{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} ثم إنه تعالى ذَمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: {أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} ثم أرشد إلى الأدب في ذلك فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة. ثم قال داعيا لهم إلى التوبة والإنابة: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقد ذُكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما أورده غير واحد، قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وُهَيْب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس؛ أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات، فقال: يا محمد، يا محمد- وفي رواية: يا رسول الله- فلم يجبه. فقال: يا رسول الله، إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال: «ذاك الله، عز وجل». وقال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حُرَيْث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} قال: جاء رجل رسول الله فقال: يا محمد، إن حمدي زين، وذمي شين. فقال: «ذاك الله، عز وجل». وهكذا ذكره الحسن البصري، وقتادة مرسلا. وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة قال: كان بِشْر بن غالب ولَبِيد بن عُطَارِد- أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب- وهما عند الحجاج جالسان- فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17]، قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عَمرو بن علي الباهلي، حدثنا المعتمر بن سليمان: سمعت داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي، عن زيد بن أرقم قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد، يا محمد. فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني فمدها، فجعل يقول: «لقد صدق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد». ورواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان، به.