Cinquième calife abbasside. Entité issue d'une confusion avec Ruqayya bint Muhammad ; doublon de BE304680.
قِيلَ: إِنَّ تَمَامَ الْكَلَامِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ثُمَّ قَالَ سَلامٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ سَلَامَةٌ وَخَيْرٌ كُلُّهَا لَا شَرَّ فِيهَا. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أَيْ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَّا السَّلَامَةَ، وَفِي سَائِرِ اللَّيَالِي يَقْضِي بِالْبَلَايَا وَالسَّلَامَةِ وَقِيلَ: أَيْ هِيَ سَلَامٌ، أَيْ ذَاتُ سَلَامَةٍ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا شَيْطَانٌ فِي مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ لَيْلَةٌ سَالِمَةٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا وَلَا أَذًى. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ، مِنْ حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، يَمُرُّونَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ. وَقِيلَ: يَعْنِي سَلَامَ الْمَلَائِكَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَلامٌ هِيَ: خَيْرٌ هِيَ. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أَيْ إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ (مَطْلِعِ) بِكَسْرِ اللَّامِ، الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ. وَالْفَتْحُ وَالْكَسْرُ: لُغَتَانِ فِي الْمَصْدَرِ. وَالْفَتْحُ الْأَصْلُ فِي فَعَلَ يَفْعُلُ، نَحْوَ الْمَقْتَلِ وَالْمَخْرَجِ. وَالْكَسْرُ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا شَذَّ عَنْ قِيَاسِهِ، نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْمَنْبِتِ وَالْمَسْكِنِ وَالْمَنْسِكِ وَالْمَحْشِرِ وَالْمَسْقِطِ وَالْمَجْزِرِ. حُكِيَ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ، عَلَى أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ لَا الِاسْمُ. وَهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: فِي تَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، لِحَدِيثِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إن أخاك عبد الله ابن مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمُ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ! لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَلَّا يَتَّكِلَ النَّاسُ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي [[أي جزم في حلفه بلا استثناء فيه بأن يقول عقب يمينه إن شاء الله.]]: أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ قُلْتُ: بِأَيِ شي تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَوْ بِالْعَلَامَةِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَقِيلَ: هِيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ سَائِرِ الْعَامِ، قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هِيَ فِي لَيَالِي السَّنَةِ كُلِّهَا. فَمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ حَلَفَ. لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالشَّكِّ، وَلَمْ يَثْبُتِ اخْتِصَاصُهَا بِوَقْتٍ، فَلَا يَنْبَغِي وُقُوعُ الطَّلَاقِ إِلَّا بِمُضِيِ حَوْلٍ. وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ يَقُمُ الْحَوْلَ يُصِبْهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَمَا إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَلَّا يَتَّكِلَ النَّاسُ. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ. وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهَا رُفِعَتْ- يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ- وَأَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، كَانَتْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي يَوْمٍ آخَرَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ رَمَضَانَ. ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الْأُولَى مِنَ الشَّهْرِ، قَالَهُ أَبُو رَزِينٌ الْعُقَيْلِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هِيَ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَتْ صَبِيحَتَهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ. كَأَنَّهُمْ نَزَعُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» [الأنفال: ٤١]، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ هِيَ لَيْلَةُ التَّاسِعَ عَشَرَ. وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ. ثُمَّ قَالَ قَوْمٌ: هِيَ لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ. وَمَالَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِحَدِيثِ الْمَاءِ وَالطِّينِ وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، خَرَّجَهُ مَالِكٌ [[لفظ الحديث كما رواه مالك في الموطأ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة حدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحها من اعتكافه (: قال (من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها: وقد رأيتني أسجد من صبحها في ماء وطين: فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر "قال أبو سعيد: فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد (قطر) قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبينه وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين".]] وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ لَيْلَةُ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ، لِمَا رَوَاهُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرَ فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الشَّهْرِ شَيْئًا فَلْيَقُمْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (. قَالَ مَعْمَرٌ: فَكَانَ أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَيَمَسُّ طِيبًا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: فَرَأَيْتُهُ فِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ بِالتَّاسِعَةِ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةِ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقَدْ مَضَى دَلِيلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَرَوَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ). وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَ لَيَالِي هَذَا الشَّهْرِ- شَهْرَ رَمَضَانَ- عَلَى كَلِمَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّابِعَةَ وَالْعِشْرِينَ أَشَارَ إِلَيْهَا فَقَالَ: هِيَ وَأَيْضًا فَإِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرَ كُرِّرَ ذِكْرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهِيَ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ، فَتَجِيءُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: هِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" لَيْلَةُ الْقَدْرِ التاسعة وَالْعِشْرُونَ- أَوِ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَدَدِ الْحَصَى. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا فِي الْأَشْفَاعِ [[جمع شفع وهو العدد الذي يقبل القسمة على اثنين.]]. قَالَ الْحَسَنُ: ارْتَقَبْتُ الشَّمْسَ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَرَأَيْتُهَا تَطْلُعُ بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا. يَعْنِي مِنْ كَثْرَةِ الْأَنْوَارِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَقِيلَ إِنَّهَا مَسْتُورَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، لِيَجْتَهِدَ الْمَرْءُ فِي إِحْيَاءِ جَمِيعِ اللَّيَالِي. وَقِيلَ: أَخْفَاهَا فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعَمَلِ وَالْعِبَادَةِ لَيَالِيَ شَهْرِ رَمَضَانَ، طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا، كَمَا أَخْفَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى فِي الصَّلَوَاتِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَسَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَغَضَبَهُ فِي الْمَعَاصِي، وَرِضَاهُ فِي الطَّاعَاتِ، وَقِيَامَ السَّاعَةِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْعَبْدَ الصَّالِحَ بَيْنَ الْعِبَادِ، رَحْمَةً مِنْهُ وَحِكْمَةً. الثَّانِيَةُ: فِي عَلَامَاتِهَا: مِنْهَا أَنَّ الشَّمْسَ، تَطْلُعُ فِي صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (إِنَّ مِنْ أَمَارَاتِهَا: أَنَّهَا لَيْلَةٌ سَمْحَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ (. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كُنْتُ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فِي الْبَحْرِ، فَأَخَذْتُ مِنْ مَائِهِ، فَوَجَدْتُهُ عَذْبًا سَلِسًا. الثَّالِثَةُ: فِي فَضَائِلِهَا. وَحَسْبُكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، وَمَعَهُمْ أَلْوِيَةٌ يُنْصَبُ مِنْهَا لِوَاءٌ عَلَى قَبْرِي، وَلِوَاءٌ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلِوَاءٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِوَاءٌ عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ، وَلَا تَدَعُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنَةً إِلَّا تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إِلَّا مُدْمِنَ الْخَمْرِ، وَآكِلَ الْخِنْزِيرِ، وَالْمُتَضَمِّخَ بِالزَّعْفَرَانِ (: وَفِي الْحَدِيثِ:) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الليلة حتى يضئ فَجْرُهَا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصِيبَ فِيهَا أَحَدًا بخبل ولا شي مِنَ الْفَسَادِ، وَلَا يَنْفُذُ فِيهَا سِحْرُ سَاحِرٍ). وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: وَلَيْلُهَا كَيَوْمِهَا، وَيَوْمُهَا كَلَيْلِهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ، لَا يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَّا السَّعَادَةَ وَالنِّعَمَ، وَيُقَدِّرُ فِي غَيْرِهَا الْبَلَايَا وَالنِّقَمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الضَّحَّاكِ. وَمِثْلُهُ لَا يقال مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي الْمُوَطَّأِ: [مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا [[ما بين المربعين زيادة من الموطأ.]] [، وَمِثْلُهُ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ. وَقَدْ روى عبيد الله ابن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي جَمَاعَةٍ [[الذي في نسخة تفسير الثعلبي التي بين أيدينا: "من صلى المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر فقد أخذ ... " الحديث. ولم يذكر: (في جماعة).]] فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: (قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ أَيْ تَهْبِطُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ، وَمِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَسْكَنُ جِبْرِيلَ عَلَى وَسَطِهَا. فَيَنْزِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ النَّاسِ، إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ. (وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أَيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ: أَنَّ الرُّوحَ صِنْفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، جُعِلُوا حَفَظَةً عَلَى سَائِرِهِمْ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَهُمْ، كَمَا لَا نَرَى نَحْنُ الْمَلَائِكَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ. وَأَقْرَبُهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مِنْ جُنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ. رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ: قِيلَ هُمْ صِنْفٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَلَهُمْ أَيْدٍ وَأَرْجُلٌ، وَلَيْسُوا مَلَائِكَةً. وَقِيلَ: الرُّوحُ خَلْقٌ عَظِيمٌ يَقُومُ صَفًّا، وَالْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ صَفًّا. وَقِيلَ: الرُّوحُ الرَّحْمَةُ يَنْزِلُ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا، دَلِيلُهُ: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [[آية ٢ سورة النحل.]] [النحل: ٢]، أَيْ بِالرَّحْمَةِ. فِيها أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أَيْ بِأَمْرِهِ. (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ): أُمِرَ بِكُلِّ أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى قَابِلٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، كقوله تعالى: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [[آية ١١ سورة الرعد.]] [الرعد: ١١] أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ تَنَزَّلُ بِفَتْحِ التاء، إلا أن البزي شَدَّدَ التَّاءَ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَابْنُ السَّمَيْقَعِ، بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ مِنْ كُلِّ امْرِئٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَاهُ: مِنْ كُلِّ مَلَكٍ، وَتَأَوَّلَهَا الْكَلْبِيُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ فِيهَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. (فَمِنْ) بِمَعْنَى عَلَى. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كَبْكَبَةٍ [[الكبكبة (بالفتح): الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم.]] مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ تعالى.
قَالَ الْفَرَّاءُ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْراكَ فَقَدْ أَدْرَاهُ. وَمَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما يُدْرِيكَ [الأحزاب: ٦٣] فَلَمْ يُدْرِهِ. وَقَالَهُ سُفْيَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٨ ص ٢٥٧ وج ١٩ ص ٢٤٧ وص ٣ من هذا الجزء.]]. (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) بَيَّنَ فَضْلَهَا وَعِظَمَهَا. وَفَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةٍ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُقَسَّمُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَيِ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَا تَكُونُ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: عَنَى بِأَلْفِ شَهْرٍ جَمِيعَ الدَّهْرِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَلْفَ فِي غَايَةِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [[آية ٩٦ سورة البقرة.]] [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَابِدَ كَانَ فِيمَا مَضَى لَا يُسَمَّى عَابِدًا حَتَّى يَعْبُدَ اللَّهَ أَلْفَ شَهْرٍ، ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِبَادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: كَانَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ، وَمُلْكُ ذِي الْقَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ فَصَارَ مُلْكُهُمَا أَلْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَمَلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَنْ أَدْرَكَهَا خَيْرًا مِنْ مُلْكِهِمَا. وَقَالَ ابن مسعود: إن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ إِنَّا أَنْزَلْناهُ [القدر: ٣] الْآيَةَ. خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، الَّتِي لَبِسَ فِيهَا الرَّجُلُ سِلَاحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنَّ أُمَّهُ جَعَلَتْهُ نَذْرًا لِلَّهِ، وَكَانَ مِنْ قَرْيَةِ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَكَانَ سَكَنَ قَرِيبًا مِنْهَا، فَجَعَلَ يَغْزُوهُمْ وَحْدَهُ، وَيَقْتُلُ وَيَسْبِي وَيُجَاهِدُ، وَكَانَ لَا يَلْقَاهُمْ إِلَّا بِلَحْيَيْ بَعِيرٍ، وَكَانَ إِذَا قَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ وَعَطِشَ، انْفَجَرَ لَهُ مِنَ اللَّحْيَيْنِ [[اللحى (بفتح اللام وتشديدها وسكون الحاء): عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان. وعبارة الطبري في تاريخه (طبع أوربا قسم أول ص ٧٩٤): "وكان إذا لقيهم لقيهم بلحي بعير، لا يلقاهم بغيره: فإذا قاتلوه وقاتلهم. وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي في اللحى ماء عذب ... إلخ". بإفراد "اللحى" في الموضعين.]] مَاءٌ عَذْبٌ، فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْبَطْشِ، لَا يُوجِعُهُ حَدِيدٌ وَلَا غَيْرُهُ: وَكَانَ اسْمُهُ شَمْسونُ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: كَانَ رَجُلًا مَلِكًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَ خَصْلَةً وَاحِدَةً، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ زَمَانِهِمْ: قُلْ لِفُلَانٍ يَتَمَنَّى. فَقَالَ: يَا رَبِّ أَتَمَنَّى أَنْ أُجَاهِدَ بِمَالِي وَوَلَدِي وَنَفْسِي، فَرَزَقَهُ اللَّهُ أَلْفَ وَلَدٍ، فَكَانَ يُجَهِّزُ الْوَلَدَ بِمَالِهِ فِي عَسْكَرٍ، وَيُخْرِجُهُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُومُ شَهْرًا وَيُقْتَلُ ذَلِكَ الْوَلَدُ، ثُمَّ يُجَهِّزُ آخَرَ فِي عَسْكَرٍ، فَكَانَ كُلُّ وَلَدٍ يُقْتَلُ فِي الشَّهْرِ، وَالْمَلِكُ مَعَ ذَلِكَ قَائِمُ اللَّيْلِ، صَائِمُ النَّهَارِ، فَقُتِلَ الْأَلْفُ [[كذا في الأصل والمعروف في العربية أن البصريين قالوا: ما كان من العدد مضافا أدخل الالف واللام في آخره فقط وأجاز الكوفيون إدخال الالف واللام على الأول والثاني وعلى ذلك فيقال هنا: ألف الولد أو الالف الولد.]] وَلَدٍ فِي أَلْفِ شَهْرٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ النَّاسُ: لَا أَحَدَ يُدْرِكُ مَنْزِلَةَ هَذَا الْمَلِكِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مِنْ شُهُورٍ ذَلِكَ الْمَلِكِ، فِي الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالْأَوْلَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَعُرْوَةُ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ (عَبَدُوا اللَّهَ ثَمَانِينَ سَنَةً، لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ)، فَذَكَرَ أَيُّوبَ وَزَكَرِيَّا، وَحِزْقِيلَ بْنَ الْعَجُوزِ وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَعَجِبَ أَصْحَابِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَجِبَتْ أُمَّتُكُ مِنْ عِبَادَةٍ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ثَمَانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وغيره: سمعت مَنْ أَثِقُ بِهِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ الْأُمَمِ قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَجَعَلَهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ. عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرَ: ١]، يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ. وَنَزَلَتْ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يَمْلِكُهَا بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ: فَعَدَدْنَاهَا، فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ، لَا تَزِيدُ يَوْمًا، وَلَا تَنْقُصُ يَوْمًا. قال: حديث غريب.
