قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} قال أبو عبيدة: فلم يقتحم العقبة في الدنيا. وقال ابن قتيبة: فلا هو اقتحم العقبة. قال الفراء: لم يضم إلى قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة كلاماً آخر فيه {لا}، والعرب لا تكاد تفرد {لا} في الكلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر، كقوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى} [القيامة: 31]، {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62]. ومعنى {لا} مأخوذ من آخر هذا الكلام، فاكتفى بواحدة من الأخرى، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة، فقال: فكُّ رقبة. {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} {ثم كان من الذين آمنوا} ففسرها بثلاثة أشياء. فكأنه كان في أول الكلام: فلا فعل ذا، ولا ذا. وذهب ابن زيد في آخرين إلى أن المعنى: أفلا اقتحم العقبة؟ على وجه الاستفهام، والمعنى: فهلاَّ أنفق ماله في فَكِّ الرِّقاب والإطعام ليجاوز بذلك العقبة؟! فأما الاقتحام فقد بَيَّناه في [ص: 59]. وفي العقبة سبعة أقوال. أحدها: أنه جبل في جهنم، قاله ابن عمر. والثاني: عقبة دون الجسر، قاله الحسن. والثالث: سبعون دركة في جهنم، قاله كعب. والرابع: الصراط، قاله مجاهد، والضحاك. والخامس: نار دون الجسر، قاله قتادة. والسادس: طريق النجاة، قاله ابن زيد. والسابع: أن ذكر العقبة هاهنا مَثَلٌ ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البِرِّ، فجعله كالذي يتكلَّف صعود العقبة. يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، ذكره علي بن أحمد النيسابوري في آخرين. قوله تعالى: {وما أدراك ما العقبة} قال سفيان بن عيينة: كلُّ ما فيه {وما أدراك} فقد أخبره به، وكلُّ ما فيه وما يدريك فإنه لم يخبره به. قال المفسرون: المعنى: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ ثم بيَّنه فقال تعالى: {فَكُّ رقبة} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، إلا عبد الوارث، والكسائي، والداجوني عن ابن ذكوان {فَكَّ} بفتح الكاف {رَقَبَةَ} بالنصب {أو أطعم} بفتح الهمزة والميم وسكون الطاء من غير ألف. وقرأ عاصم، وابن عامر، ونافع، وحمزة {فَكُ} بالرفع {رقبةٍ} بالخفض {أو إطعامٌ} بالألف. ومعنى فك الرقبة: تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فكَكْتَه. ومن قرأ {فَكَّ رقبَةَ} على الفعل، فهو تفسير اقتحام العقبة بالفعل، واختاره الفراء، لقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} قال ابن قتيبة: والمسغبة: المجاعة، يقال: سَغِبَ يَسْغَبُ سُغُوباً: إذا جاع {يتيماً ذا مقربة} أي: ذا قرابة {أو مسكيناً ذا متربة} أي: ذا فقر كأنه لَصِق بالتراب. وقال ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء. ثم بين أن هذه القُرَبَ إنما تنفع مع الإيمان بقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} و{ثم} هاهنا بمعنى الواو، كقوله تعالى: {ثم الله شهيد} [يونس: 46]. قوله تعالى: {وتواصوا بالصبر} على فرائض الله وأمره {وتواصوا بالمرحمة} أي: بالتراحم بينهم. وقد ذكرنا أصحاب الميمنة والمشأمة في [الواقعة: 7، 8] قال الفراء: و{المؤصدة} المطبقة. قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. وقال ابن قتيبة: يقال: أَوْصَدْتُ الباب وآصدته: إذا أطبقته. وقال الزجاج: المعنى: أن العذاب مطبق عليهم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم {موصدة} بغير همز هاهنا وفي [الهمزة: 8] وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم بالهمز في الموضعين.