Entités

تفسير القرطبي — طه 129

BE68061Tafsir

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ ٢٠: ١٢٨ يُرِيدُ أَهْلَ مَكَّةَ، أَيْ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ خَبَرُ مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِذَا سَافَرُوا وَخَرَجُوا فِي التِّجَارَةِ طَلَبَ الْمَعِيشَةِ، فَيَرَوْنَ بِلَادَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ خَاوِيَةً، أَيْ أَفَلَا يَخَافُونَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ مَا حَلَّ بِالْكُفَّارِ قَبْلَهُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّلَمِيُّ وَغَيْرُهُمَا: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُّونِ وَهِيَ أَبْيَنُ. و "يَهْدِ ١٠٠" بِالْيَاءِ مُشْكِلٌ لِأَجْلِ الْفَاعِلِ، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: "كَمْ" الْفَاعِلُ، النَّحَّاسُ: وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ "كَمِ" اسْتِفْهَامٌ فَلَا يَعْمَلُ فِيهَا مَا قَبْلَهَا وَقَالَ الزَّجَّاجُ: المعنى أو لم يَهْدِ لَهُمُ الْأَمْرُ بِإِهْلَاكِنَا مَنْ أَهْلَكْنَا. وَحَقِيقَةُ "يَهْدِ" عَلَى الْهُدَى، فَالْفَاعِلُ هُوَ الْهُدَى تَقْدِيرُهُ: أَفَلَمْ يَهْدِ الْهُدَى لَهُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ"- أَهْلَكْنا". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً﴾ ٢٠: ١٢٩ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وَأَجَلٌ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَاللِّزَامُ الْمُلَازَمَةُ، أَيْ لَكَانَ الْعَذَابُ لَازِمًا لَهُمْ. وأضمر اسم كان. قال الزجاج: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) عَطْفٌ عَلَى "كَلِمَةٌ". قَتَادَةُ: وَالْمُرَادُ الْقِيَامَةُ، وَقَالَهُ الْقُتَبِيُّ وَقِيلَ: تَأْخِيرُهُمْ إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ﴾ ٢٠: ١٣٠ أَمَرَهُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَى أَقْوَالِهِمْ: إِنَّهُ سَاحِرٌ، إِنَّهُ كَاهِنٌ، إِنَّهُ كَذَّابٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى: لَا تَحْفِلْ بِهِمْ، فَإِنَّ لِعَذَابِهِمْ وَقْتًا مَضْرُوبًا لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. ثُمَّ قِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ. وَقِيلَ: لَيْسَ مَنْسُوخًا، إِذْ لَمْ يُسْتَأْصَلِ الْكُفَّارُ بَعْدَ آيَةِ الْقِتَالِ بَلْ بَقِيَ المعظم منهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [٢٠: ١٣٠] قَالَ أَكْثَرُ الْمُتَأَوِّلِينَ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ" قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [٢٠: ١٣٠]" صَلَاةِ الصُّبْحِ (وَقَبْلَ غُرُوبِها) [٢٠: ١٣٠] صَلَاةِ الْعَصْرِ (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ) [٢٠: ١٣٠] الْعَتَمَةِ (وَأَطْرافَ النَّهارِ) [٢٠: ١٣٠] الْمَغْرِبَ وَالظُّهْرَ، لِأَنَّ الظُّهْرَ فِي آخِرِ طَرَفِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ، وَأَوَّلُ طَرَفِ النَّهَارِ الْآخِرِ، فَهِيَ فِي طَرَفَيْنِ مِنْهُ، وَالطَّرَفُ الثَّالِثُ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَهُوَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ. وَقِيلَ: النَّهَارُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ فَصَلَهُمَا الزَّوَالُ، وَلِكُلِّ قِسْمٍ طَرَفَانِ، فَعِنْدَ الزَّوَالِ طَرَفَانِ، الْآخِرُ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالْأَوَّلُ مِنَ الْقِسْمِ الْآخِرِ، فَقَالَ عَنِ الطَّرَفَيْنِ أَطْرَافًا عَلَى نَحْوِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾[[راجع ج ١٨ ص ١٨٨.]] [التحريم: ٤] وَأَشَارَ إِلَى هَذَا النَّظَرِ ابْنُ فَوْرَكٍ فِي الْمُشْكِلِ. وَقِيلَ: النَّهَارُ لِلْجِنْسِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ طَرَفٌ، وَهُوَ إِلَى جَمْعٍ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ نَهَارٍ. وَ "آناءِ اللَّيْلِ" سَاعَاتُهُ وَوَاحِدُ الْآنَاءِ إِنْيٌ وَإِنًى وَأَنًى. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [٢٠: ١٣٠] بِفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ لَعَلَّكَ تُثَابُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِمَا تَرْضَى بِهِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "تُرْضَى" بِضَمِّ التَّاءِ، أي لعلك تعطى ما يرضيك.