قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} إلى آخر الآية. في {تداينتم} تأويلان: أحدهما: تجازيتم. والثاني: تعاملتم. وفي {فَاكْتُبُوهُ} قولان: أحدهما: أنه ندب، وهو قول أبي سعيد الخدري، والحسن، والشعبي. والثاني: أنه فرض، قاله الربيع، وكعب. {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} وعَدْل الكاتب ألاّ يزيد فيه إضراراً بمن هو عليه، ولا ينقص منه، إضراراً بمن هو له. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} وفيه أربعة أقاويل: أحدهما: أنه فرض على الكفاية كالجهاد، قاله عامر. والثاني: أنه واجب عليه في حال فراغه، قاله الشعبي أيضاً. والثالث: أنه ندب، قاله مجاهد. والرابع: أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}، قاله الضحاك. {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} يعني على الكاتب، ويقرُّ به عند الشاهد. {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي لا ينقص منه شيئاً. {فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب، وهو قول مجاهد. والثاني: أنه الصبي والمرأة، قاله الحسن. والثالث: أنه المبذر لماله، المُفْسِد في دينه، وهو معنى قول الشافعي. والرابع: الذي يجهل قدر المال، ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره. {أَوْ ضَعِيفاً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الأحمق، قاله مجاهد، والشعبي. والثاني: أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعيٍّ أو خُرْسٍ، قاله الطبري. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه العييّ الأخرس، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة. والثالث: أنه المجنون. {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} فيه تأويلان: أحدهما: وليّ مَنْ عليه الحق، وهو قول الضحاك، وابن زيد. والثاني: وليّ الحق، وهو صاحبه، قاله ابن عباس، والربيع. {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَينِ مِن رِّجَالِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: من أهل دينكم. والثاني: من أحراركم، قاله مجاهد. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} يعني فإن لم تكن البينة برجلين، فبرجل وامرأتين {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ} فيه قولان: أحدهما: أنهم الأحرار المسلمون العدول، وهو قول الجمهور. والثاني: أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا، وهو قول شريح، وعثمان البتّي، وأبي ثور. {تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} فيه وجهان: أحدهما: لئلا تضل، قاله أهل الكوفة. والثاني: كراهة أن تضل، قاله أهل البصرة. وفي المراد به وجهان: أحدهما: أن تخطئ. والثاني: أن تَنْسَى، قاله سيبويه. {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} فيه تأويلان: أحدهما: أنها تجعلها كَذَكَرٍ من الرجال، قاله سفيان بن عيينة. والثاني: أنها تذكرها إن نسيت، قاله قتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد. {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب، قاله ابن عباس، وقتادة، والربيع. والثاني: لإِقامتها وأدائها عند الحاكم، قاله مجاهد، والشعبي، وعطاء. والثالث: أنها للتحمل والأداء جميعاً، قاله الحسن. واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ندب وليس بفرض، قاله عطاء، وعطية العوفي. والثاني: أنه فرض على الكفاية، قاله الشعبي. والثالث: أنه فرض على الأعيان، قاله قتادة، والربيع. {وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ} وليس يريد بالصغير ما كان تافهاً حقيراً كالقيراط والدانق لخروج ذلك عن العرف المعهود. {ذلكم أقسط عند الله} أي أعدل، يقال: أَقْسَطَ إِذا عَدَلَ فهو مُقْسِط، قال تعالى: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] وقَسَطَ إذا جار، قال تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 14]. {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} فيه وجهان: أحدهما: أصحُّ لها، مأخوذ من الاستقامة. والثاني: أحفظ لها، مأخوذ من القيام، بمعنى الحفظ. {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره. والثاني: ألاّ ترتابوا بالشاهد أن يضل. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الحاضرة ما تعجّل ولم يداخله أجل في مبيع ولا ثمن. والثاني: أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة. {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: تتناقلونها من يد إلى يد. والثاني: تكثرون تبايعها في كل وقت. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} يعني أنه غير مأمور بكتْبِه وإن كان مباحاً. {وَأَشَهِدُوآ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه فرض، وهو قول الضحاك، وداود بن علي. والثاني: أنه ندب، وهو قول الحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي. {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يُستشهد، قاله طاووس، والحسن، وقتادة. والثاني: أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب، ويمنع الشاهد أن يشهد، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء. والثالث: أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران، قاله عكرمة، والضحاك، والسدي، والربيع. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن تكون المضارّة في الكتابة والشهادة. {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أن الفسوق المعصية، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. والثاني: أنه الكذب، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن الفسوق المأثم.