Entités

Mais ceux d'entre eux qui sont enracinés dans la connaissance, ainsi que les croyants, (tous) ont foi à ce qu'on a fait descendre sur toi et à ce qu'on a fait descendre avant toi. Et quant à ceux qui accomplissent la Salat, paient la Zakat et croient en Allah et au Jour dernier, ceux-là Nous leur donnerons une énorme récompense.

BE2585Aya

Déclarations

36 sortant
=Juz6BS1834139
=ordre du aaya162BS7672
والاستدراك بقوله : { لكن الراسخون في العلم } الخ ناشيء على ما يوهمه الكلام السابق ابتداء من قوله : { يسألك أهل الكتاب } [ النساء : 153 ] من توغّلهم في الضلالة حتّى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح ، فاستدرك بأنّ الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهَّم ، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام ومخيريق .والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي ، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العِلم } في سورة آل عمران ( 7 ) . والرّاسخ في العلم بعيد عن التكلّف وعن التعنّت ، فليس بينه وبين الحقّ حاجب ، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات .وعطفُ المؤمنون } على { الراسخون } ثناء عليهم بأنّهم لم يسألوا نبيّهم أن يريهم الآيات الخوارقَ للعادة . فلذلك قال { يؤمنون } ، أي جميعهم بما أنزل إليك ، أي القرآن ، وكفاهم به آية ، وما أنزل من قبلك على الرسل ، ولا يعادون رسل الله تعصّباً وحميّة . والمراد بالمؤمنين في قوله : { والمؤمنون } الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب ، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم ، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنَ به .وعطف { المقيمين } بالنصب ثبت في المصحف الإمام ، وقرآه المسلمون في الأقطار دون نكير؛ فعلمْنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامدَ ، على أمثالها ، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح ، والرفعُ على الاستئناف للاهتمام ، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة ، سواء كانت بدون عطف أم بعطف ، كقوله تعالى : { ولكنْ البِرّ من آمن إلى قوله والصابرين } [ البقرة : 177 ] . قال سيبويه في «كتابه» «بابُ ما ينتصب في التعظيم والمدح وإن شئت جَعلته صفة فجرَى على الأول ، وإن شئتَ قطعته فابتدأتَه» . وذَكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال : «فلو كان كلُّه رفعاً كان جيّداً» ، ومثْله { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضّرّاء } [ البقرة : 177 ] ، ونظيره قول الخِرْنق :لا يبْعَدَنْ قومي الذي هُمُو ... سُمّ العُداة وآفَة الجزرالنازلون بكلّ معترك ... والطيِّبيّين معاقِدَ الأزْرفي رواية يونس عن العرب : برفع ( النازلون ) ونصب ( الطيِّبيين ) ، لتكون نظير هذه الآية . والظاهر أنّ هذا ممّا يجري على قصد التفنّن عند تكرّر المتتابعات ، ولذلك تكرّر وقوعه في القرآن في معطوفات متتابعات كما في سورة البقرة وفي هذه الآية ، وفي قوله : { والصابون } في سورة المائدة ( 69 ) .وروي عن عائشة وأبان بن عثمان أنّ نصب { المقيمين } خطأ ، من كاتب المصحف وقد عَدّتْ من الخطأ هذه الآية . وقوله : { ولكن البرّ من آمن بالله إلى قوله والصابرين في البأساء } [ البقرة : 177 ] وقولهِ : { إِنّ هذَان لساحرانِ } [ طه : 63 ] . وقوله : { والصابُون } في سورة المائدة ( 69 ) . وقرأتْها عائشة ، وعبد الله بن مسعود ، وأبَي بن كعب ، والحسن ، ومالك بن دينار ، والجحدري ، وسعيد بن جبير ، وعيسى بن عمر ، وعمرو بن عبيد : والمقيمون } بالرفع . ولا تردّ قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذّة .ومن النّاس من زعم أنّ نصب { المقيمين } ونحوه هو مظهر تأويل قول عثمان لكتّاب المصاحف حين أتمّوها وقرأها أنّه قال لهم : «أحسنتم وأجملتم وأرى لحناً قليلاً ستُقيمه العرب بألْسنتها» . وهذه أوهام وأخبار لم تصحّ عن الّذين نُسبت إليهم . ومن البعيد جدّاً أن يخطىء كاتب المصحف في كلمة بين أخواتها فيفردها بالخطأ دون سابقتها أو تابعتها ، وأبعد منه أن يجيء الخطأ في طائفة متماثلة من الكلمات وهي التي إعرابها بالحروف النائبة عن حركات الإعراب من المثنّى والجمع على حدّهِ . ولا أحسب ما رواه عن عائشة وأبان بن عثمان في ذلك صحيحاً .وقد علمتَ وجه عربيّته في المتعاطفات ، وأمّا وجه عربية { إنّ هذان لساحران } فيأتي عند الكلام في سورة طه ( 63 ) .والظاهر أنّ تأويل قول عثمان هو ما وقع في رسم المصحف من نحو الألِفات المحذوفة . قال صاحب الكشاف } : «وهُم كانوا أبْعَدَ همّة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يَلْحَق بهم» . وقد تقدّم نظير هذا عند قوله تعالى : { والصابرين في البأساء والضرّاء } في سورة البقرة ( 177 ) .والوعد بالأجر العظيم بالنسبة للراسخين من أهل الكتاب لأنَّهم آمنوا برسولهم وبمحمّد وقد ورد في الحديث الصّحيح : أنّ لهم أجرين ، وبالنسبة للمؤمنين من العرب لأنَّهم سبقوا غيرهم بالإيمان .وقرأ الجمهور : سنوتيهم } بنون العظمة وقرأه حمزة وخلف بياء الغيبة والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { والمؤمنون بالله } .BS181734
