Entités

تفسير القرطبي — الأنعام 165

BE56525Tafsir

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ﴾خَلائِفَ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، كَكَرَائِمَ جَمْعُ كَرِيمَةٍ. وَكُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ مَنْ مَضَى فَهُوَ خَلِيفَةٌ أَيْ جَعَلَكُمْ خَلَفًا لِلْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ. قَالَ الشَّمَّاخُ: تُصِيبُهُمْ وَتُخْطِئُنِي الْمَنَايَا ... وَأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) فِي الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَسْطَةِ وَالْفَضْلِ وَالْعِلْمِ. (دَرَجاتٍ) نُصِبَ بِإِسْقَاطِ الْخَافِضِ، أَيْ إِلَى دَرَجَاتٍ. (لِيَبْلُوَكُمْ) نُصِبَ بِلَامِ كَيْ. وَالِابْتِلَاءُ الِاخْتِبَارُ، أَيْ لِيُظْهِرَ مِنْكُمْ مَا يَكُونُ غَايَتَهُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَلَمْ يَزَلْ بِعِلْمِهِ غَنِيًّا، فَابْتَلَى الْمُوسِرَ: بِالْغِنَى وَطَلَبَ مِنْهُ الشُّكْرَ، وَابْتَلَى الْمُعْسِرَ بِالْفَقْرِ وَطَلَبَ مِنْهُ الصَّبْرَ. وَيُقَالُ: "لِيَبْلُوَكُمْ" أَيْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ. كَمَا قَالَ:" وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [[راجع ج ١٣ ص ٣٣٠. وص ١٢.]] " عَلَى مَا يأتي بيانه. ثم خوفهم فَقَالَ: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ) لِمَنْ عَصَاهُ. (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لِمَنْ أَطَاعَهُ. وَقَالَ: "سَرِيعُ الْعِقابِ" مَعَ وَصْفِهِ سُبْحَانَهُ بِالْإِمْهَالِ، وَمَعَ أَنَّ عِقَابَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، فَهُوَ سَرِيعٌ عَلَى هَذَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى:" وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [[راجع ج ١٠ ص ١٥٠.]] ". وَقَالَ" يَرَوْنَهُ بَعِيداً. وَنَراهُ قَرِيباً [[راجع ج ١٨ ص ٢٨٣.]] ". وَيَكُونُ أَيْضًا سَرِيعَ الْعِقَابِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ في دار الدنيا، فيكون تحذير المواقع [[في ز: لمواقعة.]] الْخَطِيئَةِ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَمَّتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا [[من ك.]].