Entités

تفسير الماوردي — الأنعام 39

BE241708Tafsir

قوله عز وجل: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} يعني من التكذيب. لك، والكفر بي. {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكّذَّبونَكَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: فإنهم لا يكذبونك بحجة، وإنما هو تكذيب بهت وعناد، فلا يحزنك، فإنه لا يضرك، قاله أبو صالح، وقتادة، والسدي. والثاني: فإنهم لا يكذبون قولك لعلمهم بصدقك، ولكن يكذبون ما جئت به، قاله ناجية بن كعب. والثالث: لا يكذبونك في السر لعلمهم بصدقك، ولكنهم يكذبونك في العلانية لعداوتهم لك، قاله الكلبي. والرابع: معناه أن تكذيبهم لقولك ليس بتكذيب لك، لأنك رسول مُبَلّغ، وإنما هو تكذيب لآياتي الدالة على صدقك والموجبة لقبول قولك، وقد بين ذلك بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بئَأَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي يكذبون. وقرأ نافع والكسائي: {لاَ يُكَذِّبُونَكَ} وهي قراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتأويلها: لا يجدونك كاذباً. قوله عز وجل: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} يحتمل أربعة تأويلات: أحدها: معناه لا مُبطِل لحُجَّتِهِ ولا دافع لبرهانه. والثاني: معناه لا رَادَّ لأمره فيما قضاه من نصر أوليائه، وأوجبه من هلاك أعدائه. والثالث: معناه لا تكذيب لخبره فيما حكاه من نصر مَنْ نُصِرَ وهلاك مَنْ أُهْلِكَ. والرابع: معناه لا يشتبه ما تخرّصه الكاذبون عليه بما بلَّغه الأنبياء عنه. {وَلَقْدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِىْ الْمُرْسَلِينَ} فيما صبروا عليه من الأذى، وقُوبلوا عليه من النصر. قوله عز وجل: {وَإِن كَانَ كَبُرَ إِعْرَاضُهُمْ} فيه قولان: أحدهما: إعراضهم عن سماع القرآن. والثاني: عن استماعك. {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ} أي سرباً، وهو المسلك فيها، مأخوذ من نافقاء اليربوع. {أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَآءِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مصعداً، قاله السدي. والثاني: دَرَجاً، قاله قتادة. والثالث: سبباً، قاله الكلبي وقد تضمن ذلك قول كعب بن زهير. ولا لَكُمَا مَنْجىً عَلَى الأرْضِ فَابْغِيَا *** به نَفَقاً أوْ في السَّمَوَات سُلَّماً {فَتَأْتِيَهُم بئَايَةٍ} يعني أفضل من آيتك ولن تستطيع ذلك، لم يؤمنوا لك، فلا يحزنك تكذيبهم وكفرهم، قال الفراء: وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره: فتأتيهم بآية فافعل. {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} يعني بالإلجاء والاضطرار. قال ابن عباس: كل موضع قال الله فيه {ولو شاءَ اللهُ} فإنه لم يشأ. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ} يعني تجزع في مواطن الصبر، فتصير بالأسف والتحسر مقارباً لأحوال الجاهلين. قوله عز وجل: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} الاستجابة هي القبول، والفرق بينها وبين الجواب: أن الجواب قد يكون قبولاً وغير قبول. وقوله: {الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني الذين يعقلون، قاله الكلبي. والثاني: الذين يسمعون طلباً للحق، لأن الاستجابة قد تكون من الذين يسمعون طلباً للحق، فأما من لا يسمع، أو يسمع لكن لا بقصد طلب الحق، فلا يكون منه استجابة. {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} فيه قولان: أحدهما: أن المراد بالموتى هنا الكفار، قاله الحسن، وقتادة ومجاهد. ويكون معنى الكلام: إنما يستجيب المؤمنون الذين يسمعون، والكفار لا يسمعون إلا عند معاينة الحق اضطراراً حين لا ينفعهم حتى يبعثم الله كفاراً ثم يحشرون كفاراً. والقول الثاني: أنهم الموتى الذين فقدوا الحياة، وهو مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، ويكون معنى الكلام: كما أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله فكذلك الذين لا يسمعون.