منَعَهم الفقرُ عن الحَرَاك فالتمسوا من الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن يحملهم معه ويهيئ أسبابهم، ولم يكن في الحال للرسول عليه السلام سَعَةٌ ليوافقَ سُؤْلَهم، وفي حالة ضيق صدره- صلى الله عليه وسلم- حَلَفَ إنه لا يَحْمِلُهم، ثم رآهم صلى الله عليه وسلم يتأهبون للخروج، وقالوا في ذلك، فقال عليه السلام: «إنما يحملكم الله». فلمَّا رَدَّهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الإجابة في أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} كما قال قائلهم: قال لي مَنْ أُحِبُّ والبيْن قد *** حَلَّ ودمعي مرافِقٌ لشهيقي ما تُرى في الطريق تصنع بعدي *** قلتُ: أبكي عليك طول الطريق قوله: {حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} شقَّ عليهم أنْ يكونَ على قلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- بسببهم شُغْلٌ فَتَمَنَّوْا أن لو أُزِيجَ هذا الشغلُ، لا ميلاً إلى الدنيا ولكن لئلا تعودَ إِلى قلبه- عليه السلام- مِنْ قِبَلِهم كراهةً، ولهذا قيل: مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديقِ لِقاؤه *** وأخو الحوائجِ مُمْجِجُ مَمْلولُ ثم إنَّ الحقَّ- سبحانه- لمَّا عَلِمَ ذلك منهم، وتمحضت قلوبُهم للتعلُّق بالله، وخَلَتْ عقائدُهم عن مُساكنةِ مخلوقِ تَدَارَكَ اللهُ أحوالَهم؛ فأمر اللهُ رسوله عليه السلام أَنْ يَحْمِلَهم.. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه، فقال: {وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28].