Entités

اختلاف الحديث للشافعي

BE888686Livre

Déclarations

3 sortant
=licencepublic-domainBS3599079
=sourceSanadset 650K — Mendeley Data, CC BY 4.0 (doi:10.17632/5xth87zwb5.5)BS3599080

Référencé par

100 entrant
أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْعَائِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، قَالَ : " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى ، أَخَذَتِ النَّبِيَّ سَعْلَةٌ فَحَذَفَ فَرَكَعَ " . قَالَ : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَيْسَ نَعُدُّ شَيْئًا مِنْ هَذَا اخْتِلافًا لأَنَّهُ قَدْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ عُمْرَهُ ، فَيَحْفَظُ الرَّجُلُ قِرَاءَتَهُ يَوْمًا ، وَالرَّجُلُ قِرَاءَتَهُ يَوْمًا غَيْرَهُ ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا تَيَسَّرَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللازِمَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَا تَيَسَّرَ مَعَهُمَا .
أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَطَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَكَانَ يَقُولُ : التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " . قَالَ الرَّبِيعُ : هَذَا حَدَّثَنَا بِهِ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ رَوَى أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ ، بِإِسْنَادٍ لَهُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَشَهُّدًا يُخَالِفُ هَذَا فِي بَعْضِ حُرُوفِهِ ، وَرَوَى الْبَصْرِيُّونَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيثًا يُخَالِفُهُمَا فِي بَعْضِ حُرُوفِهِمَا ، وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي التَّشَهُّدِ حَدِيثًا يُخَالِفُهَا كُلَّهَا فِي بَعْضِ حُرُوفِهَا ، فَهِيَ مُشْتَبِهَةٌ مُتَقَارِبَةٌ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا ثَابِتَةً ، وَأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُ الْجَمَاعَةَ وَالْمُنْفَرِدِينَ التَّشَهُّدَ ، فَيَحْفَظُ أَحَدُهُمْ عَلَى لَفْظٍ ، وَيَحْفَظُ الآخَرُ عَلَى لَفْظٍ يُخَالِفُهُ ، لا يَخْتَلِفَانِ فِي مَعْنَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ تَعْظِيمَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَذِكْرَهُ ، وَالتَّشَهُّدَ وَالصَّلاةَ عَلَى النَّبِيِّ ، فَيُقِرُّ النَّبِيُّ كُلا عَلَى مَا حَفِظَ ، وَإِنْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، أَوْ لَفَظَهَا بِغَيْرِ لَفْظِهِ لأَنَّهُ ذِكْرٌ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ لَفْظِ الْقُرْآنِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَعْنَاهُ فَأَقَرَّهُمْ ، وَقَالَ : " هَكَذَا أُنْزِلَ ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " . فَمَا سِوَى الْقُرْآنِ مِنَ الذِّكْرِ أَوْلَى أَنْ يَتَّسِعَ هَذَا فِيهِ ، إِذَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَعْنَى ، قَالَ : وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَعْمِدَ أَنْ يَكُفَّ عَنْ قِرَاءَةِ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلا بِنِسْيَانٍ ، وَهَذَا مِنَ التَّشَهُّدِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لأَنَّهُ أَتَمُّهَا ، وَأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى بَعْضِهَا الْمُبَارَكَاتِ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِالنَّجْمِ ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِحَتْمٍ ، وَلَكِنَّا نُحِبُّ أَنْ لا يُتْرَكَ لأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَ فِي النَّجْمِ وَتَرَكَ . حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي النَّجْمِ سَجْدَةٌ ، وَلا أُحِبُّ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ ، وَإِنْ تَرَكَهُ كَرِهْتُهُ لَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ لأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ ؟ قِيلَ : السُّجُودُ صَلاةٌ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا سورة النساء آية 103 فَكَانَ الْمَوْقُوتُ يَحْتَمِلُ مَوْقُوتًا بِالْعَدَدِ ، وَمَوْقُوتًا بِالْوَقْتِ ، فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : " لا ، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ " ، فَلَمَّا كَانَ سُجُودُ الْقُرْآنِ خَارِجًا مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، كَانَ سُنَّةَ اخْتِيَارٍ ، وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ لا يَدَعَهُ ، وَمَنْ تَرَكَهُ تَرَكَ فَضْلا لا فَرْضًا ، وَإِنَّمَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ لأَنَّ فِيهَا سُجُودًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَفِي سُجُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْتُ لأَنَّ النَّاسَ سَجَدُوا مَعَهُ إِلا رَجُلَيْنِ ، وَالرَّجُلانِ لا يَدَعَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْفَرْضَ ، وَلَوْ تَرَكَاهُ أَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِإِعَادَتِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدٍ أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ ، فَهُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَسْجُدْ ، وَهُوَ الْقَارِئُ ، فَلَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضًا فَيَأْمُرُهُ النَّبِيُّ بِهِ .
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، " أَنَّ رَجُلا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ ، فَسَجَدَ النَّبِيُّ ، ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ ، فَلَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَرَأَ فُلانٌ عِنْدَكَ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتَ ، وَقَرَأْتُ عِنْدَكَ السَّجْدَةَ فَلَمْ تَسْجُدْ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ : كُنْتَ إِمَامًا ، فَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْتُ مَعَكَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنِّي لأَحْسَبُهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لأَنَّهُ يَحْكِي أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ ، وَإِنَّمَا رَوَى الْحَدِيثَيْنِ مَعًا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، قَالَ : وَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الَّذِي يَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدَ وَيَسْجُدُوا مَعَهُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَلَعَلَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَسَخَ الآخَرَ ، قِيلَ : فَلا يَدَّعِي أَحَدٌ أَنَّ السُّجُودَ فِي النَّجْمِ مَنْسُوخٌ ، إِلا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ مَنْسُوخٌ ، وَالسُّجُودُ نَاسِخٌ ، ثُمَّ يَكُونُ أَوْلَى لأَنَّ السُّنَّةَ السُّجُودُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ : فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا سورة النجم آية 62 ، وَلا يُقَالُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ : نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ ، وَلَكِنْ يُقَالُ : اخْتِلافٌ مِنْ جِهَةِ الْمُبَاحِ .
أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : " أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 ، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ، فَقَالَ عُمَرُ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ، فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ بِلا خَوْفٍ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَالصَّدَقَةُ رُخْصَةٌ ، لا حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَقْصُرُوا ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنْ يَقْصُرَ فِي السَّفَرِ بِلا خَوْفٍ إِنْ شَاءَ الْمُسَافِرُ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَتَمَّ فِي السَّفَرِ وَقَصَرَ " .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَزِيدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ " . قَالَ الزُّهْرِيُّ : قُلْتُ : فَمَا شَأْنُ عَائِشَةَ كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلاةَ ؟ قَالَ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ : فَمَا تَقُولُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ ؟ قُلْتُ : أَقُولُ : إِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى غَيْرِ مَا أَرَدْتَ بِالدِّلالَةِ عَنْهَا ، قَالَ : وَمَا مَعْنَاهُ ؟ قُلْتُ : إِنَّ صَلاةَ الْمُسَافِرِ أُقِرَّتْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إِنْ شَاءَ ، قَالَ : وَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَهَا ؟ قُلْتُ : إِنَّهَا أَتَمَّتْ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : فَمَا قَوْلُ عُرْوَةَ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ؟ قُلْتُ : لا أَدْرِي أَتَأَوَّلَتْ أَنَّ لَهَا أَنْ تُتِمَّ وَتَقْصُرَ ، فَاخْتَارَتِ الإِتْمَامَ ، وَكَذَلِكَ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ وَمَا رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ وَقَالَتْ بِمِثْلِهِ أَوْلَى بِهَا مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ ، لَوْ كَانَ عُرْوَةُ ذَهَبَ إِلَى غَيْرِ هَذَا ، وَمَا أَعْرِفُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، قَالَ : فَلَعَلَّهُ حَكَاهُ عَنْهَا ، قُلْتُ : فَمَا عَلِمْتُهُ حَكَاهُ عَنْهَا ، وَإِنْ حَكَاهُ فَقَدْ يُقَالُ : تَأَوَّلَ عُثْمَانُ أَنْ لا يَقْصُرَ إِلا خَائِفٌ ، وَمَا نَقِفُ عَلَى مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ خَبَرًا صَحِيحًا ، قَالَ : فَلَعَلَّهَا تَأَوَّلَتْ أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، قُلْتُ : لَمْ تَزَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمًّا وَهِيَ تَقْصُرُ ، ثُمَّ أَتَمَّتْ بَعْدُ ، وَحَالُهَا فِي أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْقَصْرِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ ، وَقَدْ قَصَرَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَتَمَّتْ ، قَالَ : أَمَّا أَنْ لَيْسَتْ لِي عَلَيْكَ مَسْأَلَةٌ بِأَنَّ أَصْلَ مَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ وَتَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنْ لَيْسَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حُجَّةٌ ، وَأَنَّكَ تَذْهَبُ إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْقُرْآنِ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ لا حَتْمٌ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَتُكَ فِي السُّنَّةِ ، قُلْتُ : مَا خَفِيَ عَلَيَّ ذَلِكَ ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ أَنِّي لَمْ أَرَكَ سَلَكْتَ طَرِيقًا فِي صَلاةِ السَّفَرِ إِلا أَخْطَأْتَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ ، فَتَكُونُ أَوْهَنَ لِجَمِيعِ قَوْلِكَ ، قَالَ : فَقَدْ عَابَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى عُثْمَانَ إِتْمَامَهُ بِمِنًى ، قُلْتُ : وَقَامَ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي مَنْزِلِهِ فَأَتَمَّ ، فَقِيلَ لَهُ : عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ الإِتْمَامَ ، وَأَتْمَمْتَ ؟ قَالَ : الْخِلافُ شَرٌّ ، قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَذَا مِمَّا وَصَفْتَ مِنَ احْتِجَاجِكَ بِمَا عَلَيْكَ ، قَالَ : وَمَا فِي هَذَا مِمَّا عَلَيَّ ؟ قُلْتُ : أَتَرَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُتِمُّ وَهُوَ يَرَى الإِتْمَامَ لَيْسَ لَهُ ؟ قَالَ : مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَتَمَّ إِلا وَالإِتْمَامُ عِنْدَهُ لَهُ وَإِنِ اخْتَارَ الْقَصْرَ ، وَلَكِنْ مَا مَعْنَى عَيْبِ ابْنِ مَسْعُودٍ الإِتْمَامَ ؟ قُلْتُ لَهُ : مَنْ عَابَ الإِتْمَامَ عَلَى أَنَّ الْمُتِمَّ رَغِبَ عَنِ الرُّخْصَةِ ، فَهُوَ مَوْضِعٌ يَجُوزُ لَهُ بِهِ الْقَوْلُ ، كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَسْحَ رَغْبَةً عَنِ الرُّخْصَةِ ، وَلا نَقُولُ ذَلِكَ فِيمَنْ تَرَكَهُ غَيْرَ رَغْبَةٍ عَنْهَا ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ عَابَ الإِتْمَامَ ، وَأَتَمَّهَا عُثْمَانُ وَصَلَّى مَعَهُ ، قُلْتُ : فَهَذَا مِثْلُ مَا رَوَيْتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّ صَلاتَهُمْ لا تَفْسُدُ ، أَفَتَرَى أَنَّهُمْ فِي صَلاتِهِمْ مَعَ عُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا لا يَجْلِسُونَ فِي مَثْنَى ؟ قَالَ : مَا يَجُوزُ هَذَا عَلَيْهِمْ ، قُلْتُ : أَفَتَفْسُدُ صَلاتُهُ وَصَلاتُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، وَإِنَّمَا فَرْضُهُ زَعَمْتَ رَكْعَتَانِ ، أَوْ تُرَاهُمْ إِذَا ائْتَمُّوا بِهِ فِي الإِتْمَامِ لَوْ سَهَا فَقَامَ يُخَالِفُونَهُ فَيَجْلِسُونَ فِي مَثْنَى وَيُسَلِّمُونَ ؟ قَالَ : مَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَقُولَ هَذَا ، قُلْتُ : قَدْ قُلْتَهُ أَوَّلا ، ثُمَّ عَلِمْتَ أَنَّهُ يَلْزَمُكَ فِيهِ هَذَا فَأَمْسَكْتَ عَنْهُ ، وَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلا وَهُوَ خِلافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَخِلافُهُمَا أَضْيَقُ عَلَيْكَ مِنْ خِلافِ مَنِ امْتَنَعْتَ مِنْ أَنْ تُعْطِيَ خِلافَهُ ، قَالَ : فَتَقُولُ مَاذَا ، قُلْتَ : مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ بِالإِتْمَامِ بِأَصْلِ الْفَرْضِ ، وَمُصِيبُونَ بِالْقَصْرِ بِقَبُولِ الرُّخْصَةِ كَمَا أَقُولُ فِي كُلِّ رُخْصَةٍ ، وَأَنْ لا مَوْضِعَ لِعَيْبِ الإِتْمَامِ إِلا أَنْ يُتِمَّ رَجُلٌ يَرْغَبُ ، عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ .
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنِ ابْنِ الصِّمَّةِ ، قَالَ : " مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبُولُ ، فَمَسَحَ بِجِدَارٍ ، ثُمَّ يَمَّمَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَابْنُ الصِّمَّةِ ، وَبَنُو الصِّمَّةِ مَعْرُوفُونَ ، بَدْرِيُّونَ ، وَأُحُدِيُّونَ ، وَأَهْلُ غَنَاءٍ فِي الإِسْلامِ وَمَكَانٍ مِنْهُ ، وَالأَعْرَجُ ، وَأَبُو الْحُوَيْرِثِ ثِقَةٌ ، وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ ابْنُ الصِّمَّةِ مُخَالِفًا حَدِيثَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، غَيْرَ بَيِّنٍ أَنَّهُ نَسَخَهُ ، كَانَ حَدِيثُ ابْنُ الصِّمَّةِ أَوْلاهُمَا أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ، لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ ، فَعَفَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ، وَأَمَرَ بِأَنْ تُيَمِّمَ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ ، وَكَانَ اسْمُ الْيَدَيْنِ يَقَعُ عَلَى الْكَفَّيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ ، وَعَلَى الذِّرَاعَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْنًى أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ لأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَالْبَدَلُ إِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ فِي الْمُبْدَلِ عَنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُيَمِّمَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ " . قَالَ : فَلا يَجُوزُ عَلَى عَمَّارٍ إِذَا كَانَ ذَكَرَ تَيَمُّمَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ إِلَى الْمَنَاكِبِ إِنْ كَانَ ، عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ إِلا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ ، إِذْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، أَوْ يَكُونُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلا تَيَمُّمًا وَاحِدًا ، فَاخْتَلَفَتْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ ، فَتَكُونُ رِوَايَةُ ابْنُ الصِّمَّةِ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ أَثْبَتُ ، فَإِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ فَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا لأَنَّهَا أَوْفَقُ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رُوِيَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ ، أَوْ يَكُونُ إِنَّمَا سَمِعَ آيَةَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلاةِ ، فَتَيَمَّمُوا وَاحْتَاطُوا ، فَأَتَوْا عَلَى غَايَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْيَدِ لأَنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُمْ ، كَمَا لا يَضُرُّهُمْ لَوْ فَعَلُوهُ فِي الْوُضُوءِ ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى مَسْأَلَةِ النَّبِيِّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُجْزِيهِمْ مِنَ التَّيَمُّمِ أَقَلُّ مِمَّا فَعَلُوا ، وَهَذَا أَوْلَى الْمَعَانِي عِنْدِي بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ بِمَا وَصَفْتُ مِنَ الدَّلائِلِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا مَنَعَنَا أَنْ نَأْخُذَ بِرِوَايَةِ عَمَّارٍ فِي أَنْ تُيَمِّمَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ثُبُوتُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ، وَأَنَّ هَذَا التَّيَمُّمَ أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ ، وَأَشْبَهُ بِالْقِيَاسِ ، بِأَنَّ الْبَدَلَ مِنَ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ مِثْلَهُ .
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، " أَنّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ فَرَسًا ، فَصُرِعَ ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ ، فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَنَسًا رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى جَالِسًا مِنْ سَقْطَةٍ مِنْ فَرَسٍ فِي مَرَضِهِ ، وَعَائِشَةُ تَرْوِي ذَلِكَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُوَافِقُ رِوَايَتَهُمَا ، وَأَمَرَ مَنْ خَلْفَهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ بِالْجُلُوسِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا ، ثُمَّ تَرْوِي عَائِشَةُ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي فَرْضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا " ، قَالَ : وَهِيَ آخِرُ صَلاةٍ صَلاهَا بِالنَّاسِ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَهَذَا لا يَكُونُ إِلا نَاسِخًا .
أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ وَجِعًا ، فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَوَجَدَ النَّبِيُّ خِفَّةً ، فَجَاءَ فَقَعَدَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَمَّ رَسُولُ اللَّهِ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ " . وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ ، عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَعْنَاهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَ مَعْنَاهُ لا يُخَالِفُهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي حَدِيثِ أَصْحَابِنَا مِثْلُ مَا فِي هَذَا ، وَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَنَحْنُ لَمْ نُخَالِفِ الأَحَادِيثَ الأُولَى إِلا بِمَا يَجِبُ عَلَيْنَا مِنْ أَنْ نَصِيرَ إِلَى النَّاسِخِ الأَوْلَى ، كَانَتْ حَقًّا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ نَسَخَهُ ، فَكَانَ الْحَقُّ فِيمَا نَسَخَهَا ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْسُوخٍ يَكُونُ الْحَقَّ مَا لَمْ يُنْسَخْ ، فَإِذَا نُسِخَ كَانَ الْحَقُّ فِي نَاسِخِهِ . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الصِّنْفِ شَيْءٌ يَغَلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الْحَدِيثِ .
وَذَلِكَ أَنَّ وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ ، أَخْبَرَنَا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ " أَنَّهُمْ خَرَجُوا يُشَيِّعُونَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلُّوا خَلْفَهُ جُلُوسًا " . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ " أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، لا يَعْلَمُ خِلافَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ بِمَا عَلِمَ ، ثُمَّ لا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَلِمَ وَرَوَى حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَوْلا أَوْ عَمِلَ عَمَلا يَنْسَخُ الْعَمَلَ الَّذِي قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَعَلِمَهُ ، كَمَا لَمْ يَكُنْ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى جَالِسًا وَأَمَرَ بِالْجُلُوسِ ، وَصَلَّى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَأَمَرَهُمَا بِالْجُلُوسِ وَجُلُوسُ مَنْ خَلْفَهُمَا ، حُجَّةٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا يَنْسَخُهُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ ، وَيَعْزُبُ عَنْ بَعْضٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كِعِلْمِ الْعَامَّةِ الَّذِي لا يَسَعُ جَهْلُهُ ، وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ كَثِيرَةٌ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْهَا .
وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَامَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ الْفَرِيضَةَ ، وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لا يَحْتَمِلُ قَوْلُ عَائِشَةَ : تَرَكَ عَاشُورَاءَ ، مَعْنًى يَصِحُّ إِلا تَرَكَ إِيجَابَ صَوْمِهِ ، إِذْ عَلِمْنَا أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمَفْرُوضُ صَوْمُهُ ، وَأَبَانَ لَهُمْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَتَرَكَ إِيجَابَ صَوْمِهِ ، وَهُوَ أَوْلَى الأُمُورِ عِنْدَنَا لأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ " أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَلَى النَّاسِ " . وَلَعَلَّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ ، قَالَتْهُ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ رَأَتِ النَّبِيَّ لَمَّا صَامَهُ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا ، ثُمَّ نَسَخَهُ تَرْكُ أَمْرِهِ ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَدَعَ صَوْمَهُ ، وَلا أَحْسَبُهَا ذَهَبَتْ إِلَى هَذَا ، وَلا ذَهَبَتْ إِلا إِلَى الْمَذْهَبِ الأَوَّلِ لأَنَّ الأَوَّلَ هُوَ مُوَافِقٌ الْقُرْآنَ ، أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّوْمَ فَأَبَانَ أَنَّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْلِ مَعْنَى الْقُرْآنِ ، بِأَنْ لا فَرْضَ فِي الصَّوْمِ إِلا رَمَضَانَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : " مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَامَ يَوْمًا يَتَحَرَّى فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ " . يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ يَتَحَرَّى فَضْلَهُ فِي التَّطَوُّعِ بِصَوْمِهِ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ فَقَالَ : أَلا رَجُلٌ صَالِحٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لا نَرْقُدُ عَنِ الصَّلاةِ ؟ " فَقَالَ بِلالٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ : فَاسْتَنَدَ بِلالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ ، قَالَ : فَلَمْ يَفْزَعُوا إِلا بِحَرِّ الشَّمْسِ فِي وُجُوهِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا بِلالُ ، فَقَالَ بِلالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، قَالَ : فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ اقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ مُتَّصِلا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ، وَيَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ " مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ ، أَوْ نَامَ عَنْهَا ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا " . وَيَزِيدُ الآخَرُ أَيْ حِينَ مَا كَانَتْ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ ، قَالَ : قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذْ قَالَ : يَا كَثِيرُ بْنَ الصَّلْتِ ، اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ " فَسَلْهَا عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ ، وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا ، فَقَالَ : اذْهَبْ وَاسْتَمِعْ مَا تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : لا عِلْمَ لِي ، وَلَكِنِ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَلْهَا ، قَالَ : فَذَهَبْنَا مَعَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَهُ يُصَلِّيهِمَا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ صَلَّيْتَ صَلاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاكَ تُصَلِّيهَا ، قَالَ : إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ ، أَوْ صَدَقَةٌ ، فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا ، فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ " .
أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ ، حَدَّثَهُ قَالَ : " تُوُفِّيَ حَاطِبٌ فَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ ، وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ ، وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ ، فَلَمْ تَرُعْهُ إِلا بِحَمْلِهَا ، وَكَانَتْ ثَيِّبًا ، فَذَهَبَ إِلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لأَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عُمَرُ ، فَقَالَ : أَحَبِلْتِ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، مَنْ مَرَّ عَرَّسَ بِدِرْهَمَيْنِ ، فَإِذَا هِيَ تُسَهِّلُ بِذَلِكَ وَلا تَكْتُمُهُ ، قَالَ : وَصَادَفَ عَلِيًّا ، وَعُثْمَانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَقَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ ، قَالَ : وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ : قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، فَقَالَ : أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ ، فَقَالَ : قَدْ أَشَارَ عَلَيْكَ أَخَوَاكَ ، فَقَالَ : أَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ ، قَالَ : أُرَاهَا تُسَهِّلُ بِهِ ، كَأَنَّهَا لا تَعْلَمُهُ ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ صَدَقْتَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إِلا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ ، فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً ، وَغَرَّبَهَا عَامًا " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَخَالَفَ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَلَمْ يَحُدَّهَا حَدَّهَا عِنْدَهُمَا ، وَهُوَ الرَّجْمُ ، وَخَالَفَ عُثْمَانَ أَنْ لا يَحُدَّهَا بِحَالٍ ، وَجَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا ، فَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ خِلافِهِ بَعْدَ حَدِّهِ إِيَّاهَا حَرْفٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلافَهُمْ لَهُ إِلا بِقَوْلِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ فِعْلِهِ ، قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ مَا لا يَنْبَغِي لَهُ إِذْ قِيلَ : حَدَّ عُمَرُ مَوْلاةَ حَاطِبٍ كَذَا ، لَمْ يَكُنْ لِيَجْلِدَهَا إِلا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ جَهَالَةً بِالْعِلْمِ ، وَجُرْأَةً عَلَى قَوْلِ مَا لا يَعْلَمُ ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى أَنْ يَقُولَ : إِنَّ قَوْلَ رَجُلٍ أَوْ عَمَلَهُ فِي خَاصٍّ مِنَ الأَحْكَامِ ، مَا لَمْ يُحْكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ ، قَالَ عِنْدَنَا مَا لَمْ يَعْلَمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَضَى عُمَرُ أَنْ لا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الأَوْلادِ ، وَخَالَفَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ . وَقَضَى عُمَرُ فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الضِّرْسَ سِنًّا فِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ . وَقَالَ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ، وَغَيْرُهُ : لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ ، فَقَالَ : إِذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدِ انْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ عَنْهَا ، مَعَ أَشْيَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفْتُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَائِلَ السَّلَفِ يَقُولُ بِرَأْيِهِ ، وَيُخَالِفُهُ غَيْرُهُ وَيَقُولُ بِرَأْيِهِ ، وَلا يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ فِيمَا قَالَ بِهِ شَيْءٌ ، فَلا يُنْسَبُ الَّذِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ إِلَى خِلافِهِ ، وَلا مُوَافَقَتِهِ لأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُلْ لَمْ يُعْلَمْ قَوْلُهُ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى مُوَافَقَتِهِ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خِلافِهِ ، وَلَكِنَّ كُلا كَذَبَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ قَوْلا وَلا الصِّدْقَ فِيهِ ، إِلا أَنْ يُقَالَ مَا يُعْرَفُ ، إِذَا لَمْ يَقُلْ قَوْلا ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لا يَرَى قَوْلَ بَعْضٍ حُجَّةً تَلْزَمُهُ ، إِذْ رَأَى خِلافَهَا ، وَأَنَّهُمْ لا يَرَوْنَ اللازِمَ إِلا الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا قَطُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ خَاصُّ الأَحْكَامِ كُلِّهَا إِجْمَاعًا كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَجَدُوا كِتَابًا أَوْ سُنَّةً اتَّبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِذَا تَأَوَّلُوا مَا يُحْتَمَلُ فَقَدْ يَخْتَلِفُونَ ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً اخْتَلَفُوا . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَكَفَى حُجَّةً عَلَى أَنَّ دَعْوَى الإِجْمَاعِ فِي كُلِّ الأَحْكَامِ لَيْسَ كُلَّمَا ادَّعَى مَنِ ادَّعَى مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذَا وَنَظَائِرَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الإِجْمَاعَ فِيمَا سِوَى جُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كَلَّفَهَا الْعَامَّةُ ، أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلا التَّابِعِينَ ، وَلا الْقَرْنُ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَلا الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، وَلا عَالِمٌ عَلِمْتُهُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ ، وَلا أَحَدٌ نَسَبَتْهُ الْعَامَّةُ إِلَى عِلْمٍ إِلا حِينًا مِنَ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ قَائِلا ، قَالَ فِيهِ بِمَعْنًى لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَرَفَهُ ، وَقَدْ حَفِظْتُ عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ إِبْطَالَهُ ، وَمَتَى كَانَتْ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دَهْرٍ بِالْبُلْدَانِ عَلَى شَيْءٍ وَعَامَّةُ قَبْلِهِمْ ، قِيلَ : يُحْفَظُ عَنْ فُلانٍ وَفُلانٍ كَذَا ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا وَنَأْخُذُ بِهِ ، وَلا نَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ لأَنَّا لا نَعْرِفُ مَنْ قَالَهُ مِنَ النَّاسِ إِلا مَا سَمِعْنَاهُ مِنْهُ أَوْ عَنْهُ ، قَالَ : وَمَا وَصَفْتُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَصًّا وَاسْتِدْلالا . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ : اتِّبَاعٍ ، وَاسْتِنْبَاطٍ ، وَالإِتِّبَاعُ اتِّبَاعُ كِتَابٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٌ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلُ عَامَّةِ مَنْ سَلَفَنَا ، لا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ سَلَفِنَا ، لا مُخَالِفَ لَهُ ، وَلا يَجُوزُ الْقَوْلُ إِلا بِالْقِيَاسِ ، وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا ، وَسِعَ كُلا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ ، وَلَمْ يَسَعْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِخِلافِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَشُكُّ ، قَالَ مَالِكٌ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، أَوْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، " أَنَّهُمَا دَخَلا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ : أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ ، فَقَالُوا : هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ ، فَقُلْتُ : أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ : لا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي ، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ . قَالَ خَالِدٌ : فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الضَّبِّ لأَنَّهُ عَافَهُ ، لا لأَنَّهُ حَرَّمَهُ ، وَقَدِ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْبُقُولِ ذَوَاتِ الرِّيحِ لأَنَّ جِبْرِيلَ يُكَلِّمُهُ ، وَلَعَلَّهُ عَافَهَا لا مُحَرِّمًا لَهَا . وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لَسْتُ بِآكِلِهِ " ، يَعْنِي نَفْسَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عَافَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " وَلا مُحَرِّمِهِ " ، قَالَ : فَجَاءَ بِمَعْنَى ابْنِ عَبَّاسٍ بَيِّنًا ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى ابْنِ عُمَرَ أَبْيَنَ مِنْهُ ، قَالَ : لَسْتُ أُحَرِّمُهُ وَلَيْسَ حَرَامًا ، وَلَسْتُ آكُلُهُ تَفْسِيرٌ ، وَأَكْلُ الضَّبِّ حَلالٌ ، وَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَدَاهُ لأَنَّهُ صَيْدٌ يُؤْكَلُ .
أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، " أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيْهِ أَمِيرًا ، وَقَالَ : فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِلالٍ ، أَوْ ثَلاثِ خِصَالٍ ، شَكَّ عَلْقَمَةُ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَخْبِرْهُمْ إِنْ هُمْ فَعَلُوا أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ ، فَإِنِ اخْتَارُوا الْمُقَامَ فِي دَارِهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ كَمَا يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ شَيْءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوكَ إِلَى الإِسْلامِ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، فَإِنْ فَعَلُوا فَأَقْبَلَ مِنْهُمْ وَدَعْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ " .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ : قَالَ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيُّ : " عَلامَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنَ الْمَجُوسِ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسْتَوْرِدُ فَأَخَذَ بِلَبَبِهِ ، فَقَالَ : يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، تَطْعَنُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، يَعْنِي عَلِيًّا ، وَقَدْ أَخَذُوا مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ؟ ! فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْقَصْرِ ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : الْبَدَا ، فَجَلَسْنَا فِي ظِلِّ الْقَصْرِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَجُوسِ ، كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ يَعْلَمُونَهُ ، وَكِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ ، وَإِنَّ مَلِكَهُمْ سَكِرَ فَوَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، فَلَمَّا صَحَا جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ ، فَدَعَا أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ فَقَالَ : تَعْلَمُونَ دِينًا خَيْرًا مِنْ دِينِ آدَمَ ، قَدْ كَانَ آدَمُ يُنْكِحُ بَنِيهِ مِنْ بَنَاتِهِ ، فَأَنَا عَلَى دِينِ آدَمَ ، مَا يَرْغَبُ بِكُمْ ، عَنْ دِينِهِ ؟ ! فَاتَّبَعُوهُ وَقَاتَلُوا الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُمْ ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أَسْرَى عَلَى كِتَابِهِمْ ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَذَهَبَ الْعِلْمُ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ " . قَالَ : فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى مَا وَصَفْتَ غَيْرَ مَا ذَكَرْتَ مِنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، أَرَأَيْتَ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، أَمَا فِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلَى أَلا تُؤْخَذَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتُوا الْكِتَابَ ؟ فَقَالَ : بَلَى ، لأَنَّهُ إِذَا قِيلَ : خُذْ مِنْ صِنْفٍ كَذَا ، فَقَدْ مَنَعَ مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُخَالِفُهُ ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُقَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَأَمَرَ إِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَنْ يُقْتَلَ الْمُشْرِكُونَ حَيْثُ وُجِدُوا ، وَيُحْصَرُوا ، وَيُقْعَدَ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ خُلِّيَ سَبِيلُهُمْ ، أَمَا فِي هَذَا دَلالَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمْرِ اللَّهِ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ أَهْلِ الأَوْثَانِ ، وَأَنَّ الْفَرْضَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُهُ فِي أَهْلِ الأَوْثَانِ ؟ قَالَ : أَمَّا الْقُرْآنُ فَيَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقُلْتُ لَهُ : وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَامٌّ ، بِأَنْ يُدْعَوْا إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ كُلُّ مُشْرِكٍ وَثَنِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ ، قُلْتُ لَهُ : وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " . عَامُّ الْمَخْرَجِ ، فَإِنْ قَالَ جَاهِلٌ : بَلْ هُوَ عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ ، فَلا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَلا غَيْرِهِ ، وَلا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلا الإِسْلامُ أَوِ الْقَتْلُ ، هَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إِلا كَهِيَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى جُمْلَةِ حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، وَادَّعَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَاسِخٌ لَهُ ، قَالَ : مَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ شَيْءٌ ، إِلا كَمَا لِصَاحِبِهِ مِثْلُهُ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلا الْحَدِيثَانِ بَابٌ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَفِيمَنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ ، فَقَالَ : تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِمَّنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الأَوْثَانِ مَا كَانَ إِلا أَنَّهَا لا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَرَبِ خَاصَّةً إِذَا دَانُوا دِينَ أَهْلِ الأَوْثَانِ فَأَمَّا الْعَجَمُ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَإِنْ دَانُوا دِينَ أَهْلِ الأَوْثَانِ ، قَالَ : فَقُلْتُ لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ : وَمِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا ، قَالَ : ذَهَبْتُ إِلَى أَنَّ الَّذِينَ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا الْعَرَبُ ، قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ الْعَرَبَ إِذَا دَانُوا دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَتَأْخُذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَقَدْ تَرَكْتَ أَصْلَ قَوْلِكَ وَزَعَمْتَ أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الدِّينِ لا عَلَى النَّسَبِ ، قَالَ : فَلا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ الْجِزْيَةَ وَتَرْكَ الْجِزْيَةِ وَأَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُسْلِمُوا عَلَى النَّسَبِ ، وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ الْجِزْيَةَ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ ، فَقُلْتُ لَهُ : فَلِمَ ذَهَبْتَ أَوَّلا إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَلَسْتَ تَجِدُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَلا سُنَّةٍ ، قَالَ : فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِكَ مَنْ قَالَ : تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ دَعَا إِلَيْهَا وَثَنِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ ، أَوْ أَعْجَمِيٌّ أَوْ عَرَبِيٌّ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَحَمِدْتَ قَوْلَ مَنْ قَالَ هَذَا ؟ قَالَ : لا ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْعَرَبَ فَلَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ إِلا مِنْ عَرَبِيٍّ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَأَقُومُ لِمَنْ خَالَفَنَا وَإِيَّاكَ مِنْ أَصْحَابِكَ بِقَوْلِهِ : فَأَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ وَرَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَلا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلا تُنْكَحَ نِسَاؤُهُمْ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَتُنَكْحُ نِسَاؤُهُمْ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : قُلْتَ : إِنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ بَاقٍ فِي أَيْدِيهِمْ فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ فِي أَنْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ كَالْعَرَبِ ، قَالَ : لا ، إِلا مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنْ لا تُنْكَحَ نِسَاؤُهُمْ وَلا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ ، قُلْتُ : فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ سورة التوبة آية 29 مَنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَأَنْ يَكُونَ إِحْلالُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِحْلالَ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ سِوَاهُمْ فَيَكُونُونَ مُسْتَوِينَ فِي الْجِزْيَةِ مُخْتَلِفِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، فَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الشِّرْكِ وَخَالَفَ بَيْنَهُمْ فِي الْقِتَالِ عَلَى الشِّرْكِ فَقَالَ أَوْ قَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ : مَا فِي هَذَا مَا أَنْكَرَهُ عَالِمٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : قُلْتُ لَهُ : لَمْ يَذْهَبْ هَذَا الْمَذْهَبَ أَحَدٌ لَهُ عِلْمٌ بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَوِ السُّنَّةِ ، قَالَ : وَمِنْ أَيْنَ ؟ قُلْتُ : السُّنَّةُ لا تَكُونُ أَبَدًا إِلا تَبَعًا لِلْقُرْآَنِ مِثْلَ مَعْنَاهُ وَلا تُخَالِفُهُ فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ نَصًّا فَهِيَ مِثْلُهُ ، وَإِذَا كَانَ جُمْلَةً أَبَانَتْ مَا أُرِيدَ بِالْجُمْلَةِ ثُمَّ لا تَكُونُ إِلا وَالْقُرْآَنُ مُحْتَمِلٌ مَا أَبَانَتِ السُّنَّةُ مِنْهُ ، قَالَ : أَجَلْ ، قُلْتُ : فَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ خَرَجَ مِنَ الأَمْرَيْنِ مَعًا مِنَ الْكِتَابِ إِلَى غَيْرِ كِتَابٍ وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى غَيْرِ السُّنَّةِ ، وَذَهَبَ فِي الْمَجُوسِ إِلَى أَمْرٍ جَهِلَهُ فَقَالَ فِيهِمْ بِالْجَهَالَةِ ، قَالَ : إِنَّهُ أَشْبَهَ عَلَيْهِمْ فِي أَنْ لا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ ، قُلْتُ : لا ، وَلا ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ ، وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ كَمَا وَصَفْتُ بِأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي جُمْلَةِ مَنْ أُوتِيَ الْكِتَابَ ، وَالَّذِينَ أُمِرَ بِنِكَاحِ نِسَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ . .
حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : " أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ رَاهَقْتُ الاحْتِلامَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ حِمَارِي يَرْتَعُ ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ " . أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَيْسَ يُعَدُّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مُخْتَلِفًا ، وَهُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمُؤَدَّاةِ لَمْ يَتَقَصَّ الْمُؤَدِّي لَهَا أَسْبَابَهَا ، وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضٍ ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِالدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ اخْتِيَارٌ ، لا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ ، وَلا أَنَّ شَيْئًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُفْسِدُ صَلاتَهُ لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالنَّاسُ يَطُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سُتْرَةٌ ، وَهَذِهِ صَلاةُ انْفِرَادٍ لا جَمَاعَةٍ ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ بِمِنًى صَلاةَ جَمَاعَةٍ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ لأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ صَلاتُهُ تَفْسُدُ بِمُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يُصَلِّ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، وَلا أَحَدَ وَرَاءَهُ يَعْلَمُهُ ، وَقَدْ مَرَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أَتَانٍ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الَّذِي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، وَهَكَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَمْرُهُ بِالْخَطِّ فِي الصَّحْرَاءِ اخْتِيَارٌ ، وَقَوْلُهُ : لا يُفْسِدُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ ، أَنْ يَلْهُوَ بِ بَعْضِ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَصِيرُ إِلَى أَنْ يُحْدِثَ مَا يُفْسِدُهَا لِمُرُورِ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُكْرَهُ لِلْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَعَلَّ تَشْدِيدَهُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَرْكِهِمْ نَهْيَهُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَمُرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ " ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لا يَقْطَعُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلاتَهُ ، وَلَوْ كَانَ يَقْطَعُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ مَا أَبَاحَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقْطَعَ صَلاةَ مُسْلِمٍ ، وَهَكَذَا مِنْ مَعْنَى مُرُورِ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَالنَّاسُ فِي الطَّوَافِ ، وَمِنْ مُرُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ بِمِنًى ، لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُمَرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي الْمُسْتَتِرِ ، وَلا يُكْرَهُ أَنْ يُمَرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي الَّذِي لا يَسْتَتِرُ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْتَتِرِ : " إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيُقَاتِلْهُ " ، يَعْنِي فَلْيَدْفَعْهُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُرُورَ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ يُفْسِدُ صَلاةَ الْمُصَلِّي إِذَا مَرَّا بَيْنَ يَدَيْهِ ، قِيلَ : لا يَجُوزُ إِذَا رُوِيَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " يَقْطَعُ الصَّلاةَ الْمَرْأَةُ ، وَالْكَلْبُ ، وَالْحِمَارُ " ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَثْبَتَ مِنْهُ ، وَمَعَهَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنْ يُتْرَكَ إِنْ كَانَ ثَابِتًا إِلا بِأَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا ، وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ الْمَنْسُوخَ حَتَّى نَعْلَمَ الآخِرَ ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ الآخِرَ ، أَوْ يَرِدَ مَا يَكُونُ غَيْرَ مَحْفُوظٍ ، وَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ صَلَّى وَعَائِشَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، وَصَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ يَضَعُهَا فِي السُّجُودِ ، وَيَرْفَعُهَا فِي الْقِيَامِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْطَعُ صَلاتَهُ لَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِنَ الأَمْرَيْنِ ، وَصَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يَرُدُّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لأَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ أُخِذَتْ فِيهِ أَشْيَاءُ ، فَإِنْ قِيلَ : فَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ مِنْ هَذَا ؟ قِيلَ : قَضَاءُ اللَّهِ أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، إِنَّهُ لا يُبْطِلُ عَمَلُ رَجُلٍ عَمَلَ غَيْرِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ سَعْيُ كُلٍّ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُرُورُ رَجُلٍ يَقْطَعُ صَلاةَ غَيْرِهِ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَلا يَمْنَعْهَا " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا حَدِيثٌ كَلَّمَنَا فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ بِكَلامٍ قَدْ جَهِدْتُ عَلَى تَقَصِّي مَا كَلَّمُونِي فِيهِ ، فَكَانَ مِمَّا قَالُوا أَوْ بَعْضُهُمْ : ظَاهِرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْ مَنْعِ إِمَاءِ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، وَالنَّهْيُ عِنْدَكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمٌ ، إِلا بِدَلالَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ عَامٌّ عَلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ ، وَالْعَامُّ عِنْدَكَ عَلَى عُمُومِهِ إِلا بِدَلالَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ لا يُمْكِنُ فِيهِمْ جَهْلُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَاصٌّ ، فَمَا تَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَهُوَ عَامٌّ ، فَيَكُونُ تَحْرِيمُ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ بِحَالٍ ، أَوْ خَاصٌّ فَيَكُونُ لَهُمْ مَنْعُهُنَّ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إِلا وَاحِدًا مِنْ مَعْنَيَيْنِ ؟ قُلْتُ : بَلْ خَاصٌّ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ عِنْدَكَ ؟ قُلْتُ : الأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، قَالَ : فَاذْكُرْ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا وَصَفْتَ .
