قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أَيْ مِنْ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ. (وَالْمَلائِكَةُ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمْ بِالذِّكْرِ لاختصاصهم بِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ، فَمَيَّزَهُمْ مِنْ صِفَةِ الدَّبِيبِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ دَخَلُوا فِيهَا، كَقَوْلِهِ:" فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [[راجع ج ١٧ ص ١٨٥.]] ". وَقِيلَ: لِخُرُوجِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَدِبُّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْأَجْنِحَةِ، فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْجُمْلَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا. وَقِيلَ: أَرَادَ "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ" مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ، "وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ" وَتَسْجُدُ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ. (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى قُرَيْشٍ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَمَعْنَى (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) أَيْ عِقَابَ رَبِّهِمْ وَعَذَابَهُ، لِأَنَّ الْعَذَابَ الْمُهْلِكَ إِنَّمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَخَافُونَ قُدْرَةَ رَبِّهِمُ الَّتِي هِيَ فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ، فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى "يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ" يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ وَهِيَ مِنْ فَوْقِ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ، فَلَأَنْ يَخَافَ مَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى، دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ يعنى الملائكة.