Entités

Je tourne mon visage exclusivement vers Celui qui a créé (à partir du néant) les cieux et la terre ; et je ne suis point de ceux qui Lui donnent des associés. »

BE2921Aya

Déclarations

36 sortant
=Juz7BS1834366
=ordre du aaya79BS8680
sourateEl an’âmBS8679
( إني وجهت وجهي ) أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي ( للذي فطر السماوات والأرض ) أي : خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق . ) حنيفا ) أي في حال كوني حنيفا ، أي : مائلا عن الشرك إلى التوحيد ; ولهذا قال : ( وما أنا من المشركين )وقد اختلف المفسرون في هذا المقام ، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر ، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله : ( لئن لم يهدني ربي [ لأكونن من القوم الضالين ] )وقال محمد بن إسحاق : قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه ، حين تخوفت عليه النمرود بن كنعان ، لما أن قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكك على يديه ، فأمر بقتل الغلمان عامئذ . فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد ، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك . وذكر أشياء من خوارق العادات ، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف .والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كان في هذا المقام مناظرا لقومه ، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام ، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية ، التي هي على صورة الملائكة السماوية ، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه ، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر ، وغير ذلك مما يحتاجون إليه . وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل ، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة ، وهي : القمر ، وعطارد ، والزهرة ، والشمس ، والمريخ ، والمشترى ، وزحل ، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس ، ثم القمر ، ثم الزهرة . فبين أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية ; لأنها مسخرة مقدرة بسير معين ، لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا ، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة ، لما له في ذلك من الحكم العظيمة ، وهي تطلع من المشرق ، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال . ومثل هذه لا تصلح للإلهية . ثم انتقