{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)} {فَسَجَدَ الملائكة} أي فخلقه فسواه فنفخ فيه من روحه فسجد له الملائكة {كُلُّهُمْ} بحيث لم يشذ منهم أحد {أَجْمَعُونَ} بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد بل أوقعوا الفعل مجتمعين في وقت واحد، هذا على ما ذهب إليه الفراء والمبرد من دلالة أجميع على الاجتماع في وقت الفعل، وقال البصريون: انها ككل لافادة العموم مطلقًا. ومن هنا منع تعاطفما فلا يقال جاء القوم كلهما وأجمعون وردوا على ذلك بقوله تعالى حكاية عن إبليس: {لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] لظهور أن لا اجتماع هناك. ورده في الكشف بأن الاشتقاق من الجمع يقتضيه لأنه ينصرف إلى أكمل الأحوال فإذا فهمت الاحاطة من لفظ آخر وهو كل ملم يكن بد من كونه في وقت واحد وإلا كان لغوًا، والرد بالآية منشؤه عدم تصور وجه الدلالة، ومنه يعلم وجه فساد النظر بأنه لو كان الأمر كذلك لكان حالًا لا تأكيدًا، فالحق في المسألة مع الفراء. والمبرد وذلك هو الموافق لبلاغة التنزيل، وزعم البصريون أنه إنما أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص. وزعم غير واحد أنه لا يؤكد بأجمع دون كل اختيارًا والمختار وفاقًا لأبي حيان جوازه لكقرة وروده في الفصيح ففي القرآن عدة آيات من ذلك؛ وفي الصحيح «فله سلبه أجمع. فصلوا جلوسًا أجمعون» ولعل منشأ الزعم وجوب تقديم كل عند الاجتماع، ويرده أن النفس يجب تقديمها على العين إذا اجتمعا مع جواز التأكيد بالعين على الانفراد، وما ذكروه من وجوب تقديم كل إنما هو بناء على ما علمت من الحق لرعاية البساطة والتركيب هذا. ثم إنه قد تقدم الكلام في تحقيق أن سجودهم هذا هل ترتب على ما حكى من الأمر التعليقي كما يقتضيه هذه الآية الكريمة أو على الأمر النتجيزي كما يستدعيه بعض الآيات فتذكر.