Entités

Ceux qui cachent ce qu'Allah a fait descendre du Livre et le vendent à vil prix, ceux-là ne s'emplissent le ventre que de Feu. Allah ne leur adressera pas la parole, au Jour de la Résurrection, et ne les purifiera pas. Et il y aura pour eux un douloureux châtiment.

BE2253Aya

Déclarations

36 sortant
=Juz2BS1833664
=ordre du aaya174BS6676
sourateEl BaqaraBS6675
الكتم والكتمان: إخفاء الشيء قصدا مع تحقق الداعي إلى إظهاره.وقد تحدث القرآن- قبل هذه الآيات بقليل- في قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى عن المصير الأليم الذي توعد الله به أولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم هنا لكي ينذرهم مرة بعد أخرى حتى يقلعوا عن هذه الرذيلة التي هي من أبشع الرذائل وأقبحها، ولكي يغرس في قلوب الناس- وخصوصا العلماء- الشجاعة التي تجعلهم يجهرون بكلمة الحق في وجوه الطغاة لا يخافون لومة لائم، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه، ويبينون للناس ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب، والتأويل الباطل.قال الإمام الرازي: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث الله نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمره- عليه السلام- وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية.ثم قال الإمام الرازي: والآية وإن نزلت في أهل الكتاب لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».والمراد بالكتاب، التوراة، أو جنس الكتب السماوية التي بشرت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم.ومِنَ في قوله: مِنَ الْكِتابِ بمعنى في أى: يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم ونعته ووقت بعثته.وقيل للبيان، وهي حال من العائد على الموصول والتقدير: أنزل الله حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل.وقوله: وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا معطوف على يكتمون.أى: يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبي صلّى الله عليه وسلّم ويأخذون من سفلتهم في مقابل ذلك عرضا قليلا من أعراض الدنيا.والضمير في قوله: بِهِ يعود إلى ما أنزل الله، أو إلى الكتمان الذي يدل عليه الفعل يَكْتُمُونَ أو إلى الكتاب.ووصف هذا الثمن الذي يأخذونه في مقابل كتمانهم بالقلة، لأن كل ما يؤخذ في مقابلة إخفاء شيء مما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهبا.وقوله- تعالى-: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وما عطف عليه، بيان للعذاب المهين الذي أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره وبيعهم دينهم بدنياهم.أى: أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار كما قال- تعالى- في حق أكلة مال اليتامى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً.وفي هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل المفضى بهم إلى النار، بحالة من يأكل النار نفسها. ووجه الشبه بين الحالتين: أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة الألم، ما يترب على أكل النار ذاتها، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار يقع عند ما تمتلئ منها بطونهم، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه وهو الإحراق بالنار.وجيء باسم الإشارة في أول هذه الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز حتى لا يخفى أمرهم على أحد، وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإشارة من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سيئات.وخص- سبحانه- بالذكر الأكل في بطونهم من بين وجوه انتفاعهم بما يأخذونه من مال حرام، للإشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم حتى إنهم ليخفون ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات، نظير ملء بطونهم.وقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى: لا يكلمهم كلاما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب سوء أعمالهم كقوله- لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ. أو أن نفى تكليمه لهم كتابة عن غضبه عليهم، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث.وقوله: وَلا يُزَكِّيهِمْ أى: ولا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب بالمغفرة، من التزكية بمعنى التطهير. يقال: زكاه الله، أى: طهره وأصلحه.وتستعمل التزكية بمعنى الثناء، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصفه بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه، فيكون معنى وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يثنى عليهم- سبحانه- ومن لا يثنى عليه الله فهو معذب.فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شيء قليل من حطام الدنيا، فقدوا رضا الله عنهم وثناءه عليهم وتطهيره لهم.ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذي ينالهم فقال- تعالى- وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أى. موجع مؤلم.قال الآلوسى: وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه لما ذكر- سبحانه- اشتراءهم بذلك- الثمن القليل- وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولا في الخبر بقوله: ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله ثمنا قليلا، أنهم شهود زور وأحبار سوء، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآلموه فقوبلوا بقوله- سبحانه-: وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .BS171370
يقول تعالى : ( إن الذين يكتمون ) [ مما يشهد له بالرسالة ] ( ما أنزل الله من الكتاب ) يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم ، مما تشهد له بالرسالة والنبوة ، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم ، فخشوا لعنهم الله إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم ، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك ، وهو نزر يسير ، فباعوا أنفسهم بذلك ، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير ، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة ; أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله ، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات ، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه ، وصاروا عونا له على قتالهم ، وباءوا بغضب على غضب ، وذمهم الله في كتابه في غير موضع . من ذلك هذه الآية الكريمة : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ) وهو عرض الحياة الدنيا ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) أي : إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة . كما قال تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [ النساء : 10 ] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة ، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " .وقوله : ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) وذلك لأنه غضبان عليهم ، لأنهم كتموا وقد علموا ، فاستحقوا الغضب ، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم ، أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما .وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه هاهنا [ الحديث الذي رواه مسلم أيضا من ] حديث الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ ولهم عذاب أليم ] شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر " .BS171382
قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم فلما نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه فأنزل الله تعالى ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ( ويشترون به ) أي بالمكتوم ( ثمنا قليلا ) أي عوضا يسيرا يعني المآكل التي يصيبونها من سفلتهم ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) يعني إلا ما يؤديهم إلى النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار فكأنهم أكلوا النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ) أي لا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ . وقيل أراد به أنه يكون عليهم غضبان كما يقال فلان لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان ( ولا يزكيهم ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب ( ولهم عذاب أليم ) .BS171378
عود إلى محاجَّة أهل الكتاب لاَحِقٌ بقوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } [ البقرة : 159 ] بمناسبة قوله : { إنما حرم عليكم الميتة والدم } [ البقرة : 173 ] تحذيراً للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يَقْرؤا من كتابهم ما غَيَّروا العمل بأحكامه كما قال تعالى : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً } [ الأنعام : 91 ] كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في التوراة حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في كتاب الحدود ، ولجريانه على مناسبة إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله هنا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } لقصد المشاكلة .وفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام؛ فإن هذا الكلام فيه إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملوناً بلوني الغَرض السابق والغرض اللاحق .وعُدل عن تعريفهم بغير الموصول إلى الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى سبب الخبر وعلته نحو قوله تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [ غافر : 60 ] .والقول في الكتمان تقدم عند قوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } [ البقرة : 159 ] والكتاب المذكور هنا هو الكتاب المعهود من السياق وهو كتاب { الذين يكتمون } ، فيشبه أن تكون ( أل ) عوضاً عن المضاف إليه ، والذين يكتمونه هم اليهود والنصارى أي يكتمون البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ويكتمون بعض الأحكام التي بدلوها .وقوله : { ويشترون به ثمناً قليلاً } تقدم تفسيره عند قوله تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } [ البقرة : 41 ] وهو المال الذي يأخذونه من الناس جزاء على إفتائهم بما يلائم هواهم مخالفاً لشرعهم أو على الحكم بذلك ، فالثمن يطلق على الرشوة لأنها ثمن يدفع عوضاً عن جور الحاكم وتحريف المفتي .وقوله : { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } جيء باسم الإشارة لإشهارهم لئلا يخفى أمرهم على الناس وللتنبيه على أن ما يخبر به عن اسم الإشارة استحقوه بسبب ما ذكر قبلَ اسم الإشارة ، كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك هلى هدى من ربهم } [ البقرة : 5 ] ، وهو تأكيد للسببية المدْلول عليها بالموصول ، وفعل { يأكلون } مستعار لأخذ الرُّشَا المعبر عنهابالثمن والظاهر أنه مستعمل في زمان الحال ، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلاّ النارَ لأنه الأصل في المضارع .والأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء ، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له فهو خفي لا يَظهر كحال الرشوة ، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام أكْلُ نار تعين أن في الكلام مجازاً ، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة ، قال التفتازاني : وهو الذي يوهمه ظاهر كلام «الكشاف» لكنه صرح أخيراً بغيره ، وقيل هو مجاز في الطَّرَف بأن أطلق لفظ النار على الرشوة إطْلاقاً للاسم على سببه قال التفتازاني : وهو الذي صرح به في «الكشاف» ونظَّره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يَقْلاَها: ... أَكَلْتُ دَماً إنْ لم أَرُعْككِ بِضَرَّةٍبعيدةٍ مَهْوَى القُرْطِ طيبةِ النَّشْر ... أراد الحلف بطريقة الدعاء على نفسه أن يأكل دماً أي دية دَممٍ فقد تضمن الدعاءَ على نفسه بقتل أحد أقاربه وبذهاب مروءته ، لأنهم كانوا يتعيرون بأخذ الديَة عن القتيل ولا يرضون إلاّ بالقَوَد .واختار عبد الحكيم أنه استعارة تمثيلية شبهت الهيئة الحاصلة من أكلهم الرُّشا بالهيئة المنتزعة من أكلهم النار وأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة .قلت : ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غيرَ محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله : ( أعلامُ ياقوْت نشرن على رماححٍ من زبرجد ) فالمركب الذي من شأنه أن يدل على الهيئة المشبهة أن يقال : أولئك ما يأخذون إلاّ أخذاً فظيعاً مُهلكاً فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كلَّه هلاك من وقت تناولها باليد إلى حصولها في البطن ، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى : { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } [ آل عمران : 103 ] أي على وشك الهَلاك والاضمحلال .والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى : { في بطونهم } فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة ، ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله : { يأكلون في بطونهم } مستعملاً في المركب الحقيقي ، وهو لا يصح ، ولولا قوله { في بطونهم } لأمكن أن يقال : إنَّ { يأكلون } هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك .وجوزوا أن يكون قوله : { يأكلون } مستقبلاً ، أي ما سيأكلون إلاّ النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة ، وهو وجيه ، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله : { يشترون به ثمناً قليلاً } فإن المراد بالثمن هنا الرشوة ، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلاً .وقوله : { ولا يكلمهم الله } نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب ، فالمراد نفي كلام التكريم ، فلا ينافي قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } [ الحجر : 93 ] .وقوله : { ولا يزكيهم } أي لا يُثني عليهم في ذلك المجمع ، وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ ، فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذٍ سكوت .BS171374
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنّ الذينَ يَكتمون ما أنـزل الله من الكتاب "، أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته, وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك، كما:-2494- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب " الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.2495- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع في قوله: (إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب ويَشترون به ثمنًا قليلا) قال: هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم من الحق والإسلامَ وشأنَ محمد صلى الله عليه وسلم.2496- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط, عن السدي: " إن الذين يكتمون مَا أنـزل الله منَ الكتاب "، فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.2497- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: " إنّ الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من الكتاب "، والتي في"آل عمران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [سورة آل عمران: 77] نـزلتا جميعًا في يهود.* * *وأما تأويل قوله: " ويَشترون به ثمنًا قليلا "، فإنه يعني: يبتاعون به." والهاء " التي في" به "، من ذكر " الكتمان ". فمعناه: ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمنًا قليلا. وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَوْن = على تحريفهم كتابَ الله وتأويلهِمُوه على غير وجهه، وكتمانهم الحق في ذلك = اليسيرَ من عرض الدنيا، كما:-2498- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويشترون به ثمنًا قليلا " قال، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم, وأخذوا عليه طمعًا قليلا فهو الثمن القليل.* * *وقد بينت فيما مضى صفة " اشترائهم " ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا.* * *القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، - هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرِّشوة يُعطَوْنها, فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيِّرون معانيها =" ما يأكلون في بطونهم " - بأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة، (31) وما أخذوا عليه من الأجر =" إلا النار " - يعني: إلا ما يوردهم النار ويُصْليهموها, كما قال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [سورة النساء: 10] معناه: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم. فاستغنى بذكر " النار " وفهم السامعين معنى الكلام، عن ذكر " ما يوردهم، أو يدخلهم ". وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:2499- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أولئك مَا يَأكلون في بُطونهم إلا النار "، يقول: ما أخذوا عليه من الأجر.* * *فإن قال قائل: فهل يكون الأكل في غير البطن فيقال: " ما يأكلون في بطونهم "؟قيل: قد تقول العرب: " جُعت في غير بطني, وشَبعتُ في غير بطني", فقيل: في بُطونهم لذلك، كما يقال: " فعل فُلان هذا نفسُه ". وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، فيما مضى. (32)وأما قوله: " ولا يُكلِّمهمُ الله يَومَ القيامة "، يقول: ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون, فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم. لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ الآيتين [سورة المؤمنون: 107-108].* * *وأما قوله: " ولا يُزكِّيهم "، فإنه يعني: ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم، (33) " ولهم عذاب أليم "، يعني: مُوجع (34)----------------الهوامش :(31) الجعل (بضم فسكون) والجعالة (مثلثة الجيم) : أجر مشروط يجعل للقائل أو الفاعل شيئًا .(32) انظر ما سلف 2 : 272 ، وهذا الجزء 3 : 159-160 .(33) انظر ما سلف 1 : 573-574 ، وهذا الجزء 3 : 88 .(34) انظر ما سلف 1 : 283 . ثم 2 : 140 ، 377 ، 506 ، 540BS171390

Référencé par

33 entrant
يقول تعالى : ( إن الذين يكتمون ) [ مما يشهد له بالرسالة ] ( ما أنزل الله من الكتاب ) يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم ، مما تشهد له بالرسالة والنبوة ، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم ، فخشوا لعنهم الله إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم ، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك ، وهو نزر يسير ، فباعوا أنفسهم بذلك ، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير ، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة ; أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله ، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات ، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه ، وصاروا عونا له على قتالهم ، وباءوا بغضب على غضب ، وذمهم الله في كتابه في غير موضع . من ذلك هذه الآية الكريمة : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ) وهو عرض الحياة الدنيا ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) أي : إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة . كما قال تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [ النساء : 10 ] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة ، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " .وقوله : ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) وذلك لأنه غضبان عليهم ، لأنهم كتموا وقد علموا ، فاستحقوا الغضب ، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم ، أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما .وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه هاهنا [ الحديث الذي رواه مسلم أيضا من ] حديث الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ ولهم عذاب أليم ] شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر " .
الكتم والكتمان: إخفاء الشيء قصدا مع تحقق الداعي إلى إظهاره.وقد تحدث القرآن- قبل هذه الآيات بقليل- في قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى عن المصير الأليم الذي توعد الله به أولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم هنا لكي ينذرهم مرة بعد أخرى حتى يقلعوا عن هذه الرذيلة التي هي من أبشع الرذائل وأقبحها، ولكي يغرس في قلوب الناس- وخصوصا العلماء- الشجاعة التي تجعلهم يجهرون بكلمة الحق في وجوه الطغاة لا يخافون لومة لائم، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه، ويبينون للناس ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب، والتأويل الباطل.قال الإمام الرازي: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث الله نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمره- عليه السلام- وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية.ثم قال الإمام الرازي: والآية وإن نزلت في أهل الكتاب لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».والمراد بالكتاب، التوراة، أو جنس الكتب السماوية التي بشرت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم.ومِنَ في قوله: مِنَ الْكِتابِ بمعنى في أى: يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم ونعته ووقت بعثته.وقيل للبيان، وهي حال من العائد على الموصول والتقدير: أنزل الله حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل.وقوله: وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا معطوف على يكتمون.أى: يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبي صلّى الله عليه وسلّم ويأخذون من سفلتهم في مقابل ذلك عرضا قليلا من أعراض الدنيا.والضمير في قوله: بِهِ يعود إلى ما أنزل الله، أو إلى الكتمان الذي يدل عليه الفعل يَكْتُمُونَ أو إلى الكتاب.ووصف هذا الثمن الذي يأخذونه في مقابل كتمانهم بالقلة، لأن كل ما يؤخذ في مقابلة إخفاء شيء مما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهبا.وقوله- تعالى-: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وما عطف عليه، بيان للعذاب المهين الذي أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره وبيعهم دينهم بدنياهم.أى: أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار كما قال- تعالى- في حق أكلة مال اليتامى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً.وفي هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل المفضى بهم إلى النار، بحالة من يأكل النار نفسها. ووجه الشبه بين الحالتين: أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة الألم، ما يترب على أكل النار ذاتها، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار يقع عند ما تمتلئ منها بطونهم، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه وهو الإحراق بالنار.وجيء باسم الإشارة في أول هذه الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز حتى لا يخفى أمرهم على أحد، وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإشارة من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سيئات.وخص- سبحانه- بالذكر الأكل في بطونهم من بين وجوه انتفاعهم بما يأخذونه من مال حرام، للإشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم حتى إنهم ليخفون ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات، نظير ملء بطونهم.وقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى: لا يكلمهم كلاما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب سوء أعمالهم كقوله- لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ. أو أن نفى تكليمه لهم كتابة عن غضبه عليهم، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث.وقوله: وَلا يُزَكِّيهِمْ أى: ولا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب بالمغفرة، من التزكية بمعنى التطهير. يقال: زكاه الله، أى: طهره وأصلحه.وتستعمل التزكية بمعنى الثناء، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصفه بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه، فيكون معنى وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يثنى عليهم- سبحانه- ومن لا يثنى عليه الله فهو معذب.فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شيء قليل من حطام الدنيا، فقدوا رضا الله عنهم وثناءه عليهم وتطهيره لهم.ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذي ينالهم فقال- تعالى- وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أى. موجع مؤلم.قال الآلوسى: وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه لما ذكر- سبحانه- اشتراءهم بذلك- الثمن القليل- وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولا في الخبر بقوله: ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله ثمنا قليلا، أنهم شهود زور وأحبار سوء، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآلموه فقوبلوا بقوله- سبحانه-: وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .
عود إلى محاجَّة أهل الكتاب لاَحِقٌ بقوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } [ البقرة : 159 ] بمناسبة قوله : { إنما حرم عليكم الميتة والدم } [ البقرة : 173 ] تحذيراً للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يَقْرؤا من كتابهم ما غَيَّروا العمل بأحكامه كما قال تعالى : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً } [ الأنعام : 91 ] كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في التوراة حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في كتاب الحدود ، ولجريانه على مناسبة إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله هنا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } لقصد المشاكلة .وفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام؛ فإن هذا الكلام فيه إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملوناً بلوني الغَرض السابق والغرض اللاحق .وعُدل عن تعريفهم بغير الموصول إلى الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى سبب الخبر وعلته نحو قوله تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [ غافر : 60 ] .والقول في الكتمان تقدم عند قوله تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } [ البقرة : 159 ] والكتاب المذكور هنا هو الكتاب المعهود من السياق وهو كتاب { الذين يكتمون } ، فيشبه أن تكون ( أل ) عوضاً عن المضاف إليه ، والذين يكتمونه هم اليهود والنصارى أي يكتمون البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ويكتمون بعض الأحكام التي بدلوها .وقوله : { ويشترون به ثمناً قليلاً } تقدم تفسيره عند قوله تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } [ البقرة : 41 ] وهو المال الذي يأخذونه من الناس جزاء على إفتائهم بما يلائم هواهم مخالفاً لشرعهم أو على الحكم بذلك ، فالثمن يطلق على الرشوة لأنها ثمن يدفع عوضاً عن جور الحاكم وتحريف المفتي .وقوله : { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } جيء باسم الإشارة لإشهارهم لئلا يخفى أمرهم على الناس وللتنبيه على أن ما يخبر به عن اسم الإشارة استحقوه بسبب ما ذكر قبلَ اسم الإشارة ، كما تقدم في قوله تعالى : { أولئك هلى هدى من ربهم } [ البقرة : 5 ] ، وهو تأكيد للسببية المدْلول عليها بالموصول ، وفعل { يأكلون } مستعار لأخذ الرُّشَا المعبر عنهابالثمن والظاهر أنه مستعمل في زمان الحال ، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلاّ النارَ لأنه الأصل في المضارع .والأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء ، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له فهو خفي لا يَظهر كحال الرشوة ، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام أكْلُ نار تعين أن في الكلام مجازاً ، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة ، قال التفتازاني : وهو الذي يوهمه ظاهر كلام «الكشاف» لكنه صرح أخيراً بغيره ، وقيل هو مجاز في الطَّرَف بأن أطلق لفظ النار على الرشوة إطْلاقاً للاسم على سببه قال التفتازاني : وهو الذي صرح به في «الكشاف» ونظَّره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يَقْلاَها: ... أَكَلْتُ دَماً إنْ لم أَرُعْككِ بِضَرَّةٍبعيدةٍ مَهْوَى القُرْطِ طيبةِ النَّشْر ... أراد الحلف بطريقة الدعاء على نفسه أن يأكل دماً أي دية دَممٍ فقد تضمن الدعاءَ على نفسه بقتل أحد أقاربه وبذهاب مروءته ، لأنهم كانوا يتعيرون بأخذ الديَة عن القتيل ولا يرضون إلاّ بالقَوَد .واختار عبد الحكيم أنه استعارة تمثيلية شبهت الهيئة الحاصلة من أكلهم الرُّشا بالهيئة المنتزعة من أكلهم النار وأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة .قلت : ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غيرَ محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله : ( أعلامُ ياقوْت نشرن على رماححٍ من زبرجد ) فالمركب الذي من شأنه أن يدل على الهيئة المشبهة أن يقال : أولئك ما يأخذون إلاّ أخذاً فظيعاً مُهلكاً فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كلَّه هلاك من وقت تناولها باليد إلى حصولها في البطن ، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى : { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } [ آل عمران : 103 ] أي على وشك الهَلاك والاضمحلال .والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى : { في بطونهم } فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة ، ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله : { يأكلون في بطونهم } مستعملاً في المركب الحقيقي ، وهو لا يصح ، ولولا قوله { في بطونهم } لأمكن أن يقال : إنَّ { يأكلون } هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك .وجوزوا أن يكون قوله : { يأكلون } مستقبلاً ، أي ما سيأكلون إلاّ النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة ، وهو وجيه ، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله : { يشترون به ثمناً قليلاً } فإن المراد بالثمن هنا الرشوة ، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلاً .وقوله : { ولا يكلمهم الله } نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب ، فالمراد نفي كلام التكريم ، فلا ينافي قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } [ الحجر : 93 ] .وقوله : { ولا يزكيهم } أي لا يُثني عليهم في ذلك المجمع ، وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ ، فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذٍ سكوت .
قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم فلما نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه فأنزل الله تعالى ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ( ويشترون به ) أي بالمكتوم ( ثمنا قليلا ) أي عوضا يسيرا يعني المآكل التي يصيبونها من سفلتهم ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) يعني إلا ما يؤديهم إلى النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار فكأنهم أكلوا النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ) أي لا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ . وقيل أراد به أنه يكون عليهم غضبان كما يقال فلان لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان ( ولا يزكيهم ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب ( ولهم عذاب أليم ) .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنّ الذينَ يَكتمون ما أنـزل الله من الكتاب "، أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته, وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك، كما:-2494- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب " الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.2495- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع في قوله: (إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب ويَشترون به ثمنًا قليلا) قال: هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم من الحق والإسلامَ وشأنَ محمد صلى الله عليه وسلم.2496- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط, عن السدي: " إن الذين يكتمون مَا أنـزل الله منَ الكتاب "، فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.2497- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: " إنّ الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من الكتاب "، والتي في"آل عمران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [سورة آل عمران: 77] نـزلتا جميعًا في يهود.* * *وأما تأويل قوله: " ويَشترون به ثمنًا قليلا "، فإنه يعني: يبتاعون به." والهاء " التي في" به "، من ذكر " الكتمان ". فمعناه: ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمنًا قليلا. وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَوْن = على تحريفهم كتابَ الله وتأويلهِمُوه على غير وجهه، وكتمانهم الحق في ذلك = اليسيرَ من عرض الدنيا، كما:-2498- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويشترون به ثمنًا قليلا " قال، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم, وأخذوا عليه طمعًا قليلا فهو الثمن القليل.* * *وقد بينت فيما مضى صفة " اشترائهم " ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا.* * *القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، - هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرِّشوة يُعطَوْنها, فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيِّرون معانيها =" ما يأكلون في بطونهم " - بأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة، (31) وما أخذوا عليه من الأجر =" إلا النار " - يعني: إلا ما يوردهم النار ويُصْليهموها, كما قال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [سورة النساء: 10] معناه: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم. فاستغنى بذكر " النار " وفهم السامعين معنى الكلام، عن ذكر " ما يوردهم، أو يدخلهم ". وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:2499- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أولئك مَا يَأكلون في بُطونهم إلا النار "، يقول: ما أخذوا عليه من الأجر.* * *فإن قال قائل: فهل يكون الأكل في غير البطن فيقال: " ما يأكلون في بطونهم "؟قيل: قد تقول العرب: " جُعت في غير بطني, وشَبعتُ في غير بطني", فقيل: في بُطونهم لذلك، كما يقال: " فعل فُلان هذا نفسُه ". وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، فيما مضى. (32)وأما قوله: " ولا يُكلِّمهمُ الله يَومَ القيامة "، يقول: ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون, فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم. لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ الآيتين [سورة المؤمنون: 107-108].* * *وأما قوله: " ولا يُزكِّيهم "، فإنه يعني: ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم، (33) " ولهم عذاب أليم "، يعني: مُوجع (34)----------------الهوامش :(31) الجعل (بضم فسكون) والجعالة (مثلثة الجيم) : أجر مشروط يجعل للقائل أو الفاعل شيئًا .(32) انظر ما سلف 2 : 272 ، وهذا الجزء 3 : 159-160 .(33) انظر ما سلف 1 : 573-574 ، وهذا الجزء 3 : 88 .(34) انظر ما سلف 1 : 283 . ثم 2 : 140 ، 377 ، 506 ، 540

Statistiques du graphe

Sortant36
Entrant33
Total69

Traductions

🇫🇷 French
Ceux qui cachent ce qu'Allah a fait descendre du Livre et le vendent à vil prix, ceux-là ne s'emplissent le ventre que de Feu. Allah ne leur adressera pas la parole, au Jour de la Résurrection, et ne les purifiera pas. Et il y aura pour eux un douloureux châtiment.
🇬🇧 English
NULL
🇸🇦 Arabic
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