Entités

تفسير القرطبي — آل عمران 166

BE53305Tafsir

يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْهَزِيمَةِ. (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ بِعِلْمِهِ. وَقِيلَ: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهُ. قَالَ الْقَفَّالُ: أَيْ فَبِتَخْلِيَتِهِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ. وَهَذَا تَأْوِيلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي "فَبِإِذْنِ اللَّهِ" لِأَنَّ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ وَالَّذِي أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ، فَأَشْبَهَ الْكَلَامُ مَعْنَى الشَّرْطَ، كَمَا قال سيبويه: الذي قام فله درهم. (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا) أَيْ لِيَمِيزَ. وَقِيلَ لِيَرَى. وَقِيلَ: لِيَظْهَرَ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ بِثُبُوتِهِمْ فِي الْقِتَالِ، وَلِيَظْهَرَ كُفْرُ الْمُنَافِقِينَ بِإِظْهَارِهِمُ الشَّمَاتَةَ فَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ هِيَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ انْصَرَفُوا مَعَهُ عَنْ نُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ. فَمَشَى فِي أَثَرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ الأنصاري، أبو جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَتْرُكُوا نَبِيَّكُمْ، وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ أُبَيٍّ: مَا أَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ لَكُنَّا مَعَكُمْ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: اذْهَبُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ فَسَيُغْنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ. وَمَضَى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتُشْهِدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. واخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (أَوِ ادْفَعُوا) فَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا: كَثِّرُوا سَوَادَنَا وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا مَعَنَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، فَإِنَّ السَّوَادَ إِذَا كَثُرَ حَصَلَ دَفْعُ الْعَدُوِّ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: رَأَيْتُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى وَعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أَطْرَافهَا، وَبِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، فَقِيلَ لَهُ [[في ز: فقلت له.]]: [أَلَيْسَ] [[الزيادة من ابن عطية.]] قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكَ؟ قَالَ: بَلَى! وَلَكِنِّي أُكَثِّرُ [سَوَادَ] [[الزيادة من ابن عطية.]] الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِي. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ بِسَوَادِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ! وَقَالَ أَبُو عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ: مَعْنَى "أَوِ ادْفَعُوا" رَابِطُوا. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَلَا مَحَالَةَ أَنَّ الْمُرَابِطَ مُدَافِعٌ، لِأَنَّهُ لَوْلَا مَكَانُ الْمُرَابِطِينَ فِي الثُّغُورِ لَجَاءَهَا الْعَدُوُّ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو "أَوِ ادْفَعُوا" إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْعَاءٌ إِلَى الْقِتَالِ [حَمِيَّةً، لِأَنَّهُ اسْتَدْعَاهُمْ إِلَى الْقِتَالِ] [[الزيادة من ب ود وج.]] فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى ذَلِكَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْوَجْهَ الَّذِي يَحْشِمُهُمْ وَيَبْعَثُ الْأَنَفَةَ أَيْ أَوْ قَاتِلُوا دِفَاعًا عَنِ الْحَوْزَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قُزْمَانَ [[هو قزمان بن الحارث العبسي المنافق الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر).]] قَالَ: وَاللَّهِ مَا قَاتَلْتُ إِلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي. وَأَلَا تَرَى أَنَّ بعض الأنصار قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا قَدْ أَرْسَلَتِ الظَّهْرَ [[الظهر: الركاب التي تحمل الأثقال في السفر، لحملها إياها على ظهورها.]] فِي زُرُوعِ قَنَاةٍ [[قناة: واد بالمدينة، وهى أحد أوديتها الثلاثة، عليه حرث ومال. قال المدائني: وقناة يأتي من الطائف ويصيب في الارحضية وقرقرة الكدر، ثم يأتي بئر معونة، ثم يمر على طرف القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد. (عن معجم البلدان).]]، أَتُرْعَى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ [[قيلة: أم الأوس والخزرج، هي قيلة بنت كاهل بن عذرة، قضاعية. ويقال: بنت جفنة، غسانية. (عن شرح القاموس).]] وَلَمَّا نُضَارِبْ؟ وَالْمَعْنَى إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أَيْ بَيَّنُوا حَالَهُمْ، وَهَتَكُوا أَسْتَارَهُمْ، وَكَشَفُوا عَنْ نِفَاقِهِمْ لِمَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَصَارُوا أَقْرَبَ إِلَى الْكُفْرِ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ، وَأَضْمَرُوا الْكُفْرَ. وَذِكْرُ الأفواه تأكيد، مثل قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الانعام: ٣٨] [[راجع ج ٦ ص ٤١٩.]].