Entités

تفسير الماوردي — الإسراء 4

BE242913Tafsir

قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب}. معنى قضينا ها هنا: أخبرنا. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن معناه حكمنا، قاله قتادة. ومعنى قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} أي قضينا عليهم. {لتفسدن في الأرض مرتين} الفاسد الذي فعلوه قتلهم للناس ظلماً وتغلبهم على أموالهم قهراً، وإخراب ديارهم بغياً. وفيمن قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان: أحدهما: أنه زكريا قاله ابن عباس. الثاني: أنه شعياً، قاله ابن إسحاق، وأن زكريا مات حتف أنفه. أما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني فيحيى بن زكريا في قول الجميع قال مقاتل: وإن كان بينهما مائتا سنة وعشر. {فإذا جاء وعْد أولاهما} يعني أولى المرتين من فسادهم. {بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ} في قوله بعثنا وجهان: أحدهما: خلينا بينكم وبينهم خذلاناً لكم بظلمكم، قاله الحسن. الثاني: أمرنا بقتالكم انتقاماً منكم. وفي المبعوث عليهم في هذه المرة الأولى خمسة أقاويل: أحدها: جالوت وكان ملكهم طالوت إلى أن قتله داود عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه بختنصر، وهو قول سعيد بن المسيب. الثالث: أنه سنحاريب، قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنهم العمالقة وكانوا كفاراً، قاله الحسن. الخامس: أنهم كانوا قوماً من أهل فارس يتجسسون أخبارهم، وهو قول مجاهد. {فجاسوا خلال الديار} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني مشوا وترددوا بين الدور والمساكن، قال ابن عباس وهو أبلغ في القهر. الثاني: معناه فداسوا خلال الديار، ومنه قول الشاعر: إِلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ *** الثالث: معناه فقتولهم بين الدور والمساكن، ومنه قول حسان بن ثابت: ومِنَّا الَّذِي لاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ *** فَجَاس بهِ الأَعْدَاءَ عَرْضَ العَسَاكر الرابع: معناه فتشوا وطلبوا خلال الديار، قاله أبو عبيدة. الخامس: معناه نزلوا خلال الديار، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر: فَجُسنا ديارهم عَنْوَةً *** وأبنا بساداتهم موثَقينا قوله عز وجل: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} يعني الظفر بهم، وفي كيفية ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بني إسرائيل غزوا ملك بابل واستنقذوا ما فيه يديه من الأسرى والأموال. الثاني: أن ملك بابل أطلق من في يده من الأسرى، وردّ ما في يده من الأموال. الثالث: أنه كان بقتل جالوت حين قتله داود. {وأمددناكم بأموالٍ وبنين} بتجديد النعمة عليهم. {وجعلناكم أكثر نفيراً} فيه وجهان: أحدهما: أكثر عزاً وجاهاً منهم. الثاني: أكثر عدداً، وكثرة العدد تنفر عدوهم منهم، قال تُبع بن بكر: فأكرِم بقحْطَانَ مِن وَالِدٍ *** وحِمْيَرَ أَكْرِم بقَوْمٍ نَفِيراً قال قتادة: فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين، وبعث فيهم أنبياء. قوله عز وجل: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} لأن الجزاء بالثواب يعود إليها، فصار ذلك إحساناً لها. {وإن أسأتُم فلها} أي فإليها ترجع الإساءة لما يتوجه إليها من العقاب، فرغَّب في الإحسان وحذر من الإساءة. ثم قال تعالى: {فإذا جاءَ وعْدُ الآخرة ليسوءُوا وجُوهكم} يعني وعد المقابلة على فسادهم في المرة الثانية. وفيمن جاءهم فيها قولان: أحدهما: بختنصّر، قاله مجاهد. الثاني: أنه انطياخوس الرومي ملك أرض نينوى، وهو قول مقاتل، وقيل إنه قتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً، وحرق التوراة وأخرب بيت المقدس، ولم يزل على خرابه حتى بناه المسلمون. {وليدخلوا المسجد كما دَخلوه أوّل مرّة} يعني بيت المقدس. {وليتبروا ما علوا تتبيراً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الهلاك والدمار. الثاني: أنه الهدم والإخراب، قاله قطرب، ومنه قول لبيد: وما النَّاسُ إلا عَامِلان فَعَامِلٌ *** يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وَآخَرُ رَافِعٌ قوله عز وجل: {عسى ربُّكم أن يرحمكم} يعني مما حل بكم من الانتقام منكم. {وإن عدتم عدنا} فيه تأويلان: أحدهما: إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى الانتقام، فعادوا. قال ابن عباس وقتادة: فبعث الله عليهم المؤمنين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة. الثاني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى القبول، قاله بعض الصالحين. {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} فيه تأويلان: أحدهما: يعني فراشاً ومهاداً، قاله الحسن: مأخوذ من الحصير المفترش. الثاني: حبساً يحبسون فيه، قاله قتادة، مأخوذ من الحصر وهو الحبس. والعرب تسمي الملك حصيراً لأنه بالحجاب محصور، قال لبيد: ومقامَةِ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ *** جِنٌّ لَدَى بَابِ الحَصِير قِيَامُ