( لكن الراسخون في العلم منهم ) يعني : ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة ، لكن الراسخون البالغون في العلم أولو البصائر منهم ، وأراد به الذين أسلموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ، ( والمؤمنون ) يعني : المهاجرون والأنصار ، ( يؤمنون بما أنزل إليك ) يعني : القرآن ، ( وما أنزل من قبلك ) يعني : سائر الكتب المنزلة ، ( والمقيمين الصلاة ) اختلفوا في وجه انتصابه ، فحكي عن عائشة رضي الله عنها وأبان بن عثمان : أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك قوله في سورة المائدة " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون " ( المائدة - 62 ) ، وقوله " إن هذان لساحران " ( طه - 63 ) قالوا : ذلك خطأ من الكاتب .وقال عثمان : إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ، فقيل له : ألا تغيره؟ فقال : دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا .وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح ، واختلفوا فيه ، قيل : هو نصب على المدح ، وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، وقيل : موضعه خفض .واختلفوا في وجهه ، فقال بعضهم : معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقيل : معناه يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة ، ثم قوله : ( والمؤتون الزكاة ) رجوع إلى النسق الأول ، ( والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون بالنون .BS181738
ثم قال تعالى : ( لكن الراسخون في العلم منهم ) أي : الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع . وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران .( والمؤمنون ) عطف على الراسخين ، وخبره ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك )قال ابن عباس : أنزلت في عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية . وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد ، الذين دخلوا في الإسلام ، وصدقوا بما أرسل الله به محمدا صلى الله عليه وسلم .وقوله : ( والمقيمين الصلاة ) هكذا هو في جميع المصاحف الأئمة ، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب . وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود : " والمقيمون الصلاة " ، قال : والصحيح قراءة الجميع . ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم : هو منصوب على المدح ، كما جاء في قوله : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ) [ البقرة : 177 ] ، قالوا : وهذا سائغ في كلام العرب ، كما قال الشاعر :لا يبعدن قومي الذين همو سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معتركوالطيبون معاقد الأزروقال آخرون : هو مخفوض عطفا على قوله : ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) يعني : وبالمقيمين الصلاة .وكأنه يقول : وبإقامة الصلاة ، أي : يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم ، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة ، وهذا اختيار ابن جرير ، يعني : يؤمنون بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك ، وبالملائكة . وفي هذا نظر والله أعلم .وقوله : ( والمؤتون الزكاة ) يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال ، ويحتمل زكاة النفوس ، ويحتمل الأمرين ، والله أعلم .( والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي : يصدقون بأنه لا إله إلا الله ، ويؤمنون بالبعث بعد الموت ، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها .وقوله : ( أولئك ) هو الخبر عما تقدم ( سنؤتيهم أجرا عظيما ) يعني : الجنة .BS181742
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإِكرام منهم، وبشره بالأجر بالعظيم فقال، { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.وقوله { ٱلرَّاسِخُونَ } جمع راسخ. ورسوخ الشئ ثباته وتمكنه. يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ فى العلم هو المتحقق فيه، الذى لا تؤثر فيه الشبهات ـ المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق.وقوله، { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } استدراك من قوله قبل ذلك { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } وبيان لكونه بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم فى العاجل والآجل.والمعنى: إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق فى الدنيا، ومن سوء عاقبة فى الآخرة، { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ } أى الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت فى نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يعبث به، أو ريب يزعزعه.{ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } أى منهم. وقد وصفوا بالإِيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ فى العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى.وقوله { يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ } خبر لقوله { ٱلرَّاسِخُونَ }. أى هؤلاء الراسخون فى العلم من أهل الكتاب والمؤمنين منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن، ويؤمنون بما { أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله.وقوله: { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح. أى: وأمدح المقيمين الصلاة.قال صاحب الكشاف: وقوله { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثله وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف: ورما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإِنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإِسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يوفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على { بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ } أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء.وفى مصحف عبد الله: { وَٱلْمُقِيمِينَ } بالواو: وهى قراءة مالك بن دينار، والجحدرى، وعيسى الثقفى.