Entités

تفسير الماوردي — البقرة 130

BE241017Tafsir

قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن ذلك سفّه نفسه، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً، وهذا قول الأخفش. والثاني: أنها بمعنى سفه في نفسه، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} أي عَلَى عقدة النكاح، وهذا قول الزجَّاج. والثالث: أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا، وهذا قول أبي عبيدة. قال المبرِّد وثعلب: سَفِه بكسر الفاء يتعدى، وسفُه بضم الفاء لا يتعدى. {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} أي اخترناه، ولفظه مشتق من الصفوة، فيكون المعنى: اخترناه في الدنيا للرسالة. {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} لنفسه في إنجائها من الهلكة. قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} الهاء كناية ترجع إلى الملة لتَقَدُّم قولهِ: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهيمَ} ووصّى أبلغ من أوصى، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً. {وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} والمعنى أن إبراهيم وَصَّى، ثم وَصَّى بعده يعقوبُ بَنِيهِ، فقالا جميعاً: {يَا بَنِيَّ إنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} يعني اختار لكم الدين، أي الإسلام، {فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ} فإن قيل: كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم، وإنما يُمَاتُون؟ قيل: هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى، لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإسلام، لا إلى الموت، ومعناه: الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت.