Entités

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — التوبة 38

BE248399Tafsir

{يا أيها الذين آمنوا ما لكم} نزلت في حثِّ المؤمنين على غزوة تبوك، وذلك أنَّهم دُعوا إليها في زمان عسرةٍ من النَّاس، وجدبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحرِّ، فشقَّ عليهم الخروج، فأنزل الله تعالى: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} أخرجوا في الجهاد لحرب العدوِّ {اثاقلتم إلى الأرض} أَحْبَبْتُمْ المقام {أرضيتم بالحياة الدنيا} بدلاً {من الآخرة} يعني: الجنَّة {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة} يريد: الدُّنيا كلَّها {إلاَّ قليل} عند شيءٍ من الجنَّة. {إلاَّ تنفروا} تخرجوا مع نبيِّكم إلى الجهاد {يعذبكم عذاباً أليماً} بالقحط وحبس المطر {ويستبدل قوماً غيركم} يأت بقومٍ آخرين ينصرُ بهم رسوله {ولا تضرّوه شيئاً} لأنَّ الله عصمه عن النَّاس، ولا يخذله أَنْ تثاقلتم، كما لم يضرَّه قلَّة ناصريه حين كان بمكَّة وهم به الكفَّار، فتولَّى الله نصره، وهو قوله: {إلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} أَيْ: اضطروه إلى الخروج لمَّا همُّوا بقتله، فكانوا سبباً لخروجه من مكَّة هارباً منهم، {ثاني اثنين} أَيْ: واحد اثنين هو صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، والمعنى: نصره الله منفرداً إلاَّ من أبي بكر: {إذْ هما في الغار} هو غارٌ في جبل مكة يقال له: ثور {إذْ يقول لصاحبه} أبي بكر: {لا تحزن} وذلك أنَّه خاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم الطَّلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تحزن إنَّ الله معنا} يمنعهم منَّا، وينصرنا {فأنزل الله سكينته} ألقى في قلب أبي بكر ما سكن به، {وأيده} أَيْ: رسوله {بجنود لم تروها} قوَّاه وأعانه بالملائكة يوم بدر. أخبر أنَّه صرف عنه كيد أعدائه، ثمَّ أظهره: نصره بالملائكة يوم بدر {وجعل كلمة الذين كفروا} وهي كلمة الشِّرك {السفلى وكلمة الله هي العليا} يعني: كلمة التَّوحيد لأنَّها علت وظهرت، وكان هذا يوم بدر. {انفروا خفافاً وثقالاً} شباباً وشيوخاً {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم} من التَّثاقل إلى الأرض {إن كنتم تعلمون} ما لكم من الثَّواب والجزاء، ثمَّ نزل في المنافقين الذين تخلَّفوا عن هذه الغزوة: {ولو كان عرضاً قريباً} أَيْ: لو كان ما دُعوا إليه غنيمةً قريبةً {وسفراً قاصداً} قريباً هيِّناً {لاتبعوك} طمعاً في الغنيمة {ولكن بعدت عليهم الشقة} المسافة {وسيحلفون بالله} عندك إذا رجعت إليهم {لو استطعنا لخرجنا معكم} لو قدرنا وكان لنا سعةٌ من المال {يهلكون أنفسهم} بالكذب والنِّفاق {والله يعلم إنهم لكاذبون} لأنَّهم كانوا يستطيعون الخروج. {عفا الله عنك لم أذنت لهم} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لطائفةٍ في التَّخلُّف عنه، من غير مؤامرةٍ، ولم يكن له أن يمضي شيئاً إلاَّ بوحي، فعاتبه الله سبحانه، وقال: لم أَذنت لهم في التَّخلُّف {حتى يتبيَّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} حتى تعرف مَنْ له العذر منهم، ومَنْ لا عذر له، فيكون إذنك لمَنْ له العذر.