قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "أَنْ يُؤْتِيَهُ". وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَتُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَكَ يَا مُحَمَّدُ رَبًّا؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ- إِلَى قَوْلِهِ: وَلا يَأْمُرَكُمْ". وَفِيهِ ضَمِيرُ الْبَشَرِ، أَيْ وَلَا يَأْمُرُكُمُ الْبَشَرُ يَعْنِي عِيسَى وعزيرا. وقرا والباقون بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالْقَطْعِ مِنَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ وَلَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَتَّخِذُوا. وَيُقَوِّي هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ" فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالضَّمِيرُ أَيْضًا لله عز وجل، ذكره مكي، وقاله سيبويه والزجاج. وقال ابن جريح وَجَمَاعَةٌ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهَذِهِ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ وَأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ. (أَنْ تَتَّخِذُوا) أَيْ بِأَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النَّصَارَى يُعَظِّمُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ حَتَّى يَجْعَلُوهُمْ لَهُمْ أَرْبَابًا. (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَتَّخِذُوا النَّاسَ عُبَّادًا يَتَأَلَّهُونَ لَهُمْ وَلَكِنْ أَلْزَمَ الْخَلْقَ حُرْمَتَهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَلَا يَقُلْ أَحَدَكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي). وفي التنزيل ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وَهُنَاكَ [[راجع ج ٩ ص ١٠٥.]] يَأْتِي بَيَانُ هَذَا [الْمَعْنَى] [[الزيادة من د، ب.]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.