما يشاء ، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه . ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى . . فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا . وامتثال ما أمروا . وترك ما عنه زجروا . وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا ، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا .قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء .ثم قال : وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد ، عليهما الصلاة والسلام ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة . فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ، ونهيهم عما يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء ، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه .[ وأمر إبراهيم ، عليه السلام ، بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل ، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل ] .قلت : الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ ، إنما هو الكفر والعناد ، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ; لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد ، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثم حرم ذلك ، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ، ثم نسخ حل بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها . وأشياء كثيرة يطول ذكرها ، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه . وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية ، فلا تصرف الدلالة في المعنى ، إذ هو المقصود ، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه ، فإنه يفيد وجوب متابعته ، عليه السلام ، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته . وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ، عليه السلام ، فلا يسمى ذلك نسخا كقوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) [ البقرة : 187 ] ، وقيل : إنها مطلقة ، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها ، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى .ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ، ردا على اليهود ، عليهم لعائن الله ، حيث قال تعالى : ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) الآية ، فكما أن له الملك بلا منازع ، فكذلك له الحكم بما يشاء ، ( ألا له الخلق والأمر ) [ الأعراف : 54 ] وقرئ في سورة آل عمران ، التي نزل صدرها خطابا مع أهل الكتاب ، وقوع النسخ عند اليهود في قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) الآية [ آل عمران : 93 ] كما سيأتي تفسيرها ، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى ، لما له في ذلك من الحكم البالغة ، وكلهم قال بوقوعه . وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر : لم يقع شيء من ذلك في القرآن ، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول . وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول ، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة ، عن بيت المقدس لم يجب بشيء ، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين ، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، والله أعلم .
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍالْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير وَأَنَّهُ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : بَلَى , فَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ خَبَر عَنْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ; وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْكَلَام مَخْرَج التَّقْرِير كَمَا تَفْعَل مِثْله الْعَرَب فِي خِطَاب بَعْضهَا بَعْضًا , فَيَقُول أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : أَلَمْ أُكْرِمك ؟ أَلَمْ أَتَفَضَّل عَلَيْك ؟ بِمَعْنَى إخْبَاره أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمه وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ , يُرِيد أَلَيْسَ قَدْ أَكْرَمْتُك ؟ أَلَيْسَ قَدْ تَفَضَّلْت عَلَيْك ؟ بِمَعْنَى قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ . قَالَ : وَهَذَا لَا وَجْه لَهُ عِنْدنَا ; وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ { أَلَمْ تَعْلَم } إنَّمَا مَعْنَاهُ : أَمَا عَلِمْت . وَهُوَ حَرْف جَحْد أُدْخِل عَلَيْهِ حَرْف اسْتِفْهَام , وَحُرُوف الِاسْتِفْهَام إنَّمَا تَدْخُل فِي الْكَلَام إمَّا بِمَعْنَى الِاسْتِثْبَات , وَإِمَّا بِمَعْنَى النَّفْي . فَأَمَّا بِمَعْنَى الْإِثْبَات فَذَلِكَ غَيْر مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب , وَلَا سِيَّمَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى حُرُوف الْجَحْد ; وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَهَرَ ظُهُور الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنِيّ بِهِ أَصْحَابه الَّذِينَ قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } فَعَادَ بِالْخِطَابِ فِي آخِر الْآيَة إلَى جَمِيعهمْ , وَقَدْ ابْتَدَأَ أَوَّلهَا بِخِطَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } لِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الَّذِينَ وَصَفْت أَمْرهمْ مِنْ أَصْحَابه , وَذَلِكَ مِنْ كَلَام الْعَرَب مُسْتَفِيض بَيْنهمْ فَصِيح , أَنْ يُخْرِج الْمُتَكَلِّم كَلَامه عَلَى وَجْه الْخِطَاب مِنْهُ لِبَعْضِ النَّاس وَهُوَ قَاصِد بِهِ غَيْره , وَعَلَى وَجْه الْخِطَاب لِوَاحِدِ وَهُوَ يَقْصِد بِهِ جَمَاعَة غَيْره , أَوْ جَمَاعَة وَالْمُخَاطَب بِهِ أَحَدهمْ ; وَعَلَى هَذَا الْخِطَاب لِلْجَمَاعَةِ وَالْمَقْصُود بِهِ أَحَدهمْ , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ اتَّقِ اللَّه وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } ثُمَّ قَالَ : { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْك مِنْ رَبّك إنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } 33 1 - 2 فَرَجَعَ إلَى خِطَاب الْجَمَاعَة , وَقَدْ ابْتَدَأَ الْكَلَام بِخِطَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِير ذَلِكَ قَوْل الْكُمَيْت بْن زَيْد فِي مَدْح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَى السِّرَاج الْمُنِير أَحْمَد لَا يَعْدِلنِي رَغْبَة وَلَا رَهَب عَنْهُ إلَى غَيْره وَلَوْ رَفَعَ الن اس إلَيَّ الْعُيُون وَارْتَقَبُوا وَقِيلَ أَفْرَطْت بَلْ قَصَدْت وَلَوْ عَنَّفَنِي الْقَائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا لَجَّ بِتَفْضِيلِك اللِّسَان وَلَوْ أَكْثَر فِيك الضِّجَاج وَاللَّجَب أَنْت الْمُصَفِّي الْمَحْض الْمُهَذَّب فِي النِّ سْبَةِ إنْ نَصَّ قَوْمك النَّسَب فَأَخْرَجَ كَلَامه عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاصِد بِذَلِكَ أَهْل بَيْته , فَكَنَّى عَنْ وَصْفهمْ وَمَدْحهمْ بِذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ بَنِي أُمَيَّة بِالْقَائِلِينَ الْمُعَنِّفِينَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّهُ لَا أَحَد يُوصَف بِتَعْنِيفِ مَادِح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْضِيله , وَلَا بِإِكْثَارِ الضِّجَاج وَاللَّجَب فِي إطْنَاب الْقَيْل بِفَضْلِهِ . وَكَمَا قَالَ جَمِيل بْن مَعْمَر : أَلَا إنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّة رَائِح دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوَى ومنادح فَقَالَ : " أَلَا إنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّة " فَابْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ جَمَاعَة جِيرَانه , ثُمَّ قَالَ : " رَائِح " ; لِأَنَّ قَصْده فِي ابْتِدَائِهِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ كَلَامه الْخَبَر عَنْ وَاحِد مِنْهُمْ دُون جَمَاعَتهمْ . وَكَمَا قَالَ جَمِيل أَيْضًا فِي كَلِمَته الْأُخْرَى : خَلِيلِيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا قَتِيلًا بَكَى مِنْ حُبّ قَاتِله قَبْلِي وَهُوَ يُرِيد قَاتَلْته ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِف امْرَأَة فَكَنَّى بِاسْمِ الرَّجُل عَنْهَا وَهُوَ يَعْنِيهَا . فَكَذَلِكَ قَوْله : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَإِنْ كَانَ ظَاهِر الْكَلَام عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ مَقْصُود بِهِ قَصْد أَصْحَابه ; وَذَلِكَ بَيِّن بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } الْآيَات الثَّلَاث بَعْدهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . أَمَّا قَوْله : { لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَلَمْ يَقُلْ مَلِك السَّمَوَات , فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مُلْك السُّلْطَان وَالْمَمْلَكَة دُون الْمِلْك , وَالْعَرَب إذَا أَرَادَتْ الْخَبَر عَنْ الْمَمْلَكَة الَّتِي هِيَ مَمْلَكَة سُلْطَان قَالَتْ : مَلَكَ اللَّهُ الْخَلْقَ مُلْكًا , وَإِذَا أَرَادَتْ الْخَبَر عَنْ الْمِلْك قَالَتْ : مَلَكَ فُلَان هَذَا الشَّيْء فَهُوَ يَمْلِكهُ مِلْكًا وَمَلَكَة وَمَلْكًا . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : أَلَمْ تَعْلَم يَا مُحَمَّد أَنَّ لِي مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسُلْطَانهمَا دُون غَيْرِي أَحْكُم فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا مَا أَشَاء وَآمُر فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاء , وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاء , وَأَنْسَخ وَأُبَدِّل وَأُغَيِّر مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُم بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاء إذَا أَشَاء , وَأُقِرّ مِنْهَا مَا أَشَاء ؟ وَهَذَا الْخَبَر وَإِنْ كَانَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلّ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ عَظَمَته , فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيب لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخ أَحْكَام التَّوْرَاة وَجَحَدُوا نُبُوَّة عِيسَى , وَأَنْكَرُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللَّه مِنْ حُكْم التَّوْرَاة . فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه أَنَّ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسُلْطَانهمَا , فَإِنَّ الْخَلْق أَهْل مَمْلَكَته وَطَاعَته , عَلَيْهِمْ السَّمْع لَهُ وَالطَّاعَة لِأَمْرِهِ وَنَهْيه , وَإِنَّ لَهُ أَمْرهمْ بِمَا شَاءَ وَنَهْيهمْ عَمَّا شَاءَ , وَنَسْخ مَا شَاءَ وَإِقْرَار مَا شَاءَ , وَإِنْسَاء مَا شَاءَ مِنْ أَحْكَامه وَأَمْره وَنَهْيه . ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ : انْقَادُوا لِأَمْرِي , وَانْتَهُوا إلَى طَاعَتِي فِيمَا أَنْسَخ وَفِيمَا أَتْرُك فَلَا أَنْسَخ مِنْ أَحْكَامِي وَحُدُودِي وَفَرَائِضِي , وَلَا يَهُولَنكُمْ خِلَاف مُخَالِف لَكُمْ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي وَنَاسِخِي وَمَنْسُوخِي , فَإِنَّهُ لَا قَيِّم بِأَمْرِكُمْ سِوَايَ , وَلَا نَاصِر لَكُمْ غَيْرِي , وَأَنَا الْمُنْفَرِد بِوِلَايَتِكُمْ وَالدِّفَاع عَنْكُمْ , وَالْمُتَوَحِّد بِنُصْرَتِكُمْ بِعَزِّي وَسُلْطَانِي وَقُوَّتِي عَلَى مَنْ نَاوَأَكُمْ وَحَادَّكُمْ وَنَصَبَ حَرْب الْعَدَاوَة بَيْنه وَبَيْنكُمْ , حَتَّى أُعْلِي حُجَّتكُمْ , وَأَجْعَلهَا عَلَيْهِمْ لَكُمْ . وَالْوَلِيّ مَعْنَاهُ " فَعِيل " , مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَلَيْت أَمْر فُلَان : إذَا صِرْت قَيِّمًا بِهِ فَأَنَا أَلِيه فَهُوَ وَلِيّه وَقَيِّمه ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : فُلَان وَلِيّ عَهْد الْمُسْلِمِينَ , يَعْنِي بِهِ : الْقَائِم بِمَا عُهِدَ إلَيْهِ مِنْ أَمْر الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا النَّصِير فَإِنَّهُ فَعِيل مِنْ قَوْلك : نَصَرْتُك أَنْصُرك فَأَنَا نَاصِرك وَنَصِيرك ; وَهُوَ الْمُؤَيِّد وَالْمُقَوِّي . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مِنْ دُون اللَّه } فَإِنَّهُ سِوَى اللَّه وَبَعْد اللَّه . وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : يَا نَفْس مَالَك دُون اللَّه مِنْ وَاقِي وَمَا عَلَى حِدْثَان الدَّهْر مِنْ بَاقِي يُرِيد : مَالَك سِوَى اللَّه وَبَعْد اللَّه مَنْ يَقِيك الْمَكَارِه . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَلَيْسَ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْد اللَّه مِنْ قَيِّم بِأَمْرِكُمْ وَلَا نَصِير فَيُؤَيِّدكُمْ وَيُقَوِّيكُمْ فَيُعِينكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ .
مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بياناً غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم ، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض؟ وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ . ولما كان التصدي لذلك أمراً لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها ، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية ، عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد ، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه ، وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلاً على أنه يحملهم على مصالحهم في سائر الأحوال .ومما يزيد هذا العدول توجيهاً أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم .ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام ، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر } [ المائدة : 91 ] الآية بعد قوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] الآية ونحو { وعلم أن فيكم ضعفاً } [ الأنفال : 66 ] الآية . ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع . ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه ، ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور . ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها .والخطاب في { تعلم } ليس مراداً منه ظاهره الواحد وهو النبيء صلى الله عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس حاضراً للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب في كونه بحيث يصير مخاطباً لشهرة هذا الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه ، وإلى هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح «الكشاف» وعليها يشمل هذا الخطاب ابتداء اليهود والمشركين ومن عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين ، أما غيرهم فغني عن التقرير في الظاهر وإنما أدخل فيه ليسمع غيره .وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هوالنبيء صلى الله عليه وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبيء إلى مخاطبة أمته انتقالاً كنائياً لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوماً عرفياً فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من المعلومات في باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة الكناية في جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي ، وههنا لا يصلح توجه المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلاً عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة ، والمقصد من تلك الكناية التعريض باليهود . وإنما سلك هذا الطريق دون أن يؤتى بضمير الجماعة المخاطبين لما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في لفظ الضمير .والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما تقدم عند قوله : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض }[ البقرة : 33 ] أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما يجري فيهما من الأحوال ، فهو ملكه أيضاً فهو يصرف الخلق كيف يشاء . وقد أشار في «الكشاف» إلى أنه تقريري وصرح به القطب في «شرحه» ولم يسمع في كلام العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير.وقوله : { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } قال البيضاوي : هو متنزل من الجملة التي قبله منزلة الدليل لأن الذي يكون له ملك السماوات والأرض لا جرم أن يكون قديراً على كل شيء ولذا فصلت هذه الجملة عن التي قبلها . وعندي أن موجب الفصل هو أن هاته الجملة بمنزلة التكرير للأولى لأن مقام التقرير ومقام التوبيخ كلاهما مقام تكرير لما به التقرير والإنكار تعديداً على المخاطب .

Statistiques du graphe

Sortant36
Entrant33
Total69

Traductions

🇫🇷 French
Ne sais-tu pas qu'à Allah, appartient le royaume des cieux et de la terre, et qu'en dehors d'Allah vous n'avez ni protecteur ni secoureur ?
🇬🇧 English
NULL
🇸🇦 Arabic
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