Entités

تفسير القرطبي — هود 7

BE61558Tafsir

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢١٨ فما بعد.]] بَيَانُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) بَيَّنَ أَنَّ خَلْقَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. قَالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ يَاقُوتَةً خَضْرَاءَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ فَصَارَتْ مَاءً يَرْتَعِدُ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَلِكَ يَرْتَعِدُ الْمَاءُ إِلَى الْآنِ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الْمَاءَ عَلَى مَتْنِهَا، ثُمَّ وَضَعَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ" فقال: على أي شي كَانَ الْمَاءُ؟ قَالَ: عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: "اقْبَلُوا البشرى بابني تَمِيمٍ" قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا [مَرَّتَيْنِ [[الزيادة عن صحيح البخاري.]]] فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلِ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ" قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ؟ [[في ع: نسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر.]] قَالَ: "كَانَ الله ولم يكن شي غَيْرَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السموات والأرض وكتب في الذكر كل شي" ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أَيْ خَلَقَ ذَلِكَ لِيَبْتَلِيَ عِبَادَهُ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَلَى الْبَعْثِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَى "أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [أَيُّكُمْ [[من ع وو.]]] أَتَمُّ عَقْلًا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَيُّكُمْ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا. وَذُكِرَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فَقَالَ: يَا نَائِمُ قُمْ فَتَعَبَّدْ، فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ قَدْ تَعَبَّدْتُ، فَقَالَ "وَبِمَ تَعَبَّدْتَ"؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُ الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا، قَالَ: نَمْ فَقَدْ فُقْتَ الْعَابِدِينَ. الضَّحَّاكُ: أَيُّكُمْ أَكْثَرُ شُكْرًا. مُقَاتِلٌ: أَيُّكُمْ أَتْقَى لِلَّهِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيُّكُمْ أَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا: "أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" قَالَ: "أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا وَأَوْرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ" فَجَمَعَ الْأَقَاوِيلَ كُلَّهَا، وَسَيَأْتِي فِي "الْكَهْفِ" [[راجع ج ١٠ ص ٣٠٣.]] هَذَا أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ. (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ) أَيْ دَلَلْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى الْبَعْثِ. (مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ) وَذَكَرْتَ ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ لَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ. وَكُسِرَتْ "إِنَّ" لِأَنَّهَا بَعْدَ الْقَوْلِ مُبْتَدَأَةٌ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ الْفَتْحَ. (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فُتِحَتِ اللَّامُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُتَقَدِّمٌ لَا ضَمِيرَ فِيهِ، وَبَعْدَهُ "لَيَقُولَنَّ" لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرًا. وَ (سِحْرٌ) أَيْ غُرُورٌ بَاطِلٌ، لِبُطْلَانِ السِّحْرِ عِنْدَهُمْ. وَقَرَأَ حمزة والكسائي "إن هذا إلا ساحر عليم" كِنَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.