قَالَ الْفَرَّاءُ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْراكَ فَقَدْ أَدْرَاهُ. وَمَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما يُدْرِيكَ [الأحزاب: ٦٣] فَلَمْ يُدْرِهِ. وَقَالَهُ سُفْيَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٨ ص ٢٥٧ وج ١٩ ص ٢٤٧ وص ٣ من هذا الجزء.]]. (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) بَيَّنَ فَضْلَهَا وَعِظَمَهَا. وَفَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةٍ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُقَسَّمُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَيِ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَا تَكُونُ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: عَنَى بِأَلْفِ شَهْرٍ جَمِيعَ الدَّهْرِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَلْفَ فِي غَايَةِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [[آية ٩٦ سورة البقرة.]] [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَابِدَ كَانَ فِيمَا مَضَى لَا يُسَمَّى عَابِدًا حَتَّى يَعْبُدَ اللَّهَ أَلْفَ شَهْرٍ، ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِبَادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: كَانَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ، وَمُلْكُ ذِي الْقَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ فَصَارَ مُلْكُهُمَا أَلْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَمَلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَنْ أَدْرَكَهَا خَيْرًا مِنْ مُلْكِهِمَا. وَقَالَ ابن مسعود: إن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ إِنَّا أَنْزَلْناهُ [القدر: ٣] الْآيَةَ. خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، الَّتِي لَبِسَ فِيهَا الرَّجُلُ سِلَاحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنَّ أُمَّهُ جَعَلَتْهُ نَذْرًا لِلَّهِ، وَكَانَ مِنْ قَرْيَةِ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَكَانَ سَكَنَ قَرِيبًا مِنْهَا، فَجَعَلَ يَغْزُوهُمْ وَحْدَهُ، وَيَقْتُلُ وَيَسْبِي وَيُجَاهِدُ، وَكَانَ لَا يَلْقَاهُمْ إِلَّا بِلَحْيَيْ بَعِيرٍ، وَكَانَ إِذَا قَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ وَعَطِشَ، انْفَجَرَ لَهُ مِنَ اللَّحْيَيْنِ [[اللحى (بفتح اللام وتشديدها وسكون الحاء): عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان. وعبارة الطبري في تاريخه (طبع أوربا قسم أول ص ٧٩٤): "وكان إذا لقيهم لقيهم بلحي بعير، لا يلقاهم بغيره: فإذا قاتلوه وقاتلهم. وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي في اللحى ماء عذب ... إلخ". بإفراد "اللحى" في الموضعين.]] مَاءٌ عَذْبٌ، فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْبَطْشِ، لَا يُوجِعُهُ حَدِيدٌ وَلَا غَيْرُهُ: وَكَانَ اسْمُهُ شَمْسونُ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: كَانَ رَجُلًا مَلِكًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَ خَصْلَةً وَاحِدَةً، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ زَمَانِهِمْ: قُلْ لِفُلَانٍ يَتَمَنَّى. فَقَالَ: يَا رَبِّ أَتَمَنَّى أَنْ أُجَاهِدَ بِمَالِي وَوَلَدِي وَنَفْسِي، فَرَزَقَهُ اللَّهُ أَلْفَ وَلَدٍ، فَكَانَ يُجَهِّزُ الْوَلَدَ بِمَالِهِ فِي عَسْكَرٍ، وَيُخْرِجُهُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُومُ شَهْرًا وَيُقْتَلُ ذَلِكَ الْوَلَدُ، ثُمَّ يُجَهِّزُ آخَرَ فِي عَسْكَرٍ، فَكَانَ كُلُّ وَلَدٍ يُقْتَلُ فِي الشَّهْرِ، وَالْمَلِكُ مَعَ ذَلِكَ قَائِمُ اللَّيْلِ، صَائِمُ النَّهَارِ، فَقُتِلَ الْأَلْفُ [[كذا في الأصل والمعروف في العربية أن البصريين قالوا: ما كان من العدد مضافا أدخل الالف واللام في آخره فقط وأجاز الكوفيون إدخال الالف واللام على الأول والثاني وعلى ذلك فيقال هنا: ألف الولد أو الالف الولد.]] وَلَدٍ فِي أَلْفِ شَهْرٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ النَّاسُ: لَا أَحَدَ يُدْرِكُ مَنْزِلَةَ هَذَا الْمَلِكِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مِنْ شُهُورٍ ذَلِكَ الْمَلِكِ، فِي الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالْأَوْلَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَعُرْوَةُ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ (عَبَدُوا اللَّهَ ثَمَانِينَ سَنَةً، لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ)، فَذَكَرَ أَيُّوبَ وَزَكَرِيَّا، وَحِزْقِيلَ بْنَ الْعَجُوزِ وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَعَجِبَ أَصْحَابِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَجِبَتْ أُمَّتُكُ مِنْ عِبَادَةٍ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ثَمَانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وغيره: سمعت مَنْ أَثِقُ بِهِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ الْأُمَمِ قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَجَعَلَهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ. عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرَ: ١]، يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ. وَنَزَلَتْ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يَمْلِكُهَا بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ: فَعَدَدْنَاهَا، فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ، لَا تَزِيدُ يَوْمًا، وَلَا تَنْقُصُ يَوْمًا. قال: حديث غريب.
سُورَةُ "الْقَدْرِ" وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَكْسَهُ. قُلْتُ: وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَكَرَ الْوَاقِدَيُّ أَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَهِيَ خَمْسُ آيَاتٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُومٌ، وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ. وَقَدْ قَالَ: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [[آية ١٨٥ سورة البقرة.]] [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ: حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [[أول سورة الدخان.]] [الدخان: ٣ - ١] يريد: في ليلة القدر. وقال الشَّعْبِيُّ: الْمَعْنَى إِنَّا ابْتَدَأْنَا إِنْزَالَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ، وَأَمْلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى السَّفَرَةِ [[السفرة: هم الملائكة جمع سافر. والسافر في الأصل: الكاتب سمى به لأنه يبين الشيء ويوضحه.]]، ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا [[يعني جزءا جزءا الآية والآيتين.]] نُجُومًا. وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٢٩٧ طبعه ثانية.]]. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ، جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لَيْسَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَبَيْنَ اللَّهِ وَاسِطَةٌ، وَلَا بَيْنَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَاسِطَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي لَيْلَةِ الْحُكْمِ. (وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) قَالَ: لَيْلَةُ الْحُكْمِ. وَالْمَعْنَى لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَدِّرُ [[يريد أنه يظهر ما قضاه في الأزل من الأمور لا أنه يقدر ابتداء.]] فِيهَا مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِهِ، إِلَى مِثْلِهَا مِنَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، مِنْ أَمْرِ الْمَوْتِ وَالْأَجَلِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِهِ. وَيُسَلِّمُهُ إِلَى مُدَبِّرَاتِ الْأُمُورِ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: إِسْرَافِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَعِزْرَائِيلُ، وَجِبْرِيلُ. عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُكْتَبُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ رِزْقٍ وَمَطَرٍ وَحَيَاةٍ وَمَوْتٍ، حَتَّى الْحَاجِّ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يُكْتَبُ حَاجُّ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ أَبَائِهِمْ، مَا يُغَادَرُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا يُزَادُ فِيهِمْ. وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الدُّخَانِ" [[راجع ج ١٦ ص ١٢٥]] هَذَا الْمَعْنَى. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي الْأَقْضِيَةَ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى أَرْبَابِهَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِهَا وَقَدْرِهَا وَشَرَفِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: لِفُلَانٍ قَدْرٌ، أَيْ شَرَفٌ وَمَنْزِلَةٌ. قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا، وثوابا جزيلا. وقال أبو بكر الوراق: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرٌ وَلَا خَطَرٌ يَصِيرُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ذَا قَدْرٍ إِذَا أَحْيَاهَا. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ فِيهَا كِتَابًا ذَا قَدْرٍ، عَلَى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، عَلَى أُمَّةِ ذَاتِ قَدْرٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِيهَا مَلَائِكَةٌ ذَوُو قَدْرٍ وَخَطَرٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِيهَا الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَقَالَ سَهْلٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا الرَّحْمَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: لِأَنَّ الْأَرْضَ تَضِيقُ فِيهَا بِالْمَلَائِكَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [[آية ٧ سورة الطلاق.]] [الطلاق: ٧] أي ضيق.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) أَيْ ذَلِكَ الْإِضْلَالُ وَالْإِتْعَاسُ، لِأَنَّهُمْ "كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ" مِنَ الْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ. "فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ" أَيْ مَا لَهُمْ مِنْ صُوَرِ الْخَيْرَاتِ، كَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَأَصْنَافِ الْقُرَبِ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ الْعَمَلَ إِلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ. وَقِيلَ: أحبط أعمالهم أي عبادة الصنم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالنَّصْبَ بِمَا يُفَسِّرُهُ "فَتَعْساً لَهُمْ" كَأَنَّهُ قَالَ: أَتْعَسَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَ "تَعْسًا لَهُمْ" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِسَبِيلِ الدُّعَاءِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، مِثْلُ سَقْيًا لَهُ وَرَعْيًا. وَهُوَ نَقِيضُ لَعًا [[لعا: كلمة يدعى بها للعاثر معناه الارتفاع.]] لَهُ. قَالَ الْأَعْشَى: فَالتَّعْسُ أَوْلَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعًا [[في اللسان وكتاب الاعشين: "أدنى" بدل "أولى". وصدره: بذات لوث عفرناة إذا عثرت واللوث (بالفتح): القوة". عفرناة: قرية.]] وَفِيهِ عَشْرَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ- بُعْدًا لَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ. الثَّانِي- حُزْنًا لَهُمْ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. الثَّالِثُ- شَقَاءٌ لَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الرَّابِعُ- شَتْمًا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. الْخَامِسُ- هَلَاكًا لَهُمْ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ. السَّادِسُ- خَيْبَةٌ لَهُمْ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ. السَّابِعُ- قُبْحًا لَهُمْ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. الثَّامِنُ- رغما لهم، قاله الضحاك أيضا. التاسع- شَرًّا لَهُمْ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ أَيْضًا. الْعَاشِرُ- شِقْوَةٌ لَهُمْ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ التَّعْسَ الِانْحِطَاطُ وَالْعِثَارُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أَنْ يَخِرَّ عَلَى وَجْهِهِ. وَالنَّكْسُ أَنْ يَخِرَّ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: وَالتَّعْسُ أَيْضًا الْهَلَاكُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَصْلُهُ الْكَبُّ، وَهُوَ ضِدُّ الِانْتِعَاشِ. وَقَدْ تَعَسَ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) يَتْعَسُ تَعْسًا، وَأَتْعَسَهُ اللَّهُ. قَالَ مُجَمِّعُ بْنُ هِلَالٍ: تَقُولُ وَقَدْ أَفْرَدْتُهَا مِنْ خَلِيلِهَا ... تَعِسْتَ كَمَا أَتْعَسْتِنِي يَا مُجَمِّعُ يُقَالُ: تَعْسًا لِفُلَانٍ، أَيْ أَلْزَمَهُ اللَّهُ هَلَاكًا. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَجَوَّزَ قَوْمٌ تَعِسَ (بِكَسْرِ الْعَيْنِ). قُلْتُ: وَمِنْهُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ [[القطيفة: دثار. والخميصة: كساء أسود مربع له أعلام وخطوط.]] إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ "خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ" تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ" [[قوله "شيك" أي أصابته شوكة. و "فلا انتقش" أي فلا خرجت شوكته بالمنقاش.]] خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أَيْ أَبْطَلَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ. وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَتَعْساً "لِأَجْلِ الْإِبْهَامِ الَّذِي فِي" الَّذِينَ"، وَجَاءَ "وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ" عَلَى الْخَبَرِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ الَّذِينَ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ فِي اللَّفْظِ، فَدُخُولُ الْفَاءِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى، وَأَضَلَّ حَمْلًا عَلَى اللفظ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ أَيْ إِنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرُكُمْ عَلَى الْكُفَّارِ. نَظِيرُهُ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٢ ص (٧٢)]]. وَقَالَ قُطْرُبٌ: إِنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. "وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ" أَيْ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَقِيلَ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ عَلَى الصِّرَاطِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَثْبِيتُ الْقُلُوبِ بِالْأَمْنِ، فَيَكُونُ تَثْبِيتُ الْأَقْدَامِ عِبَارَةً عَنِ النَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ فِي مَوْطِنِ الْحَرْبِ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَنْفَالِ" [[راجع ج ٧ ص (٣٧١ ٣٧٧)]] هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ هُنَاكَ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[[راجع ج ٧ ص (٣٧١ ٣٧٧)]] [الأنفال: ١٢] فَأَثْبَتَ هُنَاكَ وَاسِطَةً وَنَفَاهَا هُنَا [[ما بين المربعين ساقط من ز ك ل.]]، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾[[آية ١١ سورة السجدة.]] [السجدة: ١١] ثُمَّ نَفَاهَا بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾[[آية ٤٠ سورة الروم.]] [الروم: ٤٠]. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾[[آية ٢ سورة الملك.]] [الملك: ٢] وَمَثَلُهُ كَثِيرٌ، فَلَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
