قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمَعْنَى الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَكَذَا الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَكَذَا الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى الْكَلِمَاتُ الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَكَذَا الْخَبِيثُونَ مِنَ النَّاسِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ الْقَوْلِ، وَكَذَا الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النَّاسِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ النَّاسِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ الْقَوْلِ. قَالَ النَّحَّاسُ فِي كتاب معاني القرآن: وهذا من أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَدَلَّ على صحة هذا القول "أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ" أَيْ عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ مِمَّا يَقُولُ الْخَبِيثُونَ وَالْخَبِيثَاتُ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] الْآيَةَ، فَالْخَبِيثَاتُ الزَّوَانِي، وَالطَّيِّبَاتُ الْعَفَائِفُ، وَكَذَا الطَّيِّبُونَ وَالطَّيِّبَاتُ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّحَّاسُ أَيْضًا، وَهُوَ معنى قول ابن زيد. (أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ) يَعْنِي بِهِ الْجِنْسَ. وَقِيلَ: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ فَجَمَعَ كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] والمراد أخوان [[راجع ج ٥ ص ٧٢.]]، قاله الفراء. و "مُبَرَّؤُنَ" يَعْنِي مُنَزَّهِينَ [[في ك: يعنى منزهون.]] مِمَّا رُمُوا بِهِ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رُمِيَ بِالْفَاحِشَةِ بَرَّأَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ صَبِيٍّ فِي الْمَهْدِ، وَإِنَّ مَرْيَمَ لَمَّا رُمِيَتْ بِالْفَاحِشَةِ بَرَّأَهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ ابْنِهَا عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّ عَائِشَةَ لَمَّا رُمِيَتْ بِالْفَاحِشَةِ بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ، فَمَا رَضِيَ لَهَا بِبَرَاءَةِ صَبِيٍّ وَلَا نَبِيٍّ حَتَّى بَرَّأَهَا اللَّهُ بِكَلَامِهِ مِنَ الْقَذْفِ وَالْبُهْتَانِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنِ جَدَّتِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [أَنَّهَا [[من ط وك.]]] قَالَتْ: لَقَدْ أُعْطِيتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهُنَّ امْرَأَةٌ: لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي، وَلَقَدْ تُوُفِّيَ ﷺ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَفِي حِجْرِي، وَلَقَدْ قُبِرَ فِي بَيْتِي، وَلَقَدْ حَفَّتِ الْمَلَائِكَةُ بَيْتِي، وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَهْلِهِ فَيَنْصَرِفُونَ [[فيتفرقون عليه.]] عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فِي لِحَافِهِ فَمَا يُبِينُنِي عَنْ جَسَدِهِ، وَإِنِّي لَابْنَةُ خَلِيفَتِهِ وَصِدِّيقِهِ، وَلَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وَعِنْدَ طَيِّبٍ [[في ك: لقد خلقت من طيبة عند طيب.]]، وَلَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا، تَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" وهو الجنة.