قوله تعالى: {فأما الإنسان} فيمن عنى به أربعة أقوال. أحدها: عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أُبَيّ بن خلف، قاله ابن السائب. والثالث: أُمية بن خلف، قاله مقاتل. والرابع: أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، قال الزجاج: وابتلاه بمعنى اختبره بالغنى واليسر {فأكرمه} بالمال {ونَعَّمه} بما وسَّع عليه من الإفضال {فيقول ربي أكرمني} فتح ياء {ربيَ} {أكرمنيَ} {ربيَ} {أهاننيَ} أهل الحجاز، وأبو عمرو، أي: فضلني بما أعطاني، ويظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه {وأما إذا ما ابتلاه} بالفقر {فقَدَر عليه رِزْقَه} وقرأ أبو جعفر، وابن عامر {فقدَّر} بتشديد الدال، والمعنى: ضيَّق عليه بأن جعله على مقدار البُلْغَة {فيقول ربي أهانني} أي: هذا الهوان منه لي حين أذلَّني بالفقر. واعلم أن من لا يؤمن بالبعث، فالكرامة عنده زيادة الدنيا، والهوان قِلَّتُها. قوله تعالى: {كلا} أي: ليس الأمر كما يظن. قال مقاتل: ما أعطيت من أغنيت هذا الغنى لكرامته عليَّ، ولا أفقرت مَنْ أفقرت لهوانه عليَّ، وقال الفراء: المعنى: لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا، إنما ينبغي أن يحمد الله على الأمرين: الفقر، والغنى. ثم أخبر عن الكفار فقال تعالى: {بل لا تكرمون اليتيم} قرأ أهل البصرة {يُكرِمون} و{يَحُضُّون} و{يَأْكُلون} و{يُحِبُّون} بالياء فيهن، والباقون بالتاء. ومعنى الآية: إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم. والآية تحتمل معنيين. أحدهما: أنهم كانوا لا يَبَرُّونه. والثاني: لا يعطونه حَقَّه من الميراثِ، وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورِّثون النساء ولا الصبيان. ويدل على المعنى الأول قوله تعالى: {ولا تَحاضُّون على طعام المسكين} قرأ أبو جعفر، وأهل الكوفة {تحاضون} بألف مع فتح التاء. وروى الشيرزي عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء. والمعنى: لا يأمرون بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة. ويدل على المعنى الثاني قوله تعالى: {وتأكلون التُّراثَ أكلاً لَمّا} قال ابن قتيبة: التراث: الميراث، والتاء فيه منقلبة عن واوٍ، كما قالوا: تُجاه، والأصل: وُجاه، وقالوا: تُخمَة، والأصل: وُخَمَة. و{لَمَّا} أي: شديداً، وهو من قولك: لممْتُ بالشيء: إذا جمعتَه، وقال الزجاج: هو ميراث اليتامى. قوله تعالى: {وتحبون المال} أي: تحبون جمعه {حُبّاً جماً} أي: كثيراً فلا تنفقونه في خير {كلا} أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم، فقال تعالى: {إذا دُكَّت الأرض دَكَّاً دَكَّاً} أي: مرَّة بعد مرَّة، فتكسَّر كل شيء عليها، {وجاء ربك} قد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} [البقرة: 210]. قوله تعالى: {والملك صفاً صفاً} أي: تأتي ملائكة كل سماءٍ صفاً صفا على حدة. قال الضحاك: يكونون سبعة صفوف، {وجيء يومئذٍ بجهنَّم} روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرَّونها» قال مقاتل: يجاء بها فتقام عن يسار العرش. قوله تعالى: {يومئذ} أي: يوم يجاء بجهنم {يتذكر الإنسان} أي: يتَّعظ الكافر ويتوب. قال مقاتل: هو أمية بن خلف {وأنَّى له الذكرى} أي: كيف له بالتوبة وهي في القيامة لا تنفع {يقول يا ليتني قدَّمتُ} العمل الصالح في الدنيا {لحياتي} في الآخرة التي لا موت فيها {فيومئذ لا يعذَّب عذابه أحدٌ} قرأ الكسائي، ويعقوب، والمفضل {لا يعذَّب} بفتح الذال، والباقون بكسرها، فمن فتح، أراد: لا يعذب عذاب الكافر أحد، ومن كسر أراد: لا يعذَّب عذاب الله أحد، أي كعذابه، وهذه القراءة تختص بالدنيا، والأولى تختص بالآخرة. قوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال. أحدها: في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أُحد، قاله أبو هريرة، وبريدة الأسلمي. والثاني: في عثمان بن عفان حين أوقف بئر رومة، قاله الضحاك. والثالث: في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة، قاله مقاتل. والرابع: في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حكاه الماوردي. والخامس: في جميع المؤمنين، قاله عكرمة. وفي معنى {المطمئنة} ثلاثة أقوال. أحدها: المؤمنة، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المطمئنة بالإيمان. والثاني: الراضية بقضاء الله، قاله مجاهد. والثالث: الموقنة بما وعد الله، قاله قتادة. واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين. أحدهما: عند خروجها من الدنيا، قاله الأكثرون. والثاني: عند البعث يقال لها: ارجعي إلى صاحبك، وإلى جسدك، فيأمر الله الأرواح أن تعود إلى الأجساد، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وعكرمة والضحاك. وفي قوله تعالى {ارجعي إلى ربك راضية} أربعة أقوال. أحدها: ارجعي إلى صاحبك الذي كنتِ في جسده، وهذا المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس، وبه قال عكرمة والضحاك. والثاني: {ارجعي إلى ربك} بعد الموت في الدنيا، قاله أبو صالح. والثالث: ارجعي إلى ثواب ربك، قاله الحسن. والرابع: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا ارجعي إلى الله تعالى بتركها، حكاه الماوردي. قوله تعالى: {فادخلي في عبادي} أي: في جملة عبادي المصطَفَيْن. قال أبو صالح: يقال لها عند الموت: ارجعي إلى ربك، فإذا كان يوم القيامة قيل لها: {فادخلي في عبادي} وقال الفراء: ادخلي مع عبادي. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وأُبَي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران: {في عبدي} على التوحيد. قال الزجاج: فعلى هذه القراءة والله أعلم يكون المعنى: ارجعي إلي ربك، أي: إلى صاحبك الذي خرجتِ منه، فادخلي فيه.