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، يَقُولُ : " لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، وَلا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا ، وَإِنَّ امْرَأَتِي انْطَلَقَتْ حَاجَّةً ، قَالَ : فَانْطَلِقْ فَاحْجُجْ بِامْرَأَتِكَ " . قَالَ : فَقُلْتُ : أَفَتَرَى أَنَّ فَرْضًا عَلَى قَيِّمِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا أَكْبَرَ مَسَاجِدِ اللَّهِ لأَنَّ أَكْبَرَهَا أَوْجَبُهَا ، وَمِنْ كُلِّ سَفَرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَمِنْ أَيْنَ قُلْتَهُ ؟ قَالَ : قُلْتُهُ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنَّ سَفَرَهَا مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مَعْصِيَةٌ ، وَفَرْضُ اللَّهِ أَنْ تُمْنَعَ الْمَعْصِيَةُ ، قُلْتُ : فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ فَرْضَ اللَّهِ أَنْ تُمْنَعَ أَكْبَرَ مَسَاجِدِ اللَّهِ ، قَالَ : مَا أَجِدُ مِنْ هَذَا أَبَدًا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَنَا أُكَلِّمُكَ بِغَيْرِ مَا كَلَّمَكَ بِهِ ، فَأَقُولُ : لَيْسَ لِقَيِّمِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا أَنْ تُسَافِرَ إِلَى مَسْجِدٍ ، قُلْتُ : وَلا يَمْنَعُهَا الْوَالِي ، وَلا زَوْجُهَا ، وَلا وَلِيُّهَا مَنْ كَانَ ؟ قَالَ : لا ، قُلْتُ : فَقَدْ أَمَرْتَ بِأَلا تُمْنَعَ الْمَعْصِيَةُ بِالسَّفَرِ ، قَالَ : فَإِنْ قُلْتَ : فَعَلَى ذِي مَحْرَمِهَا أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا لأَنَّ فِي تَرْكِهِ السَّفَرَ مَعَهَا مَا يُوجِبُ عَلَى الْوَالِي مَنْعَهَا مِنَ السَّفَرِ بِلا مَحْرَمٍ ، قُلْتُ : فَإِنَّ قَيِّمُهَا أَخَاهَا ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَلَى مَنِ النَّفَقَةُ فِي السَّفَرِ ، أَعَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَخِيهَا ؟ قَالَ : فَإِنْ قُلْتَ : عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهَا ، قُلْتُ : فَقَدْ جَعَلْتَ لَهَا أَنْ تُكَلِّفَهُ إِخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، وَأَنْتَ لا تَجْعَلُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مُوسِرَةً ، وَلا مُعْسِرَةً صَحِيحَةً ، وَتُكَلِّفُهَا الْمَسْأَلَةَ ، فَأَيُّ الأَمْرَيْنِ كَانَ أَلْزَمَ لَكَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، مُعْسِرَةً صَحِيحَةً شَرِيفَةً تَسْتَحِيي مِنَ الْمَسْأَلَةِ ، خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فِي الشَّهْرِ ، أَوْ يُكَلَّفَ فِي سَفَرٍ خَمْسَ مِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ : فَإِنْ قُلْتَ : فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا ، قُلْتُ : فَأَقُولُ لَكَ : فَكَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا ، أَتُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا ؟ قَالَ : بَلْ لا أُنْفِقُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا إِلا مَا لا صَلاحَ لَهَا إِلا بِهِ ، فَكَيْفَ أُنْفِقُ عَلَى آخِرِهِ مِنْ مَالِهَا ؟ قُلْتُ : فَقَدْ مَنَعْتَهَا إِذًا أَكْثَرَ مَسَاجِدِ اللَّهِ ، قَالَ : فَكُلُّ مَا قُلْتَ مِنْ هَذَا مُخَالِفٌ قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قُلْتُ : أَجَلْ ، وَقَدْ تَرَكْتُ إِبَانَةَ ذَلِكَ لِتَعْرِفَ أَنَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فِيهِ كُلُّهُ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ ، وَهَلْ عَلِمْتَ مُخَالِفًا فِي أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مَسْجِدَ عَشِيرَتِهَا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بَابِهَا ، وَالْجُمُعَةَ الَّتِي لا أَوْجَبَ مِنْهَا فِي الْمِصْرِ ؟ قَالَ : وَمَا عَلِمْتُهُ ، قُلْتُ : فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَسَاءَلْتَ عَنْهُ حُجَّةٌ إِلا مَا وَصَفْتُ اسْتَدْلَلْتُ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَقُولُونَ : إِذَا كَانَ لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ وَقَيِّمِهَا مَنْعُهَا مِنَ الْجُمُعَةِ وَمَسْجِدِ عَشِيرَتِهَا ، كَانَ مَعْنَى : " لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " ، خَاصًّا عَلَى مَا قُلْتُ لَكَ لأَنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَجْهَلُ مَعْنَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ عَامَّةُ مَنْ حَضَرَ هَذَا كَمَا قُلْتَ فِيمَا أَدْخَلْتَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنْ لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ شَيْئًا مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ : مَا مَعْنَى " لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " ؟ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ خَاصٌّ ، فَأَيُّ الْمَسَاجِدِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إِمَاءَ اللَّهِ ؟ قُلْتُ : لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مَسْجِدَ اللَّهِ الْحَرَامَ لِفَرِيضَةِ الْحَجِّ ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ تَطَوُّعًا ، وَمِنَ الْمَسَاجِدِ غَيْرِهِ ، قَالَ : فَمَا دَلَّ عَلَى مَا قُلْتَ ؟ قُلْتُ : قَالَ اللَّهُ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران آية 97 وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " السَّبِيلُ الزَّادُ وَالْمَرْكَبُ " . فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجِدُ مَرْكَبًا وَزَادًا ، وَتُطِيقُ السَّفَرَ لِلْحَجِّ ، فَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ ، وَلا يَحِلُّ أَنْ تُمْنَعَ فَرِيضَةُ الْحَجِّ ، كَمَا لا تُمْنَعُ فَرِيضَةُ الصَّلاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْفَرَائِضِ ، قَالَ : فَهَلْ عَلَى وَلِيِّهَا أَنْ يُحِجَّهَا مِنْ مَالِهَا لَوْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، كَمَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ عَنْهَا ، قَالَ : فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَعَهَا ؟ قُلْتُ : لا ، وَالاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَدَعُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ حَجَّتْ مَعَهُنَّ ، وَأَجْبَرَتْ وَلِيَّهَا عَلَى تَرْكِهَا وَالْحَجِّ مَعَ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ إِذَا كَانَتْ طَرِيقُهَا آمِنَةً ، مَنْ كَانَ وَلِيُّهَا زَوْجُهَا أَوْ غَيْرُهُ ، قَالَ : فَمَا مَعْنَى نَهْيُهَا عَنِ السَّفَرِ ؟ قُلْتُ : نَهْيُهَا عَنِ السَّفَرِ فِيمَا لا يَلْزَمُهَا ، قَالَ : فَمَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّهَا إِنَّمَا نُهِيَتْ عَنِ السَّفَرِ فِيمَا لا يَلْزَمُهَا ؟ قُلْتُ : بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ أَنَّ حَدَّ الزَّانِيَيْنِ الْبِكْرَيْنِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالتَّغْرِيبُ سَفَرٌ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْلَى بِامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، وَفِي التَّغْرِيبِ خَلْوَةٌ بِهَا مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ وَسَفَرٌ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ سَفَرِهَا فِيمَا لا يَلْزَمُهَا ، وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ امْرَأَةً لَوْ كَانَتْ بِبَلَدٍ نَاءٍ لا حَاكِمَ فِيهِ ، فَأَحْدَثَتْ حَدَثًا يَكُونُ عَلَيْهَا فِيهِ حَدٌّ ، أَوْ حَقٌّ لِمُسْلِمٍ ، أَوْ خُصُومَةٌ لَهُ ، جُلِبَتْ إِلَى الْحَاكِمِ ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهَا إِنَّمَا نُهِيَتْ عَنِ السَّفَرِ فِيمَا لا يَلْزَمُهَا ، فَإِذَا قَضَتْ حَجَّةَ الإِسْلامِ فَلِوَلِيِّهَا مَنْ كَانَ مَنْعُهَا مِنَ الْحَجِّ وَمِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ إِلا شَيْئًا سَأَذْكُرُهُ فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : أَفَتَجِدُ عَلَى هَذَا دَلالَةً ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلْحَجِّ ، وَأَنَّ الأَسْفَارَ إِلَى الْمَسَاجِدِ نَافِلَةٌ غَيْرَ السَّفَرِ لِلْحَجِّ ، وَفِي مَنْعِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْحَجَّةُ ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحَصْرِ " ، قَالَ : وَإِنَّ إِتْيَانَ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ عَلَى الرِّجَالِ إِلا مَنْ عُذْرٍ ، وَلَمْ نَعْلَمْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةً خَرَجَتْ إِلَى جُمُعَةٍ وَلا جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ ، وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّهُنَّ قَدْ ضُرِبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ ، قِيلَ : وَقَدْ كُنَّ لا حِجَابَ عَلَيْهِنَّ ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ ، فَلَمْ يُرْفَعْ عَنْهُنَّ مِنَ الْفَرَائِضِ شَيْءٌ ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَى النِّسَاءِ إِتْيَانَ الْجُمُعَةِ ، كُلٌّ رَوَى أَنَّ الْجُمُعَةَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلا امْرَأَةً ، أَوْ مُسَافِرًا ، أَوْ عَبْدًا ، فَإِذَا سَقَطَ عَنِ الْمَرْأَةِ فَرْضُ الْجُمُعَةِ ، كَانَ فَرْضُ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَالنَّافِلَةُ فِي الْمَسَاجِدِ عَنْهُنَّ أَسْقَطَ ، قَالَ : فَقَالَ : وَمَا فُرِضَ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ إِلا عَلَى الرِّجَالِ ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى النِّسَاءِ بِفَرْضٍ ، وَمَا هُنَّ فِي إِتْيَانِ الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ كَالرِّجَالِ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ الْحُجَّةَ لَتَقُومُ بِأَقَلَّ مِمَّا وَصَفْتُ لَكَ ، وَعَرَفْتَ بِنَفْسِكَ وَعَرَفَ النَّاسُ مَعَكَ ، وَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَبَنَاتِهِ ، وَأَزْوَاجِهِ ، وَمَوْلَيَاتِهِ ، وَخَدَمِهِ ، وَخَدَمِ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَمَا عَلِمْتُ مِنْهُنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ إِلَى شُهُودِ جُمُعَةٍ ، وَالْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ بِأَكْثَرَ مِنْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ غَيْرِهَا ، وَلا إِلَى جَمَاعَةٍ غَيْرِهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، وَلا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ، وَلا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُنَّ كُنَّ عَلَى الْخَيْرِ بِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَصَ ، وَبِهِ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِنَّ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ أَنْ يَأْمُرَهُنَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ ، وَعَلَيْهِ فِيهِنَّ ، وَمَا لَهُنَّ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِنَّ ، كَمَا أَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَاتِ وَالسُّنَنِ ، وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِالْحِجَابِ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ بِإِتْيَانِ جُمُعَةٍ ، وَلا جَمَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلا نَهَارٍ ، وَلَوْ كَانَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ أَمَرُوهُنَّ بِهِ ، وَأَذِنُوا لَهُنَّ إِلَيْهِ ، بَلْ قَدْ رُوِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ، قَالَ : " صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا خَيْرٌ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلاتُهَا فِي حُجْرَتِهَا خَيْرٌ مِنْ صَلاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، أَوِ الْمَسَاجِدِ " .
أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَقُولُ : " إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ " . وَرُوِيَ " إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ لِتَشْهَدَ الْعِشَاءَ فَلا يَمْنَعْهَا " . فَاحْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى اسْتِحْبَابٍ ، فَلَمَّا كَانَ مَا وَصَفْتُ مِنَ الاسْتِدْلالِ بِأَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعَامَّةُ أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةَ شُهُودُ صَلاةِ جَمَاعَةٍ كَمَا هِيَ عَلَى الرَّجُلِ ، وَإِنْ وَلِيُّهَا حَبَسَهَا ، كَانَ هَذَا اخْتِيَارًا لا فَرْضًا عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَرْأَةِ لِلْعِشَاءِ ، فَقَالَ : مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُفْتِينَ يُخَالِفُ فِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الإِذْنُ لامْرَأَتِهِ إِلَى جُمُعَةٍ وَلا جَمَاعَةٍ ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلا إِلَى حَجٍّ لأَنَّهُ لا يَفُوتُهَا فِي عُمُرِهَا ، فَقُلْتُ : فَفِي أَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُفْتُونَ إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتَ دَلِيلٌ عَلَى أَلا يَجْهَلُوا مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا كَانَ مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَمِلا مَا قَالُوا ، قَالَ : وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الْحَجِّ ، قُلْتُ : أَمَّا هَذَا فَلا ، لأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْفَرِيضَةَ فَقَدْ مَنَعَهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا ، فَأَبَاحَ لَهُ خِلافَ الْحَدِيثِ ، فَإِذَا قُلْتُ : لا يَمْنَعُهَا الْفَرِيضَةَ مِنَ الْحَجِّ فَلِمَ أُخَالِفُ الْحَدِيثَ ؟ بَلْ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ " لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا " ، وَفِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُنَّ بَعْضَهَا ، قَالَ : وَأُجْبِرُ زَوْجَ امْرَأَةٍ وَوَلِيَّهَا مَنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَدَعَهَا وَالْفَرِيضَةَ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ فِي سَفَرٍ ، وَلا أُجْبِرُهُ عَلَى مَا تَطَوَّعَتْ بِهِ مِنْهُمَا ، فَإِذَا أَذِنَ لَهَا إِلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَمْنَعْهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ لأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الْفَرْضِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ أَنْ يُتْرَكَ النِّسَاءُ إِلَى الْعِيدَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا قُلْنَا بِهِ .
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَاحْتَمَلَ وَاجِبٌ لا يُجْزِئُ غَيْرُهُ ، وَوَاجِبٌ فِي الأَخْلاقِ ، وَوَاجِبٌ فِي الاخْتِيَارِ ، وَفِي النَّظَافَةِ ، وَنَفْيُ تَغَيُّرِ الرِّيحِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : وَجَبَ حَقُّكَ عَلَيَّ إِذْ رَأَيْتَنِي مَوْضِعًا لِحَاجَتِكَ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مَعْنَيَيْهِ لِمُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي عُمُومِ الْوُضُوءِ مِنَ الأَحْدَاثِ ، وَخُصُوصِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَالدَّلالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَاذْكُرِ الدَّلالَةَ ، قُلْتُ .
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَذَكَرَ عُمَرُ عِلْمَهُ ، وَعَلِمَ عُثْمَانُ ، فَذَهَبَ عَنَّا أَنْ نَتَوَهَّمَ أَنْ يَكُونَا نَسِيَا عِلْمَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، إِذْ ذَكَرَ عُمَرُ عِلْمَهُمَا فِي الْمَقَامِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ ، وَلَمْ يَخْرُجْ عُثْمَانُ فَيَغْتَسِلْ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِذَلِكَ ، وَلا أَجِدُ مِمَّنْ حَضَرَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَلِمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُسْلِ مَعَهُمَا ، أَوْ بِإِخْبَارِ عُمَرَ عَنْهُ ، دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ قَدْ عَلِمَا أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُسْلِ عَلَى الأَحَبِّ لا عَلَى الإِيجَابِ لِلْغُسْلِ الَّذِي لا يُجْزِئُ غَيْرُهُ ، وَكَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دَلَّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ مَنْ سَمِعَ مُخَاطَبَةَ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فِي مِثْلِ عِلْمِ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمُوهُ عِلْمًا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمُوهُ بِخَبَرِ عُمَرَ كَالدِّلالَةِ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ . وَرَوَتْ عَائِشَةُ الأَمْرَ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ ، فَكَانُوا يَرُوحُونَ بِهَيْئاتِهِمْ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَوِ اغْتَسَلْتُمْ " . قَالَ : وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ " ، قَالَ : وَقَوْلُ أَكْثَرِ مَنْ لَقِيتُ مِنَ الْمُفْتِينَ اخْتِيَارُ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مِنْهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ " ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لا يَجِبُ الْوُجُوبَ الَّذِي لا يُجْزِئُ غَيْرُهُ لأَنَّ الْغُسْلَ إِذَا وَجَبَ الْوُجُوبَ الَّذِي لا يُجْزِئُ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ جَاءَ الْجُمُعَةَ أَوْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ " ، يَدُلُّ عَلَى أَلا غُسْلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتِ الْجُمُعَةَ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تَنَاجَشُوا " . أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالنَّجْشُ : أَنْ يَحْضُرَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ تُبَاعُ فَيُعْطَى بِهَا الشَّيْءَ وَهُوَ لا يُرِيدُ الشِّرَاءَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ السُّوَّامُ فَيُعْطَوْنَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ لَوْ لَمْ يَسْمَعُوا سَوْمَهُ ، قَالَ : فَمَنْ نَجَشَ فَهُوَ عَاصٍ بِالنَّجْشِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنِ اشْتَرَى وَقَدْ نَجَشَ غَيْرُهُ بِأَمْرِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ ، أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ ، لَزِمَهُ الشِّرَاءُ ، كَمَا يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يُنْجَشْ عَلَيْهِ لأَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ لا يُفْسِدُهُ مَعْصِيَةُ رَجُلٍ نَجَشَ عَلَيْهِ لأَنَّ عَقْدَهُ غَيْرُ النَّجْشِ ، وَلَوْ كَانَ بِأَمْرِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ لأَنَّ النَّاجِشَ غَيْرُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ ، فَلا يَفْسُدُ الْبَيْعُ إِنْ فَعَلَ النَّاجِشُ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، فَلا يَفْسُدُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ بِفِعْلِ غَيْرِهِمَا ، وَأَمْرُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ بِالنَّجْشِ مَعْصِيَةٌ مِنْهُ ، وَمِنَ النَّاجِشِ مَعْصِيَةٌ ، قَالَ : وَقَدْ بِيعَ فِيمَنْ يَزِيدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَازَ الْبَيْعُ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَادَ مَنْ لا يُرِيدُ الشِّرَاءَ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ " . أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنَنْهَى الرَّجُلَ إِذَا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً وَلَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً تُشْبِهُ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَى أَوَّلا ، لأَنَّهُ لَعَلَّهُ يَرُدُّ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَى أَوَّلا وَلأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَيَكُونُ الْبَائِعُ الآخَرُ قَدْ أَفْسَدَ عَلَى الْبَائِعِ الأَوَّلِ بَيْعَهُ ، ثُمَّ لَعَلَّ الْبَائِعَ الآخَرَ يَخْتَارُ نَقْصَ الْبَيْعِ فَيُفْسِدُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ بَيْعَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لا أَنْهَى رَجُلَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا ، وَلا بَعْدَمَا يَتَفَرَّقَانِ عَنْ مَكَانِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ أَيُّ الْمُتَبَايِعَيْنِ شَاءَ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بَيْعًا عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ ، فَيُنْهَى عَنْهُ ، قَالَ : وَهَذَا يُوَافِقُ حَدِيثَ " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " ، لِمَا وَصَفْتُ ، فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ رَجُلا عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ عَصَى ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ فِيهِ ، وَالْبَيْعُ لازِمٌ لا يَفْسُدُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ لا يَفْسُدُ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ؟ قِيلَ : بِدَلالَةِ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ يَفْسُدُ ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَى الْبَائِعِ الأَوَّلِ شَيْئًا إِذًا لَمْ يَكُنِ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَ الآخِرَ فَيُتْرَكَ بِهِ الأَوَّلَ ، بَلْ كَانَ يَنْفَعُ الأَوَّلَ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَفْسُدُ عَلَى كُلِّ بَيِّعٍ بَيْعُهُ كَانَ أَرْغَبَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ ، أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْبَيْعُ الأَوَّلُ إِذَا لَمْ يَتَفَرَّقِ الْمُتَبَايِعَانِ عَنْ مَقَامِهِمَا لازِمًا بِالْكَلامِ كَلُزُومِهِ لَوْ تَفَرَّقَا ، مَا كَانَ الْبَيْعُ الآخِرُ يَضُرُّ الْبَيْعَ الأَوَّلَ ، أَوْ رَأَيْتَ لَوْ تَفَرَّقَا ثُمَّ بَاعَ رَجُلٌ رجلًا عَلَى ذَلِكَ الْبَيْعِ هَلْ يُضَرُّ الأَوَّلُ شَيْئًا أَوْ يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ الآخِرِ أَنْ يَبِيعَهُ رَجُلٌ سِلْعَةً قَدِ اشْتَرَى مِثْلَهَا وَلَزِمَتْهُ ؟ هَذَا لا يَضُرُّهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُنْهَى عَنِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ الرَّجُلِ إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ فَلا .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بَيَانُ مَعْنًى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ نَهَى عَنْهُ ، إِلا أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ يَقْدَمُونَ جَاهِلِينَ بِالأَسْوَاقِ وَبِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى مَا قَدِمُوا بِهِ ، وَمُسْتَثْقِلِينَ الْمَقَامَ ، فَيَكُونُ أَدْنَى مِنْ أَنْ يَرْتَخِصَ الْمُشْتَرُونَ سِلَعَهُمْ ، فَإِذَا تَوَلَّى أَهْلُ الْقَرْيَةِ لَهُمُ الْبَيْعَ ذَهَبَ هَذَا الْمَعْنَى ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي الْمَقَامِ شَيْءٌ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ثِقَلَهُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فُيُرَخِّصُونَ لَهُمْ سِلَعَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْغِرَّةُ بِمَوْضِعِ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَى مَا يَبِيعُ النَّاسُ مِنْ سِلَعِهِمْ ، وَلا بِالأَسْوَاقِ فَيُرَخِّصُونَهَا لَهُمْ ، فَنُهُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلا يَكُونُوا سَبَبًا لِقَطْعِ مَا يُرْجَى مِنْ رِزْقِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، لِمَا وَصَفْتُ مِنَ ارْتِخَاصِهِ مِنْهُمْ ، فَأَيُّ حَاضِرٍ بَاعَ لِبَادٍ فَهُوَ عَاصٍ إِذَا عَلِمَ الْحَدِيثَ ، وَالْبَيْعُ لازِمٌ غَيْرُ مَفْسُوخٍ ، بِدَلالَةِ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ لأَنَّ الْبَيْعَ لَوْ كَانَ يَكُونُ مَفْسُوخًا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي إِلا الضَّرَرُ عَلَى الْبَادِي مِنْ أَنْ تُحْبَسَ سِلْعَتُهُ ، وَلا يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُ غَيْرِهِ حَتَّى يَلِيَ هُوَ أَوْ بَادٍ مِثْلُهُ بَيْعَهَا ، فَيَكُونَ كَمُكْسِدٍ لَهَا ، وَأَحْرَى أَنْ يُرْزَقَ مُشْتَرِيهِ مِنْهُ بِارْتِخَاصِهِ إِيَّاهَا بِإِكْسَادِهَا بِالأَمْرِ الأَوَّلِ مِنْ رَدِّ الْبَيْعِ وَغُرَّةِ الْبَادِي الآخَرِ ، فَلَمْ يَكُنْ هَا هُنَا مَعْنًى يُخَافُ يَمْتَنِعُ فِيهِ أَنْ يُرْزَقَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ بَعْضٍ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلا مَا قُلْتُ مِنْ أَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي جَائِزٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ، وَالْحَاضِرُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا تَلَقَّوُا السِّلَعَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ سَمِعْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمَنْ تَلَقَّاهَا فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَقْدَمَ السُّوقَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَبِهَذَا نَأْخُذُ إِنْ كَانَ ثَابِتًا ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَلَقَّى السِّلْعَةَ فَاشْتَرَاهَا ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، غَيْرَ أَنَّ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْدَمَ السُّوقَ الْخِيَارَ لأَنَّ تَلَقِّيَهَا حِينَ يَشْتَرِي مِنَ الْبَدَوِيِّ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَوْضِعِ الْمُسَاوِمِينَ مِنَ الْغَرَرِ لَهُ بِوَجْهِ النَّقْصِ مِنَ الثَّمَنِ ، فَإِذَا قَدِمَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْفَاذِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ ، وَلا خِيَارَ لِلْمُتَلَقِّي لأَنَّهُ هُوَ الْغَارُّ لا الْمَغْرُورُ .
أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ ، إِلا الْوَالِدَ مِنْ وَلَدِهِ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ ثَابِتٌ ، وَبِهِ نَأْخُذُ ، وَفِيهِ الدَّلالَةُ عَلَى أُمُورٍ ، مِنْهَا حُسْنُ الأَدَبِ فِي أَنْ لا يُفَضِّلَ رَجُلٌ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي نُحْلٍ ، فَيَعْرِضُ فِي قَلْبِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بِرِّهِ لأَنَّ كَثِيرًا مِنْ قُلُوبِ الآدَمِيِّينَ جُبِلَ عَلَى الاقْتِصَارِ عَنْ بَعْضِ الْبِرِّ إِذَا أُوثِرَ عَلَيْهِ ، وَالدِّلالَةُ عَلَى أَنَّ نَحْلَ الْوَالِدِ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ جَائِزٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لا يَجُوزُ كَانَ يُقَالُ : إِعْطَاؤُكَ إِيَّاهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ لأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِكَ الأَوَّلِ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يُقَالَ : " ارْجِعْهُ " ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَارْجِعْهُ " ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَالِدَ رَدَّ مَا أَعْطَى الْوَلَدَ ، وَأَنَّهُ لا يُحْرَجُ بِارْتِجَاعِهِ مِنْهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَشْهِدْ غَيْرِي " ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِذَا كَانَ هَكَذَا ، فَسَوَاءٌ ادَّانَ الْوَلَدُ وَتَزَوَّجَ رَغْبَةً فِيمَا أَعْطَاهُ أَبُوهُ ، أَوْ لَمْ يُدَنْ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ لَهُ مَتَى شَاءَ ، قَالَ : وَقَدْ حَمِدَ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى إِعْطَاءِ الْمَالِ وَالطَّعَامِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَأَمَرَ بِهِمَا فَقَالَ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ سورة البقرة آية 177 ، وَقَالَ : مِسْكِينًا وَيَتِيمًا سورة الإنسان آية 8 ، وَقَالَ : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ سورة التوبة آية 121 ، وَقَالَ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ سورة البقرة آية 271 ، وَقَالَ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ سورة آل عمران آية 92 ، فَإِذَا جَازَ هَذَا لِلأَجْنَبِيِّينَ ، وَذَوِي الْقُرْبَى ، فَلا أَقْرَبَ مِنَ الْوَلَدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَعْطَى مَالَهُ ذَا قَرَابَتِهِ غَيْرَ وَلَدِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا فَقَدْ مَنَعَهُ وَلَدَهُ ، وَقَطَعَ مُلْكَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِذَا كَانَ مَحْمُودًا عَلَى هَذَا ، كَانَ مَحْمُودًا أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ، وَمَنْعُ بَعْضِهِمْ مَا أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ أَقَلُّ مِنْ مَنْعِهِمْ كُلِّهِمْ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ لِئَلا يُقَصِّرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي بِرِّهِ ، فَإِنَّ الْقَرَابَةَ تُنَفِّسُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَا لَمْ تُنَفِّسِ الْبُعَادَةُ . قَالَ الرَّبِيعُ : يُرِيدُ الْبُعَدَاءَ ، وَقَدْ فَضَّلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ بِنَخْلٍ ، وَفَضَّلَ عُمَرُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَفَضَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَلَدَ أُمِّ كُلْثُومٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوِ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ أَنَّهُ لا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ إِلا الْوَالِدَ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ ، لَزَعَمْتُ أَنَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِمَنْ يَسْتَثِيبُهُ مِثْلَهُ أَوْ لا يَسْتَثِيبُهُ وَقُبِضَتِ الْهِبَةُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَإِنِ لَمْ يُثِبْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : " جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ ، فَقَالَتْ : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَأَعِينِينِي ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا ، وَيَكُونَ وَلاؤُكِ لِي ، فَعَلْتُ ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا ، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَقَالَتْ : إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " . أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَحَدِيثُ يَحْيَى ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ، وَأَحْسَبُهُ غَلَطَ فِي قَوْلِهِ : " وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ " ، وَأَحْسَبُ حَدِيثَ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ شَرَطَتْ لَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ تَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ ، فَأَعْلَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا إِنْ أَعْتَقَتْهَا فَالْوَلاءُ لَهَا ، وَقَالَ : لا يَمْنَعُكِ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِيهَا مِنْ شَرْطِكِ ، وَلا أَرَى أَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ لَهُمْ مَا لا يَجُوزُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَبِهَذَا نَأْخُذُ ، وَقَدْ ذَهَبَ فِيهِ قَوْمٌ مَذَاهِبَ سَأَذْكُرُ مَا حَضَرَنِي حِفْظُهُ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، " أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ، ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَضْحَى ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : لا أَجِدُ إِلا جَذَعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إِلا جَذَعًا فَاذْبَحْهُ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى لأَنَّ الضَّحِيَّةَ وَاجِبَةٌ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ لأَنَّ الضَّحِيَّةَ قَبْلَ الْوَقْتِ لَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ تُجْزِيهِ ، فَيَكُونَ فِي عِدَادِ مَنْ ضَحَّى ، قَالَ : وَوَجَدْنَا الدَّلالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، لا يَحِلُّ تَرْكُهَا ، وَهِيَ سُنَّةٌ يَجِبُّ لُزُومُهَا وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا ، لا عَلَى إِيجَابِهَا ، فَإِنْ قِيلَ : فَأَيْنَ السُّنَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ؟ قِيلَ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ ، وَلا بَشَرِهِ شَيْئًا " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ " ، وَلَوْ كَانَتِ الضَّحِيَّةُ وَاجِبَةً أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ : فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ ، وَنَأْمُرُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ اتِّبَاعًا وَاخْتِيَارًا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لا وَاجِبٌ ؟ قِيلَ لَهُ .
وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : " أَسْبِغِ الْوُضُوءَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَلا يُجْزِئُ مُتَوَضِّئًا إِلا أَنْ يَغْسِلَ ظُهُورَ قَدَمَيْهِ ، وَبُطُونَهُمَا ، وَأَعْقَابَهُمَا ، وَكَعْبَيْهِ مَعًا ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَشَّ عَلَى ظُهُورِهِمَا . وَأَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ وَجْهٍ صَالِحِ الإِسْنَادِ ، قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَلِمَ لا يُجْزِئُ مَسْحُ ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ أَوْ رَشُّهُمَا ، وَلا يَكُونُ مُضَادًّا لِحَدِيثِ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ، كَمَا أَجْزَأَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُضَادًّا لِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ ؟ قِيلَ لَهُ : الْخُفَّانِ حَائِلانِ دُونَ الْقَدَمَيْنِ ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا يُضَادُّ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ ، وَهُوَ غَيْرُهُمَا ، وَالَّذِي قَالَ : مَسْحُ أَوْ رَشُّ ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ ، فَقَدْ زَعَمَ أَنْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ غَسْلُ بَطْنِ الْقَدَمَيْنِ ، وَلا تَخْلِيلٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا ، وَلا غَسْلُ أَصَابِعِهِمَا ، وَلا غَسْلُ عَقِبَيْهِ ، وَلا كَعْبَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " ، وَقَالَ : " وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ " ، وَلا يُقَالُ : وَيْلٌ لَهُمَا مِنَ النَّارِ إِلا وَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ لأَنَّ الْعَذَابَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَعْمَى يَتَوَضَّأُ : " بَطْنَ الْقَدَمِ ، بَطْنَ الْقَدَمِ " ، فَجَعَلَ الأَعْمَى يَغْسِلُ بَطْنَ الْقَدَمِ وَلا يَسْمَعُ النَّبِيَّ ، فَسُمِّيَ : الْبَصِيرَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا جَعَلَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ مَسْحِ ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ وَرَشِّهِمَا ؟ قِيلَ : أَمَّا أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ فَلَيْسَ مِمَّا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَوِ انْفَرَدَ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ فَحَسَنُ الإِسْنَادِ ، وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا ثَبَتَ ، وَالَّذِي يُخَالِفُهُ أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا كَانَ أَوْلَى ، وَمَعَ الَّذِي خَالَفَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ كَمَا وَصَفْتُ ، وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ مِنَ الْعَامَّةِ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " كُنَّ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُنَّ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى أَهْلِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ " . قَالَ : وَرَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوَافِقُ هَذَا ، وَرَوَى مِثْلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْنَا : إِذَا انْقَطَعَ الشَّكُّ فِي الْفَجْرِ الآخِرِ وَبَانَ مُعْتَرِضًا فَالتَّغْلِيسُ بِالصُّبْحِ أَحَبُّ إِلَيْنَا ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : الإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا ، قَالَ : وَرُوِيَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذْنَا بِأَحَدِهِمَا ، وَذَكَرَ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَقَالَ : أَخَذْنَا بِهِ لأَنَّهُ كَانَ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ ، قَالَ : وَقَالَ لِي : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلِمَ صِرْتَ إِلَى التَّغْلِيسِ ؟ قُلْتُ : لأَنَّ التَّغْلِيسَ أَوْلاهُمَا بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَثْبَتُهُمَا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ، وَأَشْبَهُهُمَا بِجُمَلِ سُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعْرَفُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : فَاذْكُرْ ذَلِكَ ، قُلْتُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى سورة البقرة آية 238 فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ ، وَكَانَ أَقَلَّ مَا فِي الصُّبْحِ إِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَنْ تَكُونَ مِمَّا أُمِرْنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا دَلَّتِ السُّنَّةُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ ، أَنَّ الْفَجْرَ إِذَا بَانَ مُعْتَرِضًا فَقَدْ جَازَ أَنْ يُصَلَّى الصُّبْحُ ، عَلِمْنَا أَنْ مُؤَدَّى الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنْ مُؤَخَّرِهَا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ " ، وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : " الصَّلاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا " ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُؤْثِرُ عَلَى رِضْوَانِ اللَّهِ ، وَلا عَلَى أَفْضَلِ الأَعْمَالِ شَيْئًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي امْرِئٍ أَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ يَتَعَجَّلُهُ مُبَادَرَةَ مَا لا يَخْلُو مِنْهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النِّسْيَانِ وَالشُّغْلِ ، وَمُقَدَّمُ الصَّلاةِ أَشَدُّ فِيهَا تَمَكُّنًا مِنْ مُؤَخَّرِهَا ، وَكَانَتِ الصَّلاةُ الْمُقدَّمَةُ مِنْ أَعْلَى أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ ، وَأُمِرْنَا بِالتَّغْلِيسِ بِهَا لِمَا وَصَفْتُ ، فَقَالَ : فَأَيْنَ أَنَّ حَدِيثَكَ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ أَثْبَتُهُمَا ؟ قُلْتُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَثَالِثٍ مَعَهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّغْلِيسِ ، أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَحْدَهُ فِي أَمْرِهِ بِالإِسْفَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لا يَأْمُرُ بِأَنْ تُصَلَّى صَلاةٌ فِي وَقْتٍ ، وَيُصَلِّيهَا فِي غَيْرِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأَثْبَتُ الْحُجَجِ وَأَوْلاهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ ، ثُمَّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ " ، وَقَوْلِهِ إِذْ سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " الصَّلاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا " ، قَالَ : فَقَالَ : فَيُخَالِفُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثَكُمْ فِي التَّغْلِيسِ ، قُلْتُ : إِنْ خَالَفَهُ فَالْحُجَّةُ فِي أَخْذِنَا بِحَدِيثِنَا مَا وَصَفْتُ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ لا يُخَالِفَهُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَمَرَنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلاةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ ، وَإِنَّهُ رِضْوَانُ اللَّهِ ، فَلَعَلَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ سَمِعَهُ فَقَدَّمَ الصَّلاةَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُسْفِرُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ الآخِرُ ، فَلا يَكُونُ مَعْنَى حَدِيثِ رَافِعٍ مَا أَرَدْتَ مِنَ الإِسْفَارِ ، وَلا يَكُونُ حَدِيثُهُ مُخَالِفًا حَدِيثَنَا ، قَالَ : فَمَا ظَاهِرُ حَدِيثِ رَافِعٍ ؟ قُلْتُ : الأَمْرُ بِالإِسْفَارِ لا بِالتَّغْلِيسِ ، وَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلأَحَادِيثِ كَانَ أَوْلَى بِنَا أَلا نَنْسِبَهُ إِلَى الاخْتِلافِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فَالْحُجَّةُ فِي تَرْكِنَا إِيَّاهُ بِحَدِيثِنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا وَصَفْتُ مِنَ الدَّلائِلِ مَعَهُ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا رَكَعَ ، وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ " . قَالَ وَائِلٌ : ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ فِي الشِّتَاءِ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الْبَرَانِسِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَدَّقُوهُ مَعًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَبِهَذَا نَقُولُ ، فَنَقُولُ : إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَبِهَذِهِ الأَحَادِيثِ تَرَكْنَا مَا خَالَفَهَا مِنَ الأَحَادِيثِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لأَنَّهَا أَثْبَتُ إِسْنَادًا مِنْهُ ، وَأَنَّهَا عَدَدٌ ، وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّا نَرَاهُ رَأَى الْمُصَلِّيَ يُرْخِي يَدَيْهِ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ رَفْعَهُمَا ، فَلَوْ كَانَ رَفَعَهُمَا مَدًّا احْتَمَلَ مَدًّا حَتَّى الْمَنْكِبَيْنِ ، وَاحْتَمَلَ مَا يُجَاوِزُهُ وَيُجَاوِزُ الرَّأْسَ وَرَفْعَهُمَا ، وَلا يُجَاوِزُ الْمَنْكِبَيْنِ ، وَهَذَا حَذْوٌ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ ، وَحَدِيثُنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَثْبَتُ إِسْنَادًا ، وَمَعَهُ عَدَدٌ يُوَافِقُونَهُ وَيُحَدِّدُونَهُ تَحْدِيدًا لا يُشْبِهُ الْغَلَطَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِنْ قِيلَ : أَفَيَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَنْكِبَيْنِ ؟ قِيلَ : لا يَنْقُضُ الصَّلاةَ ، وَلا يُوجِبُ سَهْوًا ، وَالاخْتِيَارُ أَلا يُجَاوِزَ الْمَنْكِبَيْنِ .
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، أَظُنُّهُ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ ، سَمِعَ ابْنَ أَبِي بُرْدَةَ ، قَالَ : " أَخَذَ بِيَدِي زِيَادُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، فَوَقَفَ بِي عَلَى شَيْخٍ بِالرَّقَّةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُقَالُ لَهُ : وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي هَذَا الشَّيْخُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَدِّثِينَ يُدْخِلُ بَيْنَ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ ، وَوَابِصَةَ فِيهِ رَجُلا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ هِلالٍ ، عَنْ وَابِصَةَ ، سَمِعَهُ مِنْهُ . وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ يُوهِنُهُ بِمَا وَصَفْتُ ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَرْوِي بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ أَنَّهُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ، وَلا تَعُدْ " . فَكَأَنَّهُ أَحَبَّ لَهُ الدُّخُولَ فِي الصَّفِّ ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ الْعَجَلَةَ بِالرُّكُوعِ حَتَّى يَلْحَقَ بِالصَّفِّ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ ، بَلْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى رُكُوعَهُ مُنْفَرِدًا مُجْزِئًا عَنْهُ ، وَمِنْ حَدِيثِنَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ أَنَّ صَلاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الإِمَامِ تُجْزِئُهُ ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ وَابِصَةَ كَانَ حَدِيثُنَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ لأَنَّ مَعَهُ الْقِيَاسَ وَقَوْلَ الْعَامَّةِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا الْقِيَاسُ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ ؟ قِيلَ : أَرَأَيْتَ صَلاةَ الرَّجُلِ مُنْفَرِدًا تُجْزِئُ عَنْهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَصَلاةُ الإِمَامِ أَمَامَ الصَّفِّ وَهُوَ فِي صَلاةِ جَمَاعَةٍ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : فَهَلْ يَعْدُو الْمُنْفَرِدُ خَلْفَ الْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ كَالإِمَامِ الْمُنْفَرِدِ أَمَامَهُ ؟ أَوْ يَكُونَ كَرَجُلٍ مُنْفَرِدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَهَكَذَا سُنَّةُ مَوْقِفِ الإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ، قِيلَ : فَسُنَّةُ مَوقِفِهِمَا تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي الانْفِرَادِ شَيْءٌ يُفْسِدُ الصَّلاةَ ، فَإِنْ قَالَ بِالْحَدِيثِ فِيهِ ، قِيلَ : فِي الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ قِيلَ : فَاذْكُرْ حَدِيثَكَ ، قِيلِ .

Statistiques du graphe

Sortant3
Entrant100
Total103

Traductions

🇸🇦 Arabic
اختلاف الحديث للشافعي