Entités

تفسير القرطبي — الأنعام 45

BE56693Tafsir

قوله تعالى: (فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا) (فَلَوْلا) تَحْضِيضٌ، وَهِيَ الَّتِي تَلِّي الْفِعْلَ بِمَعْنَى هَلَّا، وَهَذَا عِتَابٌ عَلَى تَرْكِ الدُّعَاءِ، وَإِخْبَارٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَ نُزُولِ الْعَذَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا تَضَرَّعُوا تَضَرُّعَ مَنْ لَمْ يُخْلِصْ، أَوْ تَضَرَّعُوا حِينَ لَابَسَهُمُ الْعَذَابُ، وَالتَّضَرُّعُ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ غَيْرُ نَافِعٍ. وَالدُّعَاءُ مَأْمُورٌ بِهِ حَالَ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [[راجع ج ١٥ ص ٣٢٦.]]] غافر: ٦٠] وقال: "إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي"] غافر: ٦٠] أي دعائي "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ"] غافر: ٦٠] وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ. (وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) أَيْ صَلُبَتْ وَغَلُظَتْ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْكُفْرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) أَيْ أَغْوَاهُمْ [[في ج، ع، ى: أغراهم.]] بِالْمَعَاصِي وحملهم عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يُقَالُ: لِمَ ذُمُّوا عَلَى النِّسْيَانِ وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ (نَسُوا) بِمَعْنَى تَرَكُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّارِكَ لِلشَّيْءِ إِعْرَاضًا عَنْهُ قَدْ صَيَّرَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ نَسِيَ، كَمَا يُقَالُ: تَرَكَهُ. فِي النَّسْيِ. جَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلنِّسْيَانِ فَجَازَ الذَّمُّ لِذَلِكَ، كَمَا جَازَ الذَّمُّ عَلَى التَّعَرُّضِ لسخط الله عز وجل وعقابه. ومعنى (فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ مِنَ النِّعَمِ وَالْخَيْرَاتِ، أَيْ كَثَّرْنَا لَهُمْ ذَلِكَ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شي كَانَ مُغْلَقًا عَنْهُمْ. (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا) مَعْنَاهُ بَطِرُوا وَأَشِرُوا وَأُعْجِبُوا وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ الْعَطَاءَ لَا يَبِيدُ، وَأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى رِضَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ (أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً) أَيِ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ وَسَطَوْنَا بِهِمْ. وَ (بَغْتَةً) مَعْنَاهُ فَجْأَةً، وَهِيَ الْأَخْذُ عَلَى غِرَّةٍ وَمِنْ غَيْرِ تقدم أمارة، فإذا أخذ لإنسان وَهُوَ غَارٌ غَافِلٌ فَقَدْ أُخِذَ بَغْتَةً، وَأَنْكَى شي مَا يَفْجَأُ مِنَ الْبَغْتِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ التَّذْكِيرَ الَّذِي سَلَفَ- فَأَعْرَضُوا عَنْهُ- قَامَ مَقَامَ الْإِمَارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَ (بَغْتَةً) مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَانَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: "وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ" [[راجع ج ٧ ص ٣٢٩.]]] الأعراف: ١٨٣] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ وَمَكْرِهِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ "حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ: أُمْهِلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً. وَرَوَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الْعِبَادَ مَا يَشَاءُونَ عَلَى مَعَاصِيهِمْ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ لَهُمْ) ثُمَّ تَلَا "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ" الْآيَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بَسَطَ اللَّهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَخَفْ أَنْ يَكُونَ قَدْ مُكِرَ لَهُ فِيهَا إِلَّا كَانَ قَدْ نَقَصَ عَمَلُهُ، وَعَجَزَ رَأْيُهُ. وَمَا أَمْسَكَهَا اللَّهُ عَنْ عَبْدٍ فَلَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ فِيهَا [[في ج: في ذلك.]] إِلَّا كَانَ قَدْ نَقَصَ عَمَلُهُ، وَعَجَزَ رَأْيُهُ. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﷺ: (إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا إِلَيْكَ فَقُلْ مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَإِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا إِلَيْكَ فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ (. قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) الْمُبْلِسُ الْبَاهِتُ الْحَزِينُ الْآيِسُ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي لَا يُحِيرُ جَوَابًا لِشِدَّةِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ سوء الحال، قال العجاج: يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسًا [[المكرس: الذي صار فيه الكرس والكرس (بالكسر): أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار والدمن. وأبلس: سكت غما.]] ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا أَيْ تَحَيَّرَ لِهَوْلِ مَا رَأَى، وَمِنْ ذَلِكَ اشْتُقَّ اسْمُ إِبْلِيسَ، أَبْلَسَ الرَّجُلُ سَكَتَ، وَأَبْلَسَتِ النَّاقَةُ وَهِيَ مِبْلَاسٌ إِذَا لم ترغ من شدة الضبعة، ضبعت الناق تَضْبَعُ ضَبَعَةً وَضَبْعًا إِذَا أَرَادَتِ الْفَحْلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدَّابِرُ الْآخِرُ، يُقَالُ: دَبَرَ الْقَوْمُ يَدْبِرُهُمْ دَبْرًا إِذَا كَانَ آخِرَهُمْ فِي الْمَجِيءِ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَأْتِي الصَّلَاةَ إِلَّا دَبَرِيًّا) [[دبريا: يروي (بفتح الباء وسكونها) وهو منسوب إلى الدبر آخر الشيء وفتح الباء من تغيرات النسب. (ابن الأثير).]] أَيْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَالْمَعْنَى هُنَا قَطَعَ خَلَفَهُمْ مِنْ نَسْلِهِمْ وَغَيَّرَهُمْ فَلَمْ تَبْقَ لَهُمْ بَاقِيَةٌ. قَالَ قُطْرُبٌ: يَعْنِي أَنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا وَأُهْلِكُوا. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: فَأُهْلِكُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلَا انْتَصَرُوا وَمِنْهُ التَّدْبِيرُ لِأَنَّهُ إِحْكَامُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) قِيلَ: عَلَى إِهْلَاكِهِمْ وَقِيلَ: تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ يَحْمَدُونَهُ. وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْحُجَّةَ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ الظُّلْمِ، لِمَا يَعْقُبُ مِنْ قَطْعِ الدَّابِرِ، إِلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ، مَعَ اسْتِحْقَاقِ القاطع الحمد من كل حامد.

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant1
Total4

Traductions

🇸🇦 Arabic
تفسير القرطبي — الأنعام 45