وقوله: { وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } معطوف على { ٱلرَّاسِخُونَ } أو على الضمير المرفوع فى { يُؤْمِنُونَ }. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. { أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم. فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ فى العلم، ثم وصفهم - ثانيا - بالإِيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم - رابعاً - بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم - خامسا - بالإِيمان بالله إيماناً حقاً، وبالإِيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال: { أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإِيمان الصحيح وبين العمل الصالح.هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التى تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من راذئلهم وقبائحهم... فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبتهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله... إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم.ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم.وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإِصرار على الماصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة.ثم تراها - ثالثاً - تدافع عن عيسى وأمه دفاعا عادلا مقنعاً وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم فى أقوالهم ما يتبعون إلا الظن،{ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً }ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها في شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان، أو عندما يكونون فى اللحظات الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإِيمان.ثم تراها - رابعاً - لا تعمم فى أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهى بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم بالعذاب الشديد فى الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم مدحا عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذى يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم.{ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات{ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق - سبحانه - ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعوته، وأنه ليس بدعا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ....بِٱللَّهِ شَهِيداً }.BS181730
القول في تأويل قوله : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)قال أبو جعفر: هذا من الله جل ثناؤه استثناء، استثنَى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات التي مضت، من قوله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ .ثم قال جل ثناؤه لعباده، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده: ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم،" لكن الراسخون في العلم منهم "، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته.* * *وقد بينا معنى " الرسوخ في العلم "، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (78)* * *=" والمؤمنون " يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنـزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنـزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: (79) أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه، يؤمنون بك وبما أنـزل إليك من الكتاب، وبما أنـزل من قبلك من سائر الكتب، كما:-10836- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، (80) وكان منهم من يؤمن بالله وما أنـزل عليهم، وما أنـزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم.* * *ثم اختلف في" المقيمين الصلاة "، أهم الراسخون في العلم، أم هم غيرهم؟.فقال بعضهم: هم هم.* * *ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب " الراسخون في العلم " وهما من صفة نوع من الناس.فقال بعضهم: ذلك غلط من الكاتب، (81) وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة.*ذكر من قال ذلك:10837- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك والمقيمين الصلاة "؟ قال: إن الكاتب لما كتب: " لكن الراسخون في العلم منهم "، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: " والمقيمين الصلاة "، فكتب ما قيلَ له.10838- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: " والمقيمين الصلاة "، وعن قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ [سورة المائدة: 69]، وعن قوله: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [سورة طه: 63]، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، (82) أخطئوا في الكتاب.* * *وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: ( والمقيمون الصلاة ).* * *وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة: " والمقيمون الصلاة "، من صفة " الراسخين في العلم "، ولكن الكلام لما تطاول، واعترض بين " الراسخين في العلم "،" والمقيمين الصلاة " ما اعترض من الكلام فطال، نصب " المقيمين " على وجه المدح. قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله. وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه. وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرتها في قوله: (83) وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ (84) [سورة البقرة: 177].وقال آخرون: بل " المقيمون الصلاة " من صفة غير " الراسخين في العلم " في هذا الموضع، وإن كان " الراسخون في العلم " من " المقيمين الصلاة ".* * *وقال قائلو هذه المقالة جميعًا: موضع " المقيمين " في الإعراب، خفض.فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على " ما " التي في قوله: " يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.* * *ثم اختلف متأوّلو ذلك هذا التأويل في معنى الكلام. (85)فقال بعضهم: معنى ذلك: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: " والمؤتون الزكاة "، عطفًا على ما في" يؤمنون " من ذكر " المؤمنين "، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، هم والمؤتون الزكاة.* * *وقال آخرون: بل " المقيمون الصلاة "، الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة، تسبيحهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، وبالملائكة.* * *وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة التوبة: 61].* * *وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون: " المقيمين " منصوبًا على المدح. وقالوا: إنما تنصب العربُ على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره. قالوا: وخبر " الراسخين في العلم " قوله: " أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا ". قال: فغير جائز نصب " المقيمين " على المدح، وهو في وسط الكلام، ولمّا يتمَّ خبر الابتداء.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع " المقيمين "، خفض.* * *وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، وإلى المقيمين الصلاة.* * *قال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله، منكرٌ عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف بظاهر على مكنيٍّ في حال الخفض، (86) وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها. (87)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون " المقيمين " في موضع خفض، نسَقًا على " ما "، التي في قوله: " بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "= وأن يوجه معنى " المقيمين الصلاة "، إلى الملائكة.فيكون تأويل الكلام: " والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنـزل إليك "، يا محمد، من الكتاب=" وبما أنـزل من قبلك "، من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة. ثم يرجع إلى صفة " الراسخين في العلم "، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر.* * *وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ )، وكذلك هو في مصحفه، فيما ذكروا. فلو كان ذلك خطأ من الكاتب، لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف= غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه= بخلاف ما هو في مصحفنا. وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. (88)وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً، على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. (89)* * *وأما من وجَّه ذلك إلى النصب على وجه المدح لـ" الراسخين في العلم "، = وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعدٍ من كلام العرب، لما قد ذكرت قبل من العلة، (90) وهو أن العرب لا تعدِل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نَعْته إلا بعد تمام خبره. وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو [أولى] به من الفصاحة. (91)* * *وأما توجيه من وجّه ذلك إلى العطف به على " الهاء " و " الميم " في قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم "= أو: إلى العطف به على " الكاف " من قوله: " بما أنـزل إليك "= أو: إلى " الكاف " من قوله: " وما أنـزل من قبلك "، فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح، لما قد ذكرت قبل من قُبْح ردِّ الظاهر على المكنيّ في الخفض.* * *وأما توجيه من وجه " المقيمين " إلى " الإقامة "، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنـزيل، ولا خبر تثبت حجته. وغير جائز نقل ظاهر التنـزيل إلى باطن بغير برهان.* * *وأما قوله: " والمؤتون الزكاة "، فإنه معطوف به على قوله: " والمؤمنون يؤمنون "، وهو من صفتهم.* * *وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم مَن جعلها الله له وصرفها إليه=" والمؤمنون بالله واليوم الآخر "، يعني: والمصدّقون بوحدانية الله وألوهته، (92) والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب=" أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا "، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" سنؤتيهم "، يقول: سنعطيهم=" أجرًا عظيمًا "، يعني: جزاءً على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، وثوابًا عظيمًا، وذلك الجنة. (93)* * *---------------الهوامش :(78) انظر تفسير"الراسخون في العلم" فيما سلف 6 : 201 - 208.(79) في المطبوعة: "كما سأل هؤلاء" ، وأثبت ما في المخطوطة.(80) في المطبوعة: "ثنية" ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، ولكن أخطأ في نقطها ، ووضع الألف قبلها مضطربة ، كأنه شك في قراءة الكلمة.و"الأثبية" (بضم الألف وسكون الثاء ، وكسر الباء ، بعدها ياء مفتوحة مشددة) و"الثبة" (بضم الثاء ، وفتح الباء): الجماعة من الناس ، وجمع الأولى"أثابي" (بتشديد الياء) ، وجمع الثانية"ثبات" (بضم الثاء) و"ثبون" (بضم الثاء وكسرها).(81) انظر رد أبي جعفر هذه المقالة فيما سيأتي ص: 397 ، 398 ، وهو من أحكم الردود التي احتكم فيها إلى حسن التمييز.(82) في المطبوعة: "عمل الكتاب" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.(83) في المطبوعة: "بالآيات التي ذكرناها" ، وهو خطأ محض ، والصواب من المخطوطة ، ومن مراجعة المرجع الذي أشار إليه.(84) انظر ما سلف 3 : 352-354. ثم انظر معاني القرآن الفراء 1 : 105-108.(85) في المطبوعة والمخطوطة: "متأولو ذلك في هذا التأويل" ، و"في" زائدة من الناسخ بلا شك عندي.(86) في المطبوعة: "لظاهر" باللام ، والصواب من المخطوطة.(87) انظر ما سلف 7 : 519 ، 520.(88) في المطبوعة: "ولقنوه للأمة" باللام ، وهو تغيير سيء قبيح.(89) هذه الحجة التي ساقها إمامنا أبو جعفر رضي الله عنه ، هي حجة فقيه بمعاني الكلام ، ووجوه الرأي. وهي حجة رجل عالم محيط بأساليب العلم ، عارف بما توجبه شواهد النقل ، وأدلة العقل. وقد تناول ذلك جمهور من أئمتنا ، ولكن لا تزال حجة أبي جعفر أقوم حجة في رد هذه الرواية التي نسبت إلى عائشة أم المؤمنين.(90) في المطبوعة: "لما قد ذكرنا ..."؛ وأثبت ما في المخطوطة.(91) الزيادة بين القوسين ، يستوجبها السياق.(92) في المطبوعة: "وألوهيته" ، وأثبت ما في المخطوطة.(93) انظر تفسير"الإيتاء" و"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.BS181750

Référencé par

33 entrant
والاستدراك بقوله : { لكن الراسخون في العلم } الخ ناشيء على ما يوهمه الكلام السابق ابتداء من قوله : { يسألك أهل الكتاب } [ النساء : 153 ] من توغّلهم في الضلالة حتّى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح ، فاستدرك بأنّ الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهَّم ، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام ومخيريق .والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي ، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العِلم } في سورة آل عمران ( 7 ) . والرّاسخ في العلم بعيد عن التكلّف وعن التعنّت ، فليس بينه وبين الحقّ حاجب ، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات .وعطفُ المؤمنون } على { الراسخون } ثناء عليهم بأنّهم لم يسألوا نبيّهم أن يريهم الآيات الخوارقَ للعادة . فلذلك قال { يؤمنون } ، أي جميعهم بما أنزل إليك ، أي القرآن ، وكفاهم به آية ، وما أنزل من قبلك على الرسل ، ولا يعادون رسل الله تعصّباً وحميّة . والمراد بالمؤمنين في قوله : { والمؤمنون } الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب ، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم ، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنَ به .وعطف { المقيمين } بالنصب ثبت في المصحف الإمام ، وقرآه المسلمون في الأقطار دون نكير؛ فعلمْنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامدَ ، على أمثالها ، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح ، والرفعُ على الاستئناف للاهتمام ، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة ، سواء كانت بدون عطف أم بعطف ، كقوله تعالى : { ولكنْ البِرّ من آمن إلى قوله والصابرين } [ البقرة : 177 ] . قال سيبويه في «كتابه» «بابُ ما ينتصب في التعظيم والمدح وإن شئت جَعلته صفة فجرَى على الأول ، وإن شئتَ قطعته فابتدأتَه» . وذَكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال : «فلو كان كلُّه رفعاً كان جيّداً» ، ومثْله { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضّرّاء } [ البقرة : 177 ] ، ونظيره قول الخِرْنق :لا يبْعَدَنْ قومي الذي هُمُو ... سُمّ العُداة وآفَة الجزرالنازلون بكلّ معترك ... والطيِّبيّين معاقِدَ الأزْرفي رواية يونس عن العرب : برفع ( النازلون ) ونصب ( الطيِّبيين ) ، لتكون نظير هذه الآية . والظاهر أنّ هذا ممّا يجري على قصد التفنّن عند تكرّر المتتابعات ، ولذلك تكرّر وقوعه في القرآن في معطوفات متتابعات كما في سورة البقرة وفي هذه الآية ، وفي قوله : { والصابون } في سورة المائدة ( 69 ) .وروي عن عائشة وأبان بن عثمان أنّ نصب { المقيمين } خطأ ، من كاتب المصحف وقد عَدّتْ من الخطأ هذه الآية . وقوله : { ولكن البرّ من آمن بالله إلى قوله والصابرين في البأساء } [ البقرة : 177 ] وقولهِ : { إِنّ هذَان لساحرانِ } [ طه : 63 ] . وقوله : { والصابُون } في سورة المائدة ( 69 ) . وقرأتْها عائشة ، وعبد الله بن مسعود ، وأبَي بن كعب ، والحسن ، ومالك بن دينار ، والجحدري ، وسعيد بن جبير ، وعيسى بن عمر ، وعمرو بن عبيد : والمقيمون } بالرفع . ولا تردّ قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذّة .ومن النّاس من زعم أنّ نصب { المقيمين } ونحوه هو مظهر تأويل قول عثمان لكتّاب المصاحف حين أتمّوها وقرأها أنّه قال لهم : «أحسنتم وأجملتم وأرى لحناً قليلاً ستُقيمه العرب بألْسنتها» . وهذه أوهام وأخبار لم تصحّ عن الّذين نُسبت إليهم . ومن البعيد جدّاً أن يخطىء كاتب المصحف في كلمة بين أخواتها فيفردها بالخطأ دون سابقتها أو تابعتها ، وأبعد منه أن يجيء الخطأ في طائفة متماثلة من الكلمات وهي التي إعرابها بالحروف النائبة عن حركات الإعراب من المثنّى والجمع على حدّهِ . ولا أحسب ما رواه عن عائشة وأبان بن عثمان في ذلك صحيحاً .وقد علمتَ وجه عربيّته في المتعاطفات ، وأمّا وجه عربية { إنّ هذان لساحران } فيأتي عند الكلام في سورة طه ( 63 ) .والظاهر أنّ تأويل قول عثمان هو ما وقع في رسم المصحف من نحو الألِفات المحذوفة . قال صاحب الكشاف } : «وهُم كانوا أبْعَدَ همّة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يَلْحَق بهم» . وقد تقدّم نظير هذا عند قوله تعالى : { والصابرين في البأساء والضرّاء } في سورة البقرة ( 177 ) .والوعد بالأجر العظيم بالنسبة للراسخين من أهل الكتاب لأنَّهم آمنوا برسولهم وبمحمّد وقد ورد في الحديث الصّحيح : أنّ لهم أجرين ، وبالنسبة للمؤمنين من العرب لأنَّهم سبقوا غيرهم بالإيمان .وقرأ الجمهور : سنوتيهم } بنون العظمة وقرأه حمزة وخلف بياء الغيبة والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { والمؤمنون بالله } .