أَيْ إِذَا دَخَلُوهَا يُقَالُ لَهُمْ تَفَرَّقُوا [[في أز ل: تقربوا.]] إِلَى مَنَازِلِكُمْ، فَهُمْ أَعْرَفُ بِمَنَازِلِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ إِذَا انْصَرَفُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. قَالَ مَعْنَاهُ مُجَاهِدٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ] فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعض مظالم [كانت بينهم في الدنيا [[زيادة عن صحيح البخاري.]] [حتى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ] مِنْهُ [[زيادة عن صحيح البخاري.]] [بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا (. وَقِيلَ: "عَرَّفَها لَهُمْ" أَيْ بَيَّنَهَا لَهُمْ حَتَّى عَرَفُوهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ. قَالَ الْحَسَنُ: وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ الْجَنَّةَ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا دَخَلُوهَا عَرَفُوهَا بِصِفَتِهَا. وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ، أَيْ عَرَّفَ طُرُقَهَا وَمَسَاكِنَهَا وَبُيُوتَهَا لَهُمْ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَقِيلَ: هَذَا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَتْبَعُهُ الْعَبْدُ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَبْدُ مَنْزِلَهُ، وَيُعَرِّفَهُ الْمَلَكُ جَمِيعَ مَا جُعِلَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَرُدُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "عَرَّفَها لَهُمْ" أَيْ طَيَّبَهَا لَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرْفِ، وَهُوَ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ. وَطَعَامٌ مُعَرَّفٌ أَيْ مُطَيَّبٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: عَرَّفْتَ الْقِدْرَ إِذَا طَيَّبْتَهَا بِالْمِلْحِ وَالْأَبْزَارِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ يُخَاطِبُ رَجُلًا ويمدحه: عرفت كاتب عرفته اللطائم [[اللطائم (جمع لطيمة): قطعة مسك.]] يقول: كَمَا عُرِّفَ الْإِتْبُ، وَهُوَ الْبَقِيرُ وَالْبَقِيرَةُ، وَهُوَ قَمِيصٌ لَا كُمَّيْنِ لَهُ تَلْبَسُهُ النِّسَاءُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ وَضْعِ الطَّعَامُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ كَثْرَتِهِ، يُقَالُ: حَرِيرٌ مُعَرَّفٌ، أَيْ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ مِنَ الْعُرْفِ الْمُتَتَابِعِ كَعُرْفِ الْفَرَسِ. وَقِيلَ: "عَرَّفَها لَهُمْ" أَيْ وَفَّقَهُمْ لِلطَّاعَةِ حَتَّى اسْتَوْجَبُوا الْجَنَّةَ. وَقِيلَ: عَرَّفَ أَهْلَ السَّمَاءِ أَنَّهَا لَهُمْ إِظْهَارًا لِكَرَامَتِهِمْ فِيهَا. وَقِيلَ: عَرَّفَ المطيعين أنها لهم.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو "قُتِلُوا" بَعِيدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ" وَالْمَقْتُولُ لَا يُوصَفُ بِهَذَا. قَالَ غَيْرُهُ: يَكُونُ الْمَعْنَى سَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ، أَوْ سَيَهْدِي مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، أَيْ يُحَقِّقُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ. وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: سَيَهْدِيهِمْ إِلَى مُحَاجَّةِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي الْقَبْرِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَقَدْ تَرِدُ الْهِدَايَةُ وَالْمُرَادُ بِهَا إِرْشَادُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَسَالِكِ الْجِنَانِ وَالطُّرُقِ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُجَاهِدِينَ: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾[[آية ٢٣ سورة الصافات.]] [الصافات: ٢٣] معناه فاسلكوا بهم إليها.
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمَّا مَيَّزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَمَرَ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكُفَّارُ الْمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ. وَقِيلَ: كُلُّ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ مُشْرِكٍ أَوْ كِتَابِيٍّ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ عَهْدٍ وَلَا ذِمَّةٍ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِ. "فَضَرْبَ الرِّقابِ" مَصْدَرٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ أَيْ فَاضْرِبُوا الرِّقَابَ ضَرْبًا. وَخَصَّ الرِّقَابَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ بِهَا. وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ كَقَوْلِكَ يَا نَفْسُ صَبْرًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ. وَقَالَ: "فَضَرْبَ الرِّقابِ" وَلَمْ يَقُلْ فَاقْتُلُوهُمْ، لِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ بِضَرْبِ الرِّقَابِ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْقَتْلِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَصْوِيرِ الْقَتْلِ بِأَشْنَعِ صُوَرِهِ، وَهُوَ حَزُّ الْعُنُقِ [[في ح ل: جز العنق بالجيم.]] وَإِطَارَةِ الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْبَدَنِ وَعُلُوُّهُ وَأَوْجَهُ أَعْضَائِهِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ أَكْثَرْتُمُ الْقَتْلَ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَنْفَالِ" عِنْدَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾[[راجع ج ٨ ص ٤٥ وما بعدها.]] [الأنفال: ٦٧]. "فَشُدُّوا الْوَثاقَ" أَيْ إِذَا أَسَرْتُمُوهُمْ. وَالْوَثَاقُ اسْمٌ مِنَ الْإِيثَاقِ، وَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا، يُقَالُ: أَوْثَقْتُهُ إِيثَاقًا وَوَثَاقًا. وَأَمَّا الْوِثَاقُ (بِالْكَسْرِ) فَهُوَ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كَالرِّبَاطِ، قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَوْثَقَهُ فِي الْوَثَاقِ أَيْ شَدَّهُ، وَقَالَ تَعَالَى: "فَشُدُّوا الْوَثاقَ". وَالْوِثَاقُ (بِكَسْرِ الْوَاوِ) لُغَةٌ فِيهِ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِشَدِّ الْوَثَاقَ لِئَلَّا يَفْلِتُوا. "فَإِمَّا مَنًّا" عَلَيْهِمْ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ فدية "وَإِمَّا فِداءً". ولم يذكر القتل ها هنا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَتْلِ فِي صَدْرِ الكلام، و "مَنًّا" و "فِداءً" نصب بإضمار فعل. وقرى "فَدًى" بِالْقَصْرِ مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ، أَيْ فَإِمَّا أَنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ مَنًّا، وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوهُمْ فِدَاءً. رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِ الْحَجَّاجِ حِينَ أُتِيَ بِالْأَسْرَى مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَثَمَانمِائَةٍ فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ حَتَّى قُدِّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ فَقَالَ: يَا حَجَّاجُ، لَا جَازَاكَ اللَّهُ عَنِ السُّنَّةِ وَالْكَرَمِ خَيْرًا! قَالَ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ "فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" فِي حَقِّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَاللَّهِ! مَا مَنَنْتَ وَلَا فَدَيْتَ؟ وَقَدْ قَالَ شَاعِرُكُمْ فِيمَا وَصَفَ بِهِ قَوْمَهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ: وَلَا نَقْتُلُ الْأَسْرَى وَلَكِنْ نَفُكُّهُمْ ... إِذَا أَثْقَلَ الْأَعْنَاقَ حِمْلُ الْمَغَارِمِ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أُفٌّ لِهَذِهِ الْجِيَفِ! أَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ!؟ خَلُّوا سَبِيلَ مَنْ بَقِيَ. فَخُلِّيَ يَوْمئِذٍ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَسْرَى، وَهُمْ زُهَاءُ أَلْفَيْنِ، بِقَوْلِ ذَلِكَ الرجل. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلِ- أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَهِيَ فِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَادُوا وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ. وَالنَّاسِخُ لَهَا عِنْدَهُمْ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾[[آية ٥ سورة التوبة.]] [التوبة: ٥] وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾[[آية ٥٧ سورة الأنفال.]] [الأنفال: ٥٧] وقوله: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾[[آية ٣٦ سورة التوبة.]] [التوبة: ٣٦] الآية، قاله قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ. وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَوْزِيُّ: كُتِبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي أَسِيرٍ أُسِرَ، فَذَكَرُوا أَنَّهُمُ الْتَمَسُوهُ بِفِدَاءِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، لَقَتْلُ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. الثَّانِي- أَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ جَمِيعًا. وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ النَّظَرِ، مِنْهُمْ قتادة ومجاهد. قالوا: إذ أُسِرَ الْمُشْرِكُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ، وَلَا أَنْ يُفَادَى بِهِ فَيُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَادَى عِنْدَهُمْ إِلَّا بِالْمَرْأَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ. وَالنَّاسِخُ لَهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إِذْ كَانَتْ بَرَاءَةٌ آخِرُ مَا نَزَلَتْ بِالتَّوْقِيفِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلُ كُلُّ مُشْرِكٍ إِلَّا مَنْ قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَرْكِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، خِيفَةَ أَنْ يَعُودُوا حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" قَالَ نَسَخَهَا "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نسخها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وهو قول الحكم. الثالث- أنها ناسخة، قاله الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ. رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضحاك ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قَالَ نَسَخَهَا "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً". وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" فَلَا يُقْتَلُ الْمُشْرِكُ وَلَكِنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ وَيُفَادَى، كَمَا قال الله عز وجل. قال أَشْعَثُ: كَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ أَنْ يُقْتَلَ الْأَسِيرُ، وَيَتْلُو "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً". وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَضَرْبُ الرِّقَابِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. ثُمَّ قَالَ: "حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ". وَزُعِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِذَا حَصَلَ الْأَسِيرُ فِي يَدَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، لَكِنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ: إِمَّا أَنْ يَمُنَّ، أَوْ يُفَادِيَ، أَوْ يَسْتَرِقَّ. الرَّابِعِ- قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَا يَكُونُ فِدَاءٌ وَلَا أَسْرٌ إِلَّا بَعْدَ الْإِثْخَانِ وَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾[[آية ٦٧ سورة الأنفال.]] [الأنفال: ٦٧]. فَإِذَا أُسِرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا رَآهُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. الْخَامِسِ- أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ حَالٍ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدِينَ فَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ، قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وَفَادَى سَائِرَ أُسَارَى بَدْرٍ، وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيِّ وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ، وَأَخَذَ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ جَارِيَةً فَفَدَى بِهَا أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَبَطَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَخَذَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ مَنَّ عَلَى سَبْيِ هَوَازِنَ. وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ مَضَى جَمِيعُهُ فِي (الْأَنْفَالِ) [[راجع ج ٨ ص ٤٥ وما بعدها.]] وَغَيْرِهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ مُحْكَمَتَانِ مَعْمُولٌ بِهِمَا، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ لِشَيْءٍ قَاطِعٍ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْآيَتَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِالنَّسْخِ، إِذَا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّعَبُّدُ إِذَا لَقِينَا الَّذِينَ كَفَرُوا قَتَلْنَاهُمْ، فَإِذَا كَانَ الْأَسْرُ جَازَ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالْمُفَادَاةُ وَالْمَنُّ، عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْقَوْلُ يُرْوَى عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ مَذْهَبًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَبِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ خُرُوجُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: أَنَّ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يَكُونَ دِينٌ إِلَّا دِينَ الْإِسْلَامِ، فَيُسْلِمُ كُلُّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَصَاحِبِ مِلَّةٍ، وَتَأْمَنُ الشَّاةُ مِنَ الذِّئْبِ. ونحوه عَنِ الْحَسَنِ وَالْكَلْبِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَالْكِسَائِيِّ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: حَتَّى يُسْلِمَ الْخَلْقُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: حَتَّى يُؤْمِنُوا وَيَذْهَبَ الْكُفْرُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَتَّى يَظْهَرَ الْإِسْلَامُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: حَتَّى لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوْزَارِ السِّلَاحُ، فَالْمَعْنَى شُدُّوا الْوَثَاقَ حَتَّى تَأْمَنُوا وَتَضَعُوا السِّلَاحَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ، أَيِ الْأَعْدَاءُ الْمُحَارَبُونَ أَوْزَارَهُمْ، وَهُوَ سِلَاحُهُمْ بِالْهَزِيمَةِ أَوِ الْمُوَادَعَةِ. وَيُقَالُ لِلْكُرَاعِ أَوْزَارٌ. قَالَ الْأَعْشَى: وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورَا وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ يُحْدَى بِهَا ... عَلَى أَثَرِ الْحَيِّ عِيرًا فَعِيرَا [[هذه رواية البيت في الأصول. وروايته في كتاب "الاعشين": وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ مَوْضُونَةٌ ... تُسَاقُ مَعَ الْحَيِّ عيرا فعيرا والموضونة: الدرع المنسوجة. وفي شعراء النصرانية: ... على أثر العيس ...]] وَقِيلَ: "حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها" أَيْ أَثْقَالُهَا. وَالْوِزْرُ الثِّقَلُ، وَمِنْهُ وَزِيرُ الْمَلِكِ لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْأَثْقَالَ. وَأَثْقَالُهَا السِّلَاحُ لِثِقَلِ حَمْلِهَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَإِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأَسِيرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ دَفَعَ أَسِيرًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِيَقْتُلَهُ فَأَبَى وَقَالَ: لَيْسَ بِهَذَا أَمَرَنَا اللَّهُ، وَقَرَأَ "حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ". قُلْنَا: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَعَلَهُ، وَلَيْسَ فِي تَفْسِيرِ اللَّهِ لِلْمَنِّ وَالْفِدَاءِ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي الزِّنَى حُكْمَ الْجَلْدِ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ الرَّجْمِ، وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْحَجَّاجِ فَاعْتَذَرَ بِمَا قَالَ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ "ذَلِكَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ وَبَيَّنْتُ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى افْعَلُوا ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، الْمَعْنَى ذَلِكَ حُكْمُ الْكُفَّارِ. وَهِيَ كَلِمَةٌ يَسْتَعْمِلُهَا الْفَصِيحُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾[[آية ٥٥ سورة ص.]] [ص: ٥٥] أَيْ هَذَا حَقٌّ وَأَنَا أُعَرِّفُكُمْ أَنَّ لِلظَّالِمِينَ كَذَا. وَمَعْنَى "لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ" أَيْ أَهْلَكَهُمْ بِغَيْرِ قتال. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَهْلَكَهُمْ بِجُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. "وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ" أَيْ أَمَرَكُمْ بِالْحَرْبِ لِيَبْلُوَ وَيَخْتَبِرَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ فَيَعْلَمُ الْمُجَاهِدِينَ وَالصَّابِرِينَ، كَمَا فِي السُّورَةِ نَفْسِهَا. "وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" يريد قتلى أحد من المؤمنين "فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ" قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "قَاتَلُوا" وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ "قُتِلُوا" بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَنُ إِلَّا أَنَّهُ شَدَّدَ التَّاءَ عَلَى التَّكْثِيرِ. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَأَبُو حَيْوَةَ "قَتَلُوا" بِفَتْحِ الْقَافِ وَالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، يَعْنِي الَّذِينَ قَتَلُوا الْمُشْرِكِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْبِ، وَقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الْجِرَاحَاتُ وَالْقَتْلُ، وَقَدْ نَادَى الْمُشْرِكُونَ: اعْلُ هُبَلُ. وَنَادَى الْمُسْلِمُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قُولُوا لَا سَوَاءَ. قَتْلَانَا أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ). فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذلك في (آل عمران) [[راجع ج ٤ ص (٢٣٤)]].
قوله تعالى: "ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ" أي هأنتم هؤلاء أيها المؤمنون تُدْعَوْنَ "لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجِهَادِ وَطَرِيقِ الْخَيْرِ. "فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ" أَيْ عَلَى نَفْسِهِ، أَيْ يَمْنَعُهَا الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ. "وَاللَّهُ الْغَنِيُّ" أَيْ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى أَمْوَالِكُمْ. "وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ" إِلَيْهَا [[لفظة: إليها ساقطة من ل. .]]. "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ" أَيْ أَطْوَعَ لِلَّهِ مِنْكُمْ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةُ "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ" قَالُوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْكِبِ سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ:] هَذَا وَقَوْمُهُ. هَذَا وَقَوْمُهُ [قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هريرة قال: قال أناس مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخِذَ سَلْمَانَ، قَالَ:] هَذَا وَأَصْحَابُهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ [. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْعَجَمُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ. قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: فَلَا أحد بعد العرب مِنْ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْأَعَاجِمِ أَحْسَنُ دِينًا، وَلَا كَانَتِ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ إِلَّا الْفُرْسُ. وَقِيلَ: إِنَّهُمُ الْيَمَنُ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ، قَالَهُ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْأَنْصَارُ. وَعَنْهُ أَنَّهُمُ الْمَلَائِكَةُ. وَعَنْهُ هُمُ التَّابِعُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُمْ مَنْ شَاءَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. "ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ" قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَيْ فِي الْبُخْلِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَرِحَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ:] هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا [. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ" تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٦ ص (٤١٤)]]. "وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ" شرط وجوابه. "وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" أَيْ لَا يَأْمُرُكُمْ بِإِخْرَاجِ جَمِيعِهَا فِي الزَّكَاةِ، بَلْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ، قَالَهُ ابْنُ عيينة وغيره. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ لِيَرْجِعَ ثَوَابُهُ إِلَيْكُمْ. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" إِنَّمَا يَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَهُ، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَهَا وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِإِعْطَائِهَا. وَقِيلَ: وَلَا يَسْأَلْكُمْ مُحَمَّدٌ أَمْوَالَكُمْ أَجْرًا عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. نَظِيرُهُ ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[[آية ٥٧ سورة الفرقان.]] [الفرقان: ٥٧] الآية. "إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ" يُلِحُّ عَلَيْكُمْ، يُقَالُ: أَحْفَى بِالْمَسْأَلَةِ وَأَلْحَفَ وَأَلَحَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالْحَفِيُّ الْمُسْتَقْصِي فِي السُّؤَالِ، وَكَذَلِكَ الْإِحْفَاءُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْكَلَامِ وَالْمُنَازَعَةُ. وَمِنْهُ أَحْفَى شَارِبَهُ أَيِ اسْتَقْصَى فِي أَخْذِهِ. "تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ" أَيْ يُخْرِجُ الْبُخْلُ أَضْغَانَكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي سُؤَالِ الْمَالِ خُرُوجَ الْأَضْغَانِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "وَتَخْرُجُ" بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ. "أَضْغانَكُمْ" بِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِ الْفَاعِلَ. وَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ "وَنُخْرِجُ" بِالنُّونِ. وَأَبُو مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو "وَيُخْرِجُ" بِالرَّفْعِ فِي الْجِيمِ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ "وَيُخْرِجُ" كَسَائِرِ الْقُرَّاءِ، عَطْفٌ عَلَى مَا تقدم.
قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ" تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٦ ص (٤١٤)]]. "وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ" شرط وجوابه. "وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" أَيْ لَا يَأْمُرُكُمْ بِإِخْرَاجِ جَمِيعِهَا فِي الزَّكَاةِ، بَلْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ، قَالَهُ ابْنُ عيينة وغيره. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ لِيَرْجِعَ ثَوَابُهُ إِلَيْكُمْ. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" إِنَّمَا يَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَهُ، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَهَا وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِإِعْطَائِهَا. وَقِيلَ: وَلَا يَسْأَلْكُمْ مُحَمَّدٌ أَمْوَالَكُمْ أَجْرًا عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. نَظِيرُهُ ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[[آية ٥٧ سورة الفرقان.]] [الفرقان: ٥٧] الآية. "إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ" يُلِحُّ عَلَيْكُمْ، يُقَالُ: أَحْفَى بِالْمَسْأَلَةِ وَأَلْحَفَ وَأَلَحَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالْحَفِيُّ الْمُسْتَقْصِي فِي السُّؤَالِ، وَكَذَلِكَ الْإِحْفَاءُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْكَلَامِ وَالْمُنَازَعَةُ. وَمِنْهُ أَحْفَى شَارِبَهُ أَيِ اسْتَقْصَى فِي أَخْذِهِ. "تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ" أَيْ يُخْرِجُ الْبُخْلُ أَضْغَانَكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي سُؤَالِ الْمَالِ خُرُوجَ الْأَضْغَانِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "وَتَخْرُجُ" بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ. "أَضْغانَكُمْ" بِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِ الْفَاعِلَ. وَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ "وَنُخْرِجُ" بِالنُّونِ. وَأَبُو مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو "وَيُخْرِجُ" بِالرَّفْعِ فِي الْجِيمِ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ "وَيُخْرِجُ" كَسَائِرِ الْقُرَّاءِ، عَطْفٌ عَلَى مَا تقدم.
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ تَضْعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ. وَالْوَهَنُ: الضَّعْفُ وَقَدْ وَهَنَ الْإِنْسَانُ وَوَهَنَهُ غَيْرُهُ، يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. قَالَ: إنني لست بموهون فقر [[هذا عجز بيت لطرفة، وصدره: وإذا تلسنني ألسنها]] ووهن أيضا (بالكسر) وهنا أي ضعف، وقرى "فَما وَهَنُوا" بِضَمِّ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي (آلِ عِمْرَانَ) [[راجع ج ٤ ص (٢٣٠)]]. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أَيِ الصُّلْحَ. "وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ" أَيْ وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فِي الْحُجَّةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَأَنْتُمُ الْغَالِبُونَ لِأَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي الظَّاهِرِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا تَكُونُوا أَوَّلَ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَعَتْ إِلَى صَاحِبَتِهَا. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾[[آية ٦١ سورة الأنفال]] [الأنفال: ٦١]، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الصُّلْحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى الصُّلْحِ. وَقِيلَ: مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها". وَقِيلَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ. وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحَالِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها" مَخْصُوصٌ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْأُخْرَى عَامَّةٌ. فَلَا يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ إِذَا عَجَزْنَا عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٨ ص ٦٩]]. "وَاللَّهُ مَعَكُمْ" أَيْ بِالنَّصْرِ والمعونة، مثل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[[٣٩ سورة العنكبوت.]] [العنكبوت: ٦٩] "وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ" أَيْ لَنْ يُنْقِصَكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُ الْمَوْتُورُ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرَكْ بِدَمِهِ، تَقُولُ مِنْهُ: وَتَرَهُ يَتِرُهُ وَتْرًا وَتِرَةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتَرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ [أَيْ ذَهَبَ بِهِمَا. وَكَذَلِكَ وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أَيْ لَنْ يَنْتَقِصَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ، كَمَا تَقُولُ: دَخَلْتُ الْبَيْتَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ فِي الْبَيْتِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. الْفَرَّاءُ: "وَلَنْ يَتِرَكُمْ" هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَتْرِ وَهُوَ الْفَرْدُ، فَكَانَ الْمَعْنَى وَلَنْ يفردكم بغير ثواب.
بَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ يُوجِبُ الْخُلُودُ فِي النَّارِ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْكَلَامُ [[راجع ج ٣ ص (٤٨)]] فِيهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ أصحاب القليب [[المراد به قليب بدر.]]. وحكمها عام.
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لَمَّا بَيَّنَ حَالَ الْكُفَّارِ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ فِي أَوَامِرِهِ وَالرَّسُولِ فِي سُنَنِهِ. "وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ" أَيْ حَسَنَاتِكُمْ بِالْمَعَاصِي، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: بِالْكَبَائِرِ. ابْنُ جريج: بالرياء والسمعة. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالثُّمَالِيُّ: بِالْمَنِّ، وَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ يَمُنُّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْلَامِهِ. وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ يَجْمَعُهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ تُحْبِطُ الطَّاعَاتِ، وَالْمَعَاصِي تُخْرِجُ عَنِ الْإِيمَانِ. الثَّانِيَةُ- احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ التَّطَوُّعِ- صَلَاةً كَانَ أَوْ صَوْمًا- بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الْعَمَلِ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ- وَهُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ-: الْمُرَادُ بِذَلِكَ إِبْطَالُ ثَوَابِ الْعَمَلِ الْمَفْرُوضِ، فَنَهَى الرَّجُلَ عَنْ إِحْبَاطِ ثَوَابِهِ. فَأَمَّا مَا كَانَ نَفْلًا فَلَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ. فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَالْعَامُّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ. وَوَجْهُ تَخْصِيصِهِ أَنَّ النَّفْلَ تَطَوُّعٌ، وَالتَّطَوُّعُ يَقْتَضِي تَخْيِيرًا. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ ذَنْبٌ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَافُوا الْكَبَائِرَ أَنْ تُحْبِطَ الْأَعْمَالَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا عَصَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدْ أبطلتم أعمالكم.
يَرْجِعُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَوْ إِلَى الْيَهُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. نَظِيرُهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] الْآيَةَ [[آية ٣٦ سورة الأنفال.]]. "وَشَاقُّوا الرَّسُولَ" أَيْ عَادَوْهُ وَخَالَفُوهُ. "مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى " أَيْ عَلِمُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ بِالْحُجَجِ وَالْآيَاتِ. "لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً" بِكُفْرِهِمْ. "وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ" أَيْ ثَوَابَ مَا عملوه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أَيْ نَتَعَبَّدَكُمْ بِالشَّرَائِعِ وَإِنْ عَلِمْنَا عَوَاقِبَ الْأُمُورِ. وَقِيلَ: لَنُعَامِلَنَّكُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبَرِينَ. "حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ" عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "حَتَّى نَعْلَمَ" حَتَّى نُمَيِّزَ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "حَتَّى نَعْلَمَ" حتى نرى. وقد مضى في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٥٦ طبعه ثانية.]]. وقراءة العامة بالنون في "لَنَبْلُوَنَّكُمْ" و "نَعْلَمَ" "ونبلوا". وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ فِيهِنَّ. وَرَوَى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ إِسْكَانَ الْوَاوِ مِنْ "نَبْلُو" عَلَى الْقَطْعِ مِمَّا قَبْلُ. وَنَصَبَ الْبَاقُونَ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: "حَتَّى نَعْلَمَ". وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْجَزَاءُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِمْ. فَتَأْوِيلُهُ: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ عِلْمَ شَهَادَةٍ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أُمِرُوا بِالْعَمَلِ يَشْهَدُ مِنْهُمْ مَا عَمِلُوا، فَالْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَقَعُ عَلَى عِلْمِ الشَّهَادَةِ. "وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ" نَخْتَبِرُهَا وَنُظْهِرُهَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ: كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نِفَاقٌ وَشَكٌّ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. "أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ" الْأَضْغَانُ مَا يُضْمَرُ مِنَ الْمَكْرُوهِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: غِشَّهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَسَدَهُمْ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: عَدَاوَتَهُمْ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ مَا أَرَدْتُ بِمَنْطِقٍ ... سَاءَ الصَّدِيقَ وَشَيَّدَ الْأَضْغَانَا وَقِيلَ: أَحْقَادُهُمْ. وَاحِدُهَا ضِغْنٌ. قَالَ: وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: وَإِنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَفْشُو ... عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضِّغْنُ وَالضَّغِينَةُ: الْحِقْدُ. وَقَدْ ضَغِنَ عَلَيْهِ (بِالْكَسْرِ) ضِغْنًا. وَتَضَاغَنَ الْقَوْمُ وَاضْطَغَنُوا: أَبْطَنُوا عَلَى الْأَحْقَادِ. وَاضْطَغَنْتَ الصَّبِيَّ إِذَا أَخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ. وَأَنْشَدَ الْأَحْمَرُ: كَأَنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا أَيْ حَامِلُهُ فِي حِجْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: إِذَا اضْطَغَنْتُ سِلَاحِي عِنْدَ مَغْرِضِهَا ... وَمِرْفَقٍ كَرِئَاسِ السَّيْفِ إِذْ شَسَفَا [[المغرض: جانب البطن أسفل الأضلاع. و "رئاس السيف": مقبضه. و "الشاسف": اليابس من الضمر والهزال.]] وَفَرَسٌ ضَاغِنٌ لَا يُعْطِي مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجَرْيِ إِلَّا بِالضَّرْبِ. وَالْمَعْنَى: أَمْ حَسِبُوا أَنْ لَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَدَاوَتَهُمْ وَحِقْدَهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. "وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ" أَيْ لَعَرَّفْنَاكَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي سورة "براءة" [[راجع ج ٨ ص ١٩٦.]]. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَأُرِيكَ مَا أَصْنَعُ، أَيْ سَأُعْلِمُكَ، ومنه قوله تعالى:" بِما أَراكَ [[آية ١٠٥ سورة النساء.]] اللَّهُ" [النساء: ١٠٥] أَيْ بِمَا أَعْلَمَكَ. "فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ" أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ. قَالَ أَنَسٌ. مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ. وَقَدْ كُنَّا فِي غَزَاةٍ وَفِيهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَشُكُّ فِيهِمُ [[في نسخ الأصل: "يشكونهم".]] النَّاسُ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ وَعَلَى جَبْهَةِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ (هَذَا مُنَافِقٌ) فَذَلِكَ سِيمَاهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَدَّرَ اللَّهُ إِظْهَارَهُمْ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، فَحُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ وَنَكَحُوا وَأُنْكِحُوا بِهَا. "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ" أَيْ فِي فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَخَيْرُ الْكَلَامِ مَا كَانَ لَحْنًا أَيْ مَا عُرِفَ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يُصَرَّحْ بِهِ. مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ فِي الْإِعْرَابِ، وَهُوَ الذَّهَابُ عَنِ الصَّوَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:] إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ [أَيْ أَذْهَبُ بِهَا فِي الْجَوَابِ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَصْرِيفِ الْكَلَامِ. أبو زيد: لَحَنْتُ لَهُ (بِالْفَتْحِ) أَلْحَنُ لَحْنًا إِذَا قُلْتَ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ. وَلَحِنَهُ هُوَ عَنِّي (بِالْكَسْرِ) يَلْحَنُهُ لَحْنًا أَيْ فَهِمَهُ. وَأَلْحَنْتُهُ أَنَا إِيَّاهُ، وَلَاحَنْتُ النَّاسَ فَاطَنْتُهُمْ، قَالَ الْفَزَارِيُّ: وَحَدِيثٍ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا ... نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا يُرِيدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ] بِشَيْءٍ [وَهِيَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَتُعَرِّضُ فِي حَدِيثِهَا فَتُزِيلُهُ عَنْ جِهَتِهِ مِنْ فِطْنَتِهَا وَذَكَائِهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ". وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلَابِيُّ: وَلَقَدْ وَحَيْتُ [[في اللسان: "لحنت".]] لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ... وَلَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ وَقَالَ مَرَّارٌ الْأَسَدِيُّ: وَلَحَنْتُ لَحْنًا فِيهِ غِشٌّ وَرَابَنِي ... صُدُودُكِ تُرْضِينَ الْوُشَاةَ الْأَعَادِيَا قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ إِلَّا عَرَفَهُ. وَقِيلَ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِكَلَامٍ تَوَاضَعُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ الْمُعْتَادِ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَكَانَ بَعْدَ هَذَا يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِذَا سَمِعَ كَلَامَهُمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَخْفَ مُنَافِقٌ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَرَّفَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أَوْ عَلَامَةٍ عَرَفَهَا بِتَعْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ. "وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ" أَيْ لَا يخفى عليه شيء منها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ "ذَلِكَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ، أَوْ ذَلِكَ الْإِضْلَالُ وَالْهُدَى الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمَا سَبَبُهُ هَذَا. فَالْكَافِرُ اتَّبَعَ الْبَاطِلَ، وَالْمُؤْمِنُ اتَّبَعَ الْحَقَّ. وَالْبَاطِلُ: الشِّرْكُ. وَالْحَقُّ: التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ. "كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ" أَيْ كَهَذَا الْبَيَانِ الَّذِي بُيِّنَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْرَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. وَالضَّمِيرُ فِي "أَمْثالَهُمْ" يَرْجِعُ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا وَالَّذِينَ آمَنُوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نِفَاقٌ وَشَكٌّ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. "أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ" الْأَضْغَانُ مَا يُضْمَرُ مِنَ الْمَكْرُوهِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: غِشَّهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَسَدَهُمْ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: عَدَاوَتَهُمْ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ مَا أَرَدْتُ بِمَنْطِقٍ ... سَاءَ الصَّدِيقَ وَشَيَّدَ الْأَضْغَانَا وَقِيلَ: أَحْقَادُهُمْ. وَاحِدُهَا ضِغْنٌ. قَالَ: وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: وَإِنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَفْشُو ... عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضِّغْنُ وَالضَّغِينَةُ: الْحِقْدُ. وَقَدْ ضَغِنَ عَلَيْهِ (بِالْكَسْرِ) ضِغْنًا. وَتَضَاغَنَ الْقَوْمُ وَاضْطَغَنُوا: أَبْطَنُوا عَلَى الْأَحْقَادِ. وَاضْطَغَنْتَ الصَّبِيَّ إِذَا أَخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ. وَأَنْشَدَ الْأَحْمَرُ: كَأَنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا أَيْ حَامِلُهُ فِي حِجْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: إِذَا اضْطَغَنْتُ سِلَاحِي عِنْدَ مَغْرِضِهَا ... وَمِرْفَقٍ كَرِئَاسِ السَّيْفِ إِذْ شَسَفَا [[المغرض: جانب البطن أسفل الأضلاع. و "رئاس السيف": مقبضه. و "الشاسف": اليابس من الضمر والهزال.]] وَفَرَسٌ ضَاغِنٌ لَا يُعْطِي مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجَرْيِ إِلَّا بِالضَّرْبِ. وَالْمَعْنَى: أَمْ حَسِبُوا أَنْ لَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَدَاوَتَهُمْ وَحِقْدَهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. "وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ" أَيْ لَعَرَّفْنَاكَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي سورة "براءة" [[راجع ج ٨ ص ١٩٦.]]. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَأُرِيكَ مَا أَصْنَعُ، أَيْ سَأُعْلِمُكَ، ومنه قوله تعالى:" بِما أَراكَ [[آية ١٠٥ سورة النساء.]] اللَّهُ" [النساء: ١٠٥] أَيْ بِمَا أَعْلَمَكَ. "فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ" أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ. قَالَ أَنَسٌ. مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ. وَقَدْ كُنَّا فِي غَزَاةٍ وَفِيهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَشُكُّ فِيهِمُ [[في نسخ الأصل: "يشكونهم".]] النَّاسُ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ وَعَلَى جَبْهَةِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ (هَذَا مُنَافِقٌ) فَذَلِكَ سِيمَاهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَدَّرَ اللَّهُ إِظْهَارَهُمْ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، فَحُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ وَنَكَحُوا وَأُنْكِحُوا بِهَا. "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ" أَيْ فِي فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَخَيْرُ الْكَلَامِ مَا كَانَ لَحْنًا أَيْ مَا عُرِفَ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يُصَرَّحْ بِهِ. مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ فِي الْإِعْرَابِ، وَهُوَ الذَّهَابُ عَنِ الصَّوَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:] إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ [أَيْ أَذْهَبُ بِهَا فِي الْجَوَابِ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَصْرِيفِ الْكَلَامِ. أبو زيد: لَحَنْتُ لَهُ (بِالْفَتْحِ) أَلْحَنُ لَحْنًا إِذَا قُلْتَ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ. وَلَحِنَهُ هُوَ عَنِّي (بِالْكَسْرِ) يَلْحَنُهُ لَحْنًا أَيْ فَهِمَهُ. وَأَلْحَنْتُهُ أَنَا إِيَّاهُ، وَلَاحَنْتُ النَّاسَ فَاطَنْتُهُمْ، قَالَ الْفَزَارِيُّ: وَحَدِيثٍ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا ... نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا يُرِيدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ] بِشَيْءٍ [وَهِيَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَتُعَرِّضُ فِي حَدِيثِهَا فَتُزِيلُهُ عَنْ جِهَتِهِ مِنْ فِطْنَتِهَا وَذَكَائِهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ". وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلَابِيُّ: وَلَقَدْ وَحَيْتُ [[في اللسان: "لحنت".]] لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ... وَلَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ وَقَالَ مَرَّارٌ الْأَسَدِيُّ: وَلَحَنْتُ لَحْنًا فِيهِ غِشٌّ وَرَابَنِي ... صُدُودُكِ تُرْضِينَ الْوُشَاةَ الْأَعَادِيَا قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ إِلَّا عَرَفَهُ. وَقِيلَ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِكَلَامٍ تَوَاضَعُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ الْمُعْتَادِ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَكَانَ بَعْدَ هَذَا يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِذَا سَمِعَ كَلَامَهُمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَخْفَ مُنَافِقٌ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَرَّفَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أَوْ عَلَامَةٍ عَرَفَهَا بِتَعْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ. "وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ" أَيْ لَا يخفى عليه شيء منها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ﴾ أَيْ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ. "بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ كِتْمَانُهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَضْمَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ. "وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ" يَعْنِي الْإِيمَانَ. "فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ" أَيْ مَا عَمِلُوهُ مِنْ صَدَقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، على ما تقدم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ﴾ أَيْ فَكَيْفَ تَكُونُ حَالُهُمْ. "إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ" أَيْ ضَارِبِينَ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ التَّخْوِيفُ وَالتَّهْدِيدُ، أَيْ إِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فَإِلَى انْقِضَاءِ العمر. وقد مضى في "الأنفال والنحل" [[راجع ج ٨ ص ٢٨ وج ١٠ ص ٩٩]]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُتَوَفَّى أَحَدٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا بِضَرْبٍ شَدِيدٍ لِوَجْهِهِ وَقَفَاهُ. وَقِيلَ: ذلك عند القتال نصرة لرسول الله ﷺ، بِضَرْبِ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ عِنْدَ الطَّلَبِ وَأَدْبَارَهَمْ عِنْدَ الْهَرَبِ. وَقِيلَ: ذَلِكَ في القيامة عند سوقهم إلى النار.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا﴾ أَيْ ذَلِكَ الْإِمْلَاءُ لَهُمْ حَتَّى يَتَمَادَوْا فِي الْكُفْرِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ. "لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نزل الله" وَهُمْ مُشْرِكُونَ "سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ" أَيْ فِي مُخَالَفَةِ مُحَمَّدٍ وَالتَّظَاهُرِ عَلَى عَدَاوَتِهِ، وَالْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ مَعَهُ وَتَوْهِينِ أَمْرِهِ فِي السِّرِّ. وَهُمْ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ سِرًّا فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "أَسْرَارَهُمْ" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، جَمْعُ سِرٍّ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ "إِسْرارَهُمْ" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَصْدَرِ، نَحْوُ قوله تعالى: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾[[آية ٩ سورة نوح.]] [نوح: ٩] جمع لاختلاف ضروب السر.
قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بعد ما عَرَفُوا نَعْتَهُ عِنْدَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، قَعَدُوا عن القتال بعد ما عَلِمُوهُ فِي الْقُرْآنِ. "الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ" أَيْ زَيَّنَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، قَالَهُ الْحَسَنُ. "وَأَمْلى لَهُمْ" أَيْ مَدَّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي الْأَمَلِ وَوَعَدَهُمْ طُولَ الْعُمُرِ، عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْلَى لَهُمْ فِي الْأَمَلِ وَمَدَّ فِي آجَالِهِمْ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْمُفَضَّلُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: إِنَّ مَعْنًى "أَمْلى لَهُمْ" أَمْهَلَهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى أَمْلَى لَهُمْ بِالْإِمْهَالِ فِي عَذَابِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ "وَأَمْلى لَهُمْ" بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ هُرْمُزٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْجَحْدَرِيُّ وَيَعْقُوبُ، إِلَّا أَنَّهُمْ سَكَّنُوا الْيَاءَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنَا أُمْلِي لَهُمْ. وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: لِأَنَّ فتح الهمزة يوهم أن الشيطان يُمْلِي لَهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلِهَذَا عَدَلَ إِلَى الضَّمِّ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ "وَأَمْلَى لَهُمْ" فَالْفَاعِلُ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ الشَّيْطَانُ. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ قِرَاءَةَ الْعَامَّةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُومٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾[[آية ٩ سورة الفتح.]] [الفتح: ٩] رَدَّ التَّسْبِيحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَالتَّوْقِيرَ وَالتَّعْزِيرَ على اسم الرسول.
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى "إِنْ تَوَلَّيْتُمْ" فَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوِلَايَةِ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِأَخْذِ الرِّشَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَمْرَ الْأُمَّةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ. وَقَالَ كَعْبٌ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْأَمْرَ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ الْحَرَامِ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. وَقِيلَ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" أَيْ فَلَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَهُ أَنْ تُفْسِدُوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرى بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٣ ص ٢٤٤]]. وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: قُرَيْشٌ. وَنَحْوَهُ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْفَرَّاءُ، قَالَا: نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي هَاشِمٍ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:] فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ"- ثُمَّ قَالَ- هُمْ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِنْ وَلُوا النَّاسَ أَلَّا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا يَقْطَعُوا أَرْحَامَهُمْ [. وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ "إِنْ تُوُلِّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ" بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَرَوَاهَا رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ. يَقُولُ: إِنْ وَلِيَتْكُمْ وُلَاةٌ جَائِرَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَحَارَبْتُمُوهُمْ. "وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ" بِالْبَغْيِ وَالظُّلْمِ وَالْقَتْلِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَسَلَّامٌ وَعِيسَى وَأَبُو حَاتِمٍ "وَتُقَطِّعُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، مِنَ الْقَطْعِ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾[[آية ٢٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٧]. وَرَوَى هَذِهِ الْقِرَاءَةَ هَارُونُ عَنْ أَبَى عَمْرٍو. وَقَرَأَ الْحَسَنُ "وَتُقَطِّعُوا" مَفْتُوحَةَ الْحُرُوفِ مُشَدَّدَةً، اعْتِبَارًا بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾[[آية ٩٣ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٩٣]. الْبَاقُونَ "وَتُقَطِّعُوا" بِضَمِّ التَّاءِ مُشَدَّدَةَ الطَّاءِ، مِنَ التَّقْطِيعِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وتقدم ذكر ﴿عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ١ ص ٢٤٦ وج ٣ ص ٢٤٤.]]. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ: لَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ "عَسِيَ" بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَسِيتُ بالكسر. وقرى "فَهَلْ عَسِيتُمْ" بِالْكَسْرِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ١ ص ٢٤٦ وج ٣ ص ٢٤٤.]]. "أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" أَيْ طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ. "فَأَصَمَّهُمْ" عَنِ الْحَقِّ. "وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ" أَيْ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْخَيْرِ. فَأَتْبَعَ الْأَخْبَارَ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَقَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُ، وَسَلَبَهُ الِانْتِفَاعَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ حَتَّى لَا يَنْقَادَ لِلْحَقِّ وَإِنْ سَمِعَهُ، فَجَعَلَهُ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ. وَقَالَ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" ثُمَّ قَالَ: "أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" فَرَجَعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أَيْ يَتَفَهَّمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَنِ الْإِسْلَامِ. "أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" أَيْ بَلْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالٌ أَقْفَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ مَذْهَبَهُمْ. وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:] إِنَّ عَلَيْهَا أَقْفَالًا كَأَقْفَالِ الْحَدِيدِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يَفْتَحُهَا [. وَأَصْلُ الْقَفْلِ الْيُبْسُ وَالصَّلَابَةُ. وَيُقَالُ لِمَا يَبِسَ مِنَ الشَّجَرِ: الْقَفْلُ. وَالْقَفِيلُ مِثْلُهُ. وَالْقَفِيلُ أَيْضًا نَبْتٌ. وَالْقَفِيلُ: الصَّوْتُ. قَالَ الرَّاجِزُ: لَمَّا أَتَاكَ يَابِسًا قِرْشَبَّا ... قُمْتَ إِلَيْهِ بِالْقَفِيلِ ضَرْبَا كَيْفَ قَرَيْتَ شَيْخَكَ الْأَزَبَّا [[ج ٣ ص ٤ (٢٤٤) الأزب (بالفتح والتشديد): الكثير الشعر.]] الْقِرْشَبُّ (بِكَسْرِ الْقَافِ): الْمُسِنُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ. وَأَقْفَلَهُ الصَّوْمُ أَيْ أَيْبَسَهُ، قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ. فَالْأَقْفَالُ ها هنا إشارة إلى ارتتاج الْقَلْبِ وَخُلُوِّهِ عَنِ الْإِيمَانِ أَيْ لَا يَدْخُلُ قُلُوبَهُمُ الْإِيمَانُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْكُفْرُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَقَالَ: "عَلى قُلُوبٍ" لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ قَلْبُ غَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَالْمُرَادُ أَمْ عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ وَقُلُوبِ مَنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَقْفَالُهَا. الثَّالِثَةُ- فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:] إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَذَاكَ لَكِ- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" [. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْآيَةِ فَلَعَلَّكُمْ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْكُمْ، إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ أَنْ تَعُودُوا إِلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لِسَفْكِ الدِّمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى! أَلَمْ يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ الْحَرَامَ وَيَقْطَعُوا الْأَرْحَامَ وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ. فَالرَّحِمُ عَلَى هَذَا رَحِمُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّتِي قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ إِخْوَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [[آية ١٠ سورة الحجرات.]]. وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَالْمُرَادُ مَنْ أَضْمَرَ مِنْهُمْ نِفَاقًا، فَأَشَارَ بِقَطْعِ الرَّحِمِ إِلَى مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْقَرَابَةِ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ. وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقِتَالَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّحِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدين، ويجب مُوَاصَلَتَهَا بِمُلَازَمَةِ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ لِأَهْلِهِ وَنُصْرَتِهِمْ، وَالنَّصِيحَةِ وَتَرْكِ مُضَارَّتِهِمْ وَالْعَدْلَ بَيْنَهُمْ، وَالنَّصَفَةَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمُ الْوَاجِبَةِ، كَتَمْرِيضِ الْمَرْضَى وَحُقُوقِ الْمَوْتَى مِنْ غُسْلِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَدَفْنِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ] الْحُقُوقِ [الْمُتَرَتِّبَةِ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ وَهِيَ رَحِمُ الْقَرَابَةِ مِنْ طَرَفَيِ الرَّجُلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَتَجِبُ لَهُمُ الْحُقُوقُ الْخَاصَّةِ وَزِيَادَةٌ، كَالنَّفَقَةِ وتفقد أحوالهم، وَتَرْكِ التَّغَافُلُ عَنْ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ ضَرُورَاتِهِمْ، وَتَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ حُقُوقُ الرَّحِمِ الْعَامَّةُ، حَتَّى إِذَا تَزَاحَمَتِ الْحُقُوقُ بُدِئَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الرَّحِمَ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا هِيَ كُلُّ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ وَبَنِي الْأَخْوَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا فِي كُلِّ رَحِمٍ مِمَّنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمَوَارِيثِ، مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ. فَيُخْرَجُ مِنْ هَذَا أَنَّ رَحِمَ الْأُمِّ الَّتِي لَا يَتَوَارَثُ بِهَا لَا تَجِبُ صِلَتُهُمْ وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُمْ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْمَلُهُ وَيَعُمُّهُ الرَّحِمُ تَجِبُ صِلَتُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قُرْبَةً وَدِينِيَّةً، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا والله أعلم. وقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:] إِنَّ لِلرَّحِمِ لِسَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ يَقُولُ يَا رَبِّ قُطِعْتُ يَا رَبِّ ظُلِمْتُ يَا رب أسئ إِلَيَّ فَيُجِيبُهَا رَبُّهَا أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ [. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:] لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ [. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ ... [ "خَلَقَ" بِمَعْنَى اخْتَرَعَ وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ، كَمَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص (٢٢٦)]]. وَالْخَلْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [[آية ١١ سورة لقمان.]] أَيْ مَخْلُوقُهُ. وَمَعْنَى] فَرَغَ مِنْهُمْ [كَمَّلَ خَلْقَهُمْ. لَا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهِمْ ثُمَّ فَرَغَ مِنْ شُغْلِهِ بِهِمْ، إِذْ لَيْسَ. فِعْلُهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ، وَلَا خَلْقَهُ بِآلَةٍ وَلَا مُحَاوَلَةٍ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ:] قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ [يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَقَامَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الرَّحِمِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ مَنْ يُنَاضِلُ عَنْهَا وَيَكْتُبُ ثَوَابَ مَنْ وَصَلَهَا وَوِزْرَ مَنْ قَطَعَهَا، كَمَا وَكَّلَ اللَّهُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ كِرَامًا كَاتِبِينَ، وَبِمُشَاهَدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ملائكة متعاقبين. وثانيهما- (هامش) أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّمْثِيلِ الْمُفْهِمِ لِلْإِعْيَاءِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ هَذَا الْكَلَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ- ثُمَّ قَالَ- وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [[آية ٢١ سورة الحشر.]]. وَقَوْلُهُ:] فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ [مَقْصُودُ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِتَأَكُّدِ أَمْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ نَزَّلَهَا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَخِفَارَتِهِ» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْذُولٍ وَعَهْدُهُ غَيْرُ مَنْقُوضٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ مُخَاطِبًا لِلرَّحِمِ:] أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ [. وَهَذَا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ بِذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكُهُ ثُمَّ يَكُبُّهُ فِي النَّارِ على وجهه [.
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى "إِنْ تَوَلَّيْتُمْ" فَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوِلَايَةِ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِأَخْذِ الرِّشَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَمْرَ الْأُمَّةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ. وَقَالَ كَعْبٌ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْأَمْرَ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ الْحَرَامِ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. وَقِيلَ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" أَيْ فَلَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَهُ أَنْ تُفْسِدُوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرى بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٣ ص ٢٤٤]]. وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: قُرَيْشٌ. وَنَحْوَهُ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْفَرَّاءُ، قَالَا: نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي هَاشِمٍ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:] فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ"- ثُمَّ قَالَ- هُمْ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِنْ وَلُوا النَّاسَ أَلَّا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا يَقْطَعُوا أَرْحَامَهُمْ [. وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ "إِنْ تُوُلِّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ" بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَرَوَاهَا رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ. يَقُولُ: إِنْ وَلِيَتْكُمْ وُلَاةٌ جَائِرَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَحَارَبْتُمُوهُمْ. "وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ" بِالْبَغْيِ وَالظُّلْمِ وَالْقَتْلِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَسَلَّامٌ وَعِيسَى وَأَبُو حَاتِمٍ "وَتُقَطِّعُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، مِنَ الْقَطْعِ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾[[آية ٢٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٧]. وَرَوَى هَذِهِ الْقِرَاءَةَ هَارُونُ عَنْ أَبَى عَمْرٍو. وَقَرَأَ الْحَسَنُ "وَتُقَطِّعُوا" مَفْتُوحَةَ الْحُرُوفِ مُشَدَّدَةً، اعْتِبَارًا بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾[[آية ٩٣ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٩٣]. الْبَاقُونَ "وَتُقَطِّعُوا" بِضَمِّ التَّاءِ مُشَدَّدَةَ الطَّاءِ، مِنَ التَّقْطِيعِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وتقدم ذكر ﴿عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ١ ص ٢٤٦ وج ٣ ص ٢٤٤.]]. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ: لَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ "عَسِيَ" بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَسِيتُ بالكسر. وقرى "فَهَلْ عَسِيتُمْ" بِالْكَسْرِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ١ ص ٢٤٦ وج ٣ ص ٢٤٤.]]. "أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" أَيْ طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ. "فَأَصَمَّهُمْ" عَنِ الْحَقِّ. "وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ" أَيْ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْخَيْرِ. فَأَتْبَعَ الْأَخْبَارَ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَقَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُ، وَسَلَبَهُ الِانْتِفَاعَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ حَتَّى لَا يَنْقَادَ لِلْحَقِّ وَإِنْ سَمِعَهُ، فَجَعَلَهُ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ. وَقَالَ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" ثُمَّ قَالَ: "أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" فَرَجَعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أَيْ يَتَفَهَّمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَنِ الْإِسْلَامِ. "أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" أَيْ بَلْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالٌ أَقْفَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ مَذْهَبَهُمْ. وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:] إِنَّ عَلَيْهَا أَقْفَالًا كَأَقْفَالِ الْحَدِيدِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يَفْتَحُهَا [. وَأَصْلُ الْقَفْلِ الْيُبْسُ وَالصَّلَابَةُ. وَيُقَالُ لِمَا يَبِسَ مِنَ الشَّجَرِ: الْقَفْلُ. وَالْقَفِيلُ مِثْلُهُ. وَالْقَفِيلُ أَيْضًا نَبْتٌ. وَالْقَفِيلُ: الصَّوْتُ. قَالَ الرَّاجِزُ: لَمَّا أَتَاكَ يَابِسًا قِرْشَبَّا ... قُمْتَ إِلَيْهِ بِالْقَفِيلِ ضَرْبَا كَيْفَ قَرَيْتَ شَيْخَكَ الْأَزَبَّا [[ج ٣ ص ٤ (٢٤٤) الأزب (بالفتح والتشديد): الكثير الشعر.]] الْقِرْشَبُّ (بِكَسْرِ الْقَافِ): الْمُسِنُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ. وَأَقْفَلَهُ الصَّوْمُ أَيْ أَيْبَسَهُ، قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ. فَالْأَقْفَالُ ها هنا إشارة إلى ارتتاج الْقَلْبِ وَخُلُوِّهِ عَنِ الْإِيمَانِ أَيْ لَا يَدْخُلُ قُلُوبَهُمُ الْإِيمَانُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْكُفْرُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَقَالَ: "عَلى قُلُوبٍ" لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ قَلْبُ غَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَالْمُرَادُ أَمْ عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ وَقُلُوبِ مَنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَقْفَالُهَا. الثَّالِثَةُ- فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:] إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَذَاكَ لَكِ- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" [. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْآيَةِ فَلَعَلَّكُمْ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْكُمْ، إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ أَنْ تَعُودُوا إِلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لِسَفْكِ الدِّمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى! أَلَمْ يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ الْحَرَامَ وَيَقْطَعُوا الْأَرْحَامَ وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ. فَالرَّحِمُ عَلَى هَذَا رَحِمُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّتِي قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ إِخْوَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [[آية ١٠ سورة الحجرات.]]. وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَالْمُرَادُ مَنْ أَضْمَرَ مِنْهُمْ نِفَاقًا، فَأَشَارَ بِقَطْعِ الرَّحِمِ إِلَى مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْقَرَابَةِ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ. وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقِتَالَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّحِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدين، ويجب مُوَاصَلَتَهَا بِمُلَازَمَةِ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ لِأَهْلِهِ وَنُصْرَتِهِمْ، وَالنَّصِيحَةِ وَتَرْكِ مُضَارَّتِهِمْ وَالْعَدْلَ بَيْنَهُمْ، وَالنَّصَفَةَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمُ الْوَاجِبَةِ، كَتَمْرِيضِ الْمَرْضَى وَحُقُوقِ الْمَوْتَى مِنْ غُسْلِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَدَفْنِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ] الْحُقُوقِ [الْمُتَرَتِّبَةِ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ وَهِيَ رَحِمُ الْقَرَابَةِ مِنْ طَرَفَيِ الرَّجُلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَتَجِبُ لَهُمُ الْحُقُوقُ الْخَاصَّةِ وَزِيَادَةٌ، كَالنَّفَقَةِ وتفقد أحوالهم، وَتَرْكِ التَّغَافُلُ عَنْ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ ضَرُورَاتِهِمْ، وَتَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ حُقُوقُ الرَّحِمِ الْعَامَّةُ، حَتَّى إِذَا تَزَاحَمَتِ الْحُقُوقُ بُدِئَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الرَّحِمَ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا هِيَ كُلُّ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ وَبَنِي الْأَخْوَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا فِي كُلِّ رَحِمٍ مِمَّنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمَوَارِيثِ، مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ. فَيُخْرَجُ مِنْ هَذَا أَنَّ رَحِمَ الْأُمِّ الَّتِي لَا يَتَوَارَثُ بِهَا لَا تَجِبُ صِلَتُهُمْ وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُمْ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْمَلُهُ وَيَعُمُّهُ الرَّحِمُ تَجِبُ صِلَتُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قُرْبَةً وَدِينِيَّةً، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا والله أعلم. وقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:] إِنَّ لِلرَّحِمِ لِسَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ يَقُولُ يَا رَبِّ قُطِعْتُ يَا رَبِّ ظُلِمْتُ يَا رب أسئ إِلَيَّ فَيُجِيبُهَا رَبُّهَا أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ [. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:] لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ [. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ ... [ "خَلَقَ" بِمَعْنَى اخْتَرَعَ وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ، كَمَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص (٢٢٦)]]. وَالْخَلْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [[آية ١١ سورة لقمان.]] أَيْ مَخْلُوقُهُ. وَمَعْنَى] فَرَغَ مِنْهُمْ [كَمَّلَ خَلْقَهُمْ. لَا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهِمْ ثُمَّ فَرَغَ مِنْ شُغْلِهِ بِهِمْ، إِذْ لَيْسَ. فِعْلُهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ، وَلَا خَلْقَهُ بِآلَةٍ وَلَا مُحَاوَلَةٍ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ:] قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ [يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَقَامَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الرَّحِمِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ مَنْ يُنَاضِلُ عَنْهَا وَيَكْتُبُ ثَوَابَ مَنْ وَصَلَهَا وَوِزْرَ مَنْ قَطَعَهَا، كَمَا وَكَّلَ اللَّهُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ كِرَامًا كَاتِبِينَ، وَبِمُشَاهَدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ملائكة متعاقبين. وثانيهما- (هامش) أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّمْثِيلِ الْمُفْهِمِ لِلْإِعْيَاءِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ هَذَا الْكَلَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ- ثُمَّ قَالَ- وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [[آية ٢١ سورة الحشر.]]. وَقَوْلُهُ:] فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ [مَقْصُودُ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِتَأَكُّدِ أَمْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ نَزَّلَهَا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَخِفَارَتِهِ» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْذُولٍ وَعَهْدُهُ غَيْرُ مَنْقُوضٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ مُخَاطِبًا لِلرَّحِمِ:] أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ [. وَهَذَا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ بِذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكُهُ ثُمَّ يَكُبُّهُ فِي النَّارِ على وجهه [.
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى "إِنْ تَوَلَّيْتُمْ" فَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوِلَايَةِ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِأَخْذِ الرِّشَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَمْرَ الْأُمَّةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ. وَقَالَ كَعْبٌ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْأَمْرَ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ الْحَرَامِ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. وَقِيلَ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" أَيْ فَلَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَهُ أَنْ تُفْسِدُوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرى بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٣ ص ٢٤٤]]. وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: قُرَيْشٌ. وَنَحْوَهُ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْفَرَّاءُ، قَالَا: نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي هَاشِمٍ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:] فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ"- ثُمَّ قَالَ- هُمْ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِنْ وَلُوا النَّاسَ أَلَّا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا يَقْطَعُوا أَرْحَامَهُمْ [. وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ "إِنْ تُوُلِّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ" بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَرَوَاهَا رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ. يَقُولُ: إِنْ وَلِيَتْكُمْ وُلَاةٌ جَائِرَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَحَارَبْتُمُوهُمْ. "وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ" بِالْبَغْيِ وَالظُّلْمِ وَالْقَتْلِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَسَلَّامٌ وَعِيسَى وَأَبُو حَاتِمٍ "وَتُقَطِّعُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، مِنَ الْقَطْعِ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾[[آية ٢٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٧]. وَرَوَى هَذِهِ الْقِرَاءَةَ هَارُونُ عَنْ أَبَى عَمْرٍو. وَقَرَأَ الْحَسَنُ "وَتُقَطِّعُوا" مَفْتُوحَةَ الْحُرُوفِ مُشَدَّدَةً، اعْتِبَارًا بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾[[آية ٩٣ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٩٣]. الْبَاقُونَ "وَتُقَطِّعُوا" بِضَمِّ التَّاءِ مُشَدَّدَةَ الطَّاءِ، مِنَ التَّقْطِيعِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وتقدم ذكر ﴿عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ١ ص ٢٤٦ وج ٣ ص ٢٤٤.]]. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ: لَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ "عَسِيَ" بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَسِيتُ بالكسر. وقرى "فَهَلْ عَسِيتُمْ" بِالْكَسْرِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ١ ص ٢٤٦ وج ٣ ص ٢٤٤.]]. "أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" أَيْ طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ. "فَأَصَمَّهُمْ" عَنِ الْحَقِّ. "وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ" أَيْ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْخَيْرِ. فَأَتْبَعَ الْأَخْبَارَ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَقَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُ، وَسَلَبَهُ الِانْتِفَاعَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ حَتَّى لَا يَنْقَادَ لِلْحَقِّ وَإِنْ سَمِعَهُ، فَجَعَلَهُ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ. وَقَالَ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" ثُمَّ قَالَ: "أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" فَرَجَعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أَيْ يَتَفَهَّمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَنِ الْإِسْلَامِ. "أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" أَيْ بَلْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالٌ أَقْفَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ مَذْهَبَهُمْ. وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:] إِنَّ عَلَيْهَا أَقْفَالًا كَأَقْفَالِ الْحَدِيدِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يَفْتَحُهَا [. وَأَصْلُ الْقَفْلِ الْيُبْسُ وَالصَّلَابَةُ. وَيُقَالُ لِمَا يَبِسَ مِنَ الشَّجَرِ: الْقَفْلُ. وَالْقَفِيلُ مِثْلُهُ. وَالْقَفِيلُ أَيْضًا نَبْتٌ. وَالْقَفِيلُ: الصَّوْتُ. قَالَ الرَّاجِزُ: لَمَّا أَتَاكَ يَابِسًا قِرْشَبَّا ... قُمْتَ إِلَيْهِ بِالْقَفِيلِ ضَرْبَا كَيْفَ قَرَيْتَ شَيْخَكَ الْأَزَبَّا [[ج ٣ ص ٤ (٢٤٤) الأزب (بالفتح والتشديد): الكثير الشعر.]] الْقِرْشَبُّ (بِكَسْرِ الْقَافِ): الْمُسِنُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ. وَأَقْفَلَهُ الصَّوْمُ أَيْ أَيْبَسَهُ، قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ. فَالْأَقْفَالُ ها هنا إشارة إلى ارتتاج الْقَلْبِ وَخُلُوِّهِ عَنِ الْإِيمَانِ أَيْ لَا يَدْخُلُ قُلُوبَهُمُ الْإِيمَانُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْكُفْرُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَقَالَ: "عَلى قُلُوبٍ" لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ قَلْبُ غَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَالْمُرَادُ أَمْ عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ وَقُلُوبِ مَنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَقْفَالُهَا. الثَّالِثَةُ- فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:] إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَذَاكَ لَكِ- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" [. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْآيَةِ فَلَعَلَّكُمْ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْكُمْ، إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ أَنْ تَعُودُوا إِلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لِسَفْكِ الدِّمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى! أَلَمْ يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ الْحَرَامَ وَيَقْطَعُوا الْأَرْحَامَ وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ. فَالرَّحِمُ عَلَى هَذَا رَحِمُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّتِي قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ إِخْوَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [[آية ١٠ سورة الحجرات.]]. وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَالْمُرَادُ مَنْ أَضْمَرَ مِنْهُمْ نِفَاقًا، فَأَشَارَ بِقَطْعِ الرَّحِمِ إِلَى مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْقَرَابَةِ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ. وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقِتَالَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّحِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدين، ويجب مُوَاصَلَتَهَا بِمُلَازَمَةِ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ لِأَهْلِهِ وَنُصْرَتِهِمْ، وَالنَّصِيحَةِ وَتَرْكِ مُضَارَّتِهِمْ وَالْعَدْلَ بَيْنَهُمْ، وَالنَّصَفَةَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمُ الْوَاجِبَةِ، كَتَمْرِيضِ الْمَرْضَى وَحُقُوقِ الْمَوْتَى مِنْ غُسْلِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَدَفْنِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ] الْحُقُوقِ [الْمُتَرَتِّبَةِ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ وَهِيَ رَحِمُ الْقَرَابَةِ مِنْ طَرَفَيِ الرَّجُلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَتَجِبُ لَهُمُ الْحُقُوقُ الْخَاصَّةِ وَزِيَادَةٌ، كَالنَّفَقَةِ وتفقد أحوالهم، وَتَرْكِ التَّغَافُلُ عَنْ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ ضَرُورَاتِهِمْ، وَتَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ حُقُوقُ الرَّحِمِ الْعَامَّةُ، حَتَّى إِذَا تَزَاحَمَتِ الْحُقُوقُ بُدِئَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الرَّحِمَ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا هِيَ كُلُّ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ وَبَنِي الْأَخْوَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا فِي كُلِّ رَحِمٍ مِمَّنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمَوَارِيثِ، مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ. فَيُخْرَجُ مِنْ هَذَا أَنَّ رَحِمَ الْأُمِّ الَّتِي لَا يَتَوَارَثُ بِهَا لَا تَجِبُ صِلَتُهُمْ وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُمْ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْمَلُهُ وَيَعُمُّهُ الرَّحِمُ تَجِبُ صِلَتُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قُرْبَةً وَدِينِيَّةً، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا والله أعلم. وقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:] إِنَّ لِلرَّحِمِ لِسَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ يَقُولُ يَا رَبِّ قُطِعْتُ يَا رَبِّ ظُلِمْتُ يَا رب أسئ إِلَيَّ فَيُجِيبُهَا رَبُّهَا أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ [. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:] لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ [. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ ... [ "خَلَقَ" بِمَعْنَى اخْتَرَعَ وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ، كَمَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص (٢٢٦)]]. وَالْخَلْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [[آية ١١ سورة لقمان.]] أَيْ مَخْلُوقُهُ. وَمَعْنَى] فَرَغَ مِنْهُمْ [كَمَّلَ خَلْقَهُمْ. لَا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهِمْ ثُمَّ فَرَغَ مِنْ شُغْلِهِ بِهِمْ، إِذْ لَيْسَ. فِعْلُهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ، وَلَا خَلْقَهُ بِآلَةٍ وَلَا مُحَاوَلَةٍ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ:] قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ [يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَقَامَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الرَّحِمِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ مَنْ يُنَاضِلُ عَنْهَا وَيَكْتُبُ ثَوَابَ مَنْ وَصَلَهَا وَوِزْرَ مَنْ قَطَعَهَا، كَمَا وَكَّلَ اللَّهُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ كِرَامًا كَاتِبِينَ، وَبِمُشَاهَدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ملائكة متعاقبين. وثانيهما- (هامش) أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّمْثِيلِ الْمُفْهِمِ لِلْإِعْيَاءِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ هَذَا الْكَلَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ- ثُمَّ قَالَ- وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [[آية ٢١ سورة الحشر.]]. وَقَوْلُهُ:] فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ [مَقْصُودُ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِتَأَكُّدِ أَمْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ نَزَّلَهَا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَخِفَارَتِهِ» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْذُولٍ وَعَهْدُهُ غَيْرُ مَنْقُوضٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ مُخَاطِبًا لِلرَّحِمِ:] أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ [. وَهَذَا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ بِذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكُهُ ثُمَّ يَكُبُّهُ فِي النَّارِ على وجهه [.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ المخلصون. "لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ" اشْتِيَاقًا لِلْوَحْيِ وَحِرْصًا عَلَى الْجِهَادِ وثوابه. ومعنى "لَوْلا" هَلَّا. "فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ" لَا نَسْخَ فِيهَا. قَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيهَا الْجِهَادُ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهِيَ أَشَدُّ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ "فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ" أَيْ مُحْدَثَةُ النُّزُولِ. "وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ" أي فرض فيها الجهاد. وقرى "فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ وَذَكَرَ فِيهَا الْقِتَالَ" عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْقِتَالِ. "رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" أَيْ شَكٌّ وَنِفَاقٌ. "يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ" أَيْ نَظَرُ مَغْمُوصِينَ مُغْتَاظِينَ بِتَحْدِيدٍ وَتَحْدِيقٍ، كَمَنْ يَشْخَصُ بَصَرُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ لِجُبْنِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ جَزَعًا وَهَلَعًا، وَلِمَيْلِهِمْ فِي السِّرِّ إِلَى الْكُفَّارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْلى لَهُمْ. طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ "فَأَوْلَى لهم" قال الجوهري: وقولهم: أولى لك، تهدد وَوَعِيدٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ... وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَعْنَاهُ قَارَبَهُ مَا يُهْلِكُهُ، أَيْ نَزَلَ بِهِ. وَأَنْشَدَ: فَعَادَى بَيْنَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وَأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ أَيْ قَارَبَ أَنْ يَزِيدَ. قَالَ ثَعْلَبٌ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ في "فَأَوْلى " أَحْسَنَ مِمَّا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ لِمَنْ هَمَّ بِالْعَطَبِ ثُمَّ أَفْلَتَ: أَوْلَى لَكَ، أَيْ قَارَبْتَ الْعَطَبَ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا كان يوالي رمي الصيد فيفلت منه ليقول: أَوْلَى لَكَ. ثُمَّ رَمَى صَيْدًا فَقَارَبَهُ ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ فَقَالَ: فَلَوْ كَانَ أَوْلَى يُطْعِمُ الْقَوْمَ صِدْتُهُمْ ... وَلَكِنَّ أَوْلَى يَتْرُكُ الْقَوْمَ جُوَّعَا وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: يَا مَحْرُومُ، أَيُّ شَيْءٍ فَاتَكَ! وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَيْلِ، فَهُوَ أَفْعَلُ، وَلَكِنْ فِيهِ قَلْبٌ، وَهُوَ أَنَّ عَيْنَ الْفِعْلِ وَقَعَ مَوْقِعَ اللَّامِ. وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: "فَأَوْلى لَهُمْ". قَالَ قَتَادَةُ: كَأَنَّهُ قَالَ الْعِقَابَ أَوْلَى لَهُمْ. وَقِيلَ: أَيْ وَلِيَهُمُ الْمَكْرُوهُ. ثُمَّ قَالَ: "طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ" أَيْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أَمْثَلُ وَأَحْسَنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ. وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ أَمْرُنَا طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ فَيُوقَفُ عَلَى "فَأَوْلى لَهُمْ". وَكَذَا مَنْ قَدَّرَ يَقُولُونَ مِنَّا طَاعَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالْأُولَى. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ "لَهُمْ" بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيِ الطَّاعَةُ أَوْلَى وَأَلْيَقُ بِهِمْ، وَأَحَقُّ لَهُمْ مِنْ تَرْكِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ "يَقُولُونَ طاعَةٌ". وَقِيلَ: إِنَّ "طَاعَةٌ" نعت ل "سورة"، عَلَى تَقْدِيرِ: فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ذَاتُ طَاعَةٍ، فَلَا يُوقَفُ عَلَى هَذَا عَلَى "فَأَوْلى لَهُمْ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْلَهُمْ "طَاعَةٌ" إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. وَالْمَعْنَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، قِيلَ وُجُوبُ الْفَرَائِضِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أُنْزِلَتِ الْفَرَائِضُ شَقَّ عَلَيْهِمْ نُزُولُهَا. فَيُوقَفُ عَلَى هَذَا عَلَى "فَأَوْلى ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أَيْ جَدَّ الْقِتَالُ، أَوْ وجب فرض القتال، كرهوه. فكرهوه جواب "فَإِذا" وَهُوَ مَحْذُوفٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَإِذَا عَزَمَ أَصْحَابُ الامر. "فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ" أَيْ فِي الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ. "لَكانَ خَيْراً لَهُمْ" من المعصية والمخالفة.