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإِكرام منهم، وبشره بالأجر بالعظيم فقال، { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.وقوله { ٱلرَّاسِخُونَ } جمع راسخ. ورسوخ الشئ ثباته وتمكنه. يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ فى العلم هو المتحقق فيه، الذى لا تؤثر فيه الشبهات ـ المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق.وقوله، { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } استدراك من قوله قبل ذلك { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } وبيان لكونه بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم فى العاجل والآجل.والمعنى: إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق فى الدنيا، ومن سوء عاقبة فى الآخرة، { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ } أى الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت فى نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يعبث به، أو ريب يزعزعه.{ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } أى منهم. وقد وصفوا بالإِيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ فى العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى.وقوله { يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ } خبر لقوله { ٱلرَّاسِخُونَ }. أى هؤلاء الراسخون فى العلم من أهل الكتاب والمؤمنين منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن، ويؤمنون بما { أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله.وقوله: { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح. أى: وأمدح المقيمين الصلاة.قال صاحب الكشاف: وقوله { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثله وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف: ورما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإِنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإِسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يوفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على { بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ } أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء.وفى مصحف عبد الله: { وَٱلْمُقِيمِينَ } بالواو: وهى قراءة مالك بن دينار، والجحدرى، وعيسى الثقفى.وقوله: { وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } معطوف على { ٱلرَّاسِخُونَ } أو على الضمير المرفوع فى { يُؤْمِنُونَ }. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. { أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم. فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ فى العلم، ثم وصفهم - ثانيا - بالإِيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم - رابعاً - بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم - خامسا - بالإِيمان بالله إيماناً حقاً، وبالإِيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال: { أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }.أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإِيمان الصحيح وبين العمل الصالح.هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التى تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من راذئلهم وقبائحهم... فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبتهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله... إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم.ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم.وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإِصرار على الماصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة.ثم تراها - ثالثاً - تدافع عن عيسى وأمه دفاعا عادلا مقنعاً وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم فى أقوالهم ما يتبعون إلا الظن،{ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً }ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها في شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان، أو عندما يكونون فى اللحظات الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإِيمان.ثم تراها - رابعاً - لا تعمم فى أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهى بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم بالعذاب الشديد فى الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم مدحا عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذى يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم.{ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات{ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق - سبحانه - ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعوته، وأنه ليس بدعا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ....بِٱللَّهِ شَهِيداً }.
( لكن الراسخون في العلم منهم ) يعني : ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة ، لكن الراسخون البالغون في العلم أولو البصائر منهم ، وأراد به الذين أسلموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ، ( والمؤمنون ) يعني : المهاجرون والأنصار ، ( يؤمنون بما أنزل إليك ) يعني : القرآن ، ( وما أنزل من قبلك ) يعني : سائر الكتب المنزلة ، ( والمقيمين الصلاة ) اختلفوا في وجه انتصابه ، فحكي عن عائشة رضي الله عنها وأبان بن عثمان : أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك قوله في سورة المائدة " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون " ( المائدة - 62 ) ، وقوله " إن هذان لساحران " ( طه - 63 ) قالوا : ذلك خطأ من الكاتب .وقال عثمان : إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ، فقيل له : ألا تغيره؟ فقال : دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا .وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح ، واختلفوا فيه ، قيل : هو نصب على المدح ، وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، وقيل : موضعه خفض .واختلفوا في وجهه ، فقال بعضهم : معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقيل : معناه يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة ، ثم قوله : ( والمؤتون الزكاة ) رجوع إلى النسق الأول ، ( والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون بالنون .
ثم قال تعالى : ( لكن الراسخون في العلم منهم ) أي : الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع . وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران .( والمؤمنون ) عطف على الراسخين ، وخبره ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك )قال ابن عباس : أنزلت في عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية . وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد ، الذين دخلوا في الإسلام ، وصدقوا بما أرسل الله به محمدا صلى الله عليه وسلم .وقوله : ( والمقيمين الصلاة ) هكذا هو في جميع المصاحف الأئمة ، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب . وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود : " والمقيمون الصلاة " ، قال : والصحيح قراءة الجميع . ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم : هو منصوب على المدح ، كما جاء في قوله : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ) [ البقرة : 177 ] ، قالوا : وهذا سائغ في كلام العرب ، كما قال الشاعر :لا يبعدن قومي الذين همو سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معتركوالطيبون معاقد الأزروقال آخرون : هو مخفوض عطفا على قوله : ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) يعني : وبالمقيمين الصلاة .وكأنه يقول : وبإقامة الصلاة ، أي : يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم ، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة ، وهذا اختيار ابن جرير ، يعني : يؤمنون بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك ، وبالملائكة . وفي هذا نظر والله أعلم .وقوله : ( والمؤتون الزكاة ) يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال ، ويحتمل زكاة النفوس ، ويحتمل الأمرين ، والله أعلم .( والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي : يصدقون بأنه لا إله إلا الله ، ويؤمنون بالبعث بعد الموت ، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها .وقوله : ( أولئك ) هو الخبر عما تقدم ( سنؤتيهم أجرا عظيما ) يعني : الجنة .
القول في تأويل قوله : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)قال أبو جعفر: هذا من الله جل ثناؤه استثناء، استثنَى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات التي مضت، من قوله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ .ثم قال جل ثناؤه لعباده، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده: ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم،" لكن الراسخون في العلم منهم "، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته.* * *وقد بينا معنى " الرسوخ في العلم "، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (78)* * *=" والمؤمنون " يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنـزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنـزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: (79) أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه، يؤمنون بك وبما أنـزل إليك من الكتاب، وبما أنـزل من قبلك من سائر الكتب، كما:-10836- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، (80) وكان منهم من يؤمن بالله وما أنـزل عليهم، وما أنـزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم.* * *ثم اختلف في" المقيمين الصلاة "، أهم الراسخون في العلم، أم هم غيرهم؟.فقال بعضهم: هم هم.* * *ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب " الراسخون في العلم " وهما من صفة نوع من الناس.فقال بعضهم: ذلك غلط من الكاتب، (81) وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة.*ذكر من قال ذلك:10837- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك والمقيمين الصلاة "؟ قال: إن الكاتب لما كتب: " لكن الراسخون في العلم منهم "، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: " والمقيمين الصلاة "، فكتب ما قيلَ له.10838- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: " والمقيمين الصلاة "، وعن قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ [سورة المائدة: 69]، وعن قوله: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [سورة طه: 63]، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، (82) أخطئوا في الكتاب.* * *وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: ( والمقيمون الصلاة ).* * *وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة: " والمقيمون الصلاة "، من صفة " الراسخين في العلم "، ولكن الكلام لما تطاول، واعترض بين " الراسخين في العلم "،" والمقيمين الصلاة " ما اعترض من الكلام فطال، نصب " المقيمين " على وجه المدح. قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله. وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه. وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرتها في قوله: (83) وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ (84) [سورة البقرة: 177].وقال آخرون: بل " المقيمون الصلاة " من صفة غير " الراسخين في العلم " في هذا الموضع، وإن كان " الراسخون في العلم " من " المقيمين الصلاة ".* * *وقال قائلو هذه المقالة جميعًا: موضع " المقيمين " في الإعراب، خفض.فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على " ما " التي في قوله: " يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.* * *ثم اختلف متأوّلو ذلك هذا التأويل في معنى الكلام. (85)فقال بعضهم: معنى ذلك: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: " والمؤتون الزكاة "، عطفًا على ما في" يؤمنون " من ذكر " المؤمنين "، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، هم والمؤتون الزكاة.* * *وقال آخرون: بل " المقيمون الصلاة "، الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة، تسبيحهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، وبالملائكة.* * *وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة التوبة: 61].* * *وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون: " المقيمين " منصوبًا على المدح. وقالوا: إنما تنصب العربُ على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره. قالوا: وخبر " الراسخين في العلم " قوله: " أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا ". قال: فغير جائز نصب " المقيمين " على المدح، وهو في وسط الكلام، ولمّا يتمَّ خبر الابتداء.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع " المقيمين "، خفض.* * *وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، وإلى المقيمين الصلاة.* * *قال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله، منكرٌ عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف بظاهر على مكنيٍّ في حال الخفض، (86) وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها. (87)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون " المقيمين " في موضع خفض، نسَقًا على " ما "، التي في قوله: " بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "= وأن يوجه معنى " المقيمين الصلاة "، إلى الملائكة.فيكون تأويل الكلام: " والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنـزل إليك "، يا محمد، من الكتاب=" وبما أنـزل من قبلك "، من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة. ثم يرجع إلى صفة " الراسخين في العلم "، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر.* * *وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ )، وكذلك هو في مصحفه، فيما ذكروا. فلو كان ذلك خطأ من الكاتب، لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف= غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه= بخلاف ما هو في مصحفنا. وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. (88)وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً، على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. (89)* * *وأما من وجَّه ذلك إلى النصب على وجه المدح لـ" الراسخين في العلم "، = وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعدٍ من كلام العرب، لما قد ذكرت قبل من العلة، (90) وهو أن العرب لا تعدِل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نَعْته إلا بعد تمام خبره. وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو [أولى] به من الفصاحة. (91)* * *وأما توجيه من وجّه ذلك إلى العطف به على " الهاء " و " الميم " في قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم "= أو: إلى العطف به على " الكاف " من قوله: " بما أنـزل إليك "= أو: إلى " الكاف " من قوله: " وما أنـزل من قبلك "، فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح، لما قد ذكرت قبل من قُبْح ردِّ الظاهر على المكنيّ في الخفض.* * *وأما توجيه من وجه " المقيمين " إلى " الإقامة "، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنـزيل، ولا خبر تثبت حجته. وغير جائز نقل ظاهر التنـزيل إلى باطن بغير برهان.* * *وأما قوله: " والمؤتون الزكاة "، فإنه معطوف به على قوله: " والمؤمنون يؤمنون "، وهو من صفتهم.* * *وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم مَن جعلها الله له وصرفها إليه=" والمؤمنون بالله واليوم الآخر "، يعني: والمصدّقون بوحدانية الله وألوهته، (92) والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب=" أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا "، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" سنؤتيهم "، يقول: سنعطيهم=" أجرًا عظيمًا "، يعني: جزاءً على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، وثوابًا عظيمًا، وذلك الجنة. (93)* * *---------------الهوامش :(78) انظر تفسير"الراسخون في العلم" فيما سلف 6 : 201 - 208.(79) في المطبوعة: "كما سأل هؤلاء" ، وأثبت ما في المخطوطة.(80) في المطبوعة: "ثنية" ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، ولكن أخطأ في نقطها ، ووضع الألف قبلها مضطربة ، كأنه شك في قراءة الكلمة.و"الأثبية" (بضم الألف وسكون الثاء ، وكسر الباء ، بعدها ياء مفتوحة مشددة) و"الثبة" (بضم الثاء ، وفتح الباء): الجماعة من الناس ، وجمع الأولى"أثابي" (بتشديد الياء) ، وجمع الثانية"ثبات" (بضم الثاء) و"ثبون" (بضم الثاء وكسرها).(81) انظر رد أبي جعفر هذه المقالة فيما سيأتي ص: 397 ، 398 ، وهو من أحكم الردود التي احتكم فيها إلى حسن التمييز.(82) في المطبوعة: "عمل الكتاب" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.(83) في المطبوعة: "بالآيات التي ذكرناها" ، وهو خطأ محض ، والصواب من المخطوطة ، ومن مراجعة المرجع الذي أشار إليه.(84) انظر ما سلف 3 : 352-354. ثم انظر معاني القرآن الفراء 1 : 105-108.(85) في المطبوعة والمخطوطة: "متأولو ذلك في هذا التأويل" ، و"في" زائدة من الناسخ بلا شك عندي.(86) في المطبوعة: "لظاهر" باللام ، والصواب من المخطوطة.(87) انظر ما سلف 7 : 519 ، 520.(88) في المطبوعة: "ولقنوه للأمة" باللام ، وهو تغيير سيء قبيح.(89) هذه الحجة التي ساقها إمامنا أبو جعفر رضي الله عنه ، هي حجة فقيه بمعاني الكلام ، ووجوه الرأي. وهي حجة رجل عالم محيط بأساليب العلم ، عارف بما توجبه شواهد النقل ، وأدلة العقل. وقد تناول ذلك جمهور من أئمتنا ، ولكن لا تزال حجة أبي جعفر أقوم حجة في رد هذه الرواية التي نسبت إلى عائشة أم المؤمنين.(90) في المطبوعة: "لما قد ذكرنا ..."؛ وأثبت ما في المخطوطة.(91) الزيادة بين القوسين ، يستوجبها السياق.(92) في المطبوعة: "وألوهيته" ، وأثبت ما في المخطوطة.(93) انظر تفسير"الإيتاء" و"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.

Statistiques du graphe

Sortant36
Entrant33
Total69

Traductions

🇫🇷 French
Mais ceux d'entre eux qui sont enracinés dans la connaissance, ainsi que les croyants, (tous) ont foi à ce qu'on a fait descendre sur toi et à ce qu'on a fait descendre avant toi. Et quant à ceux qui accomplissent la Salat, paient la Zakat et croient en Allah et au Jour dernier, ceux-là Nous leur donnerons une énorme récompense.
🇬🇧 English
NULL
🇸🇦 Arabic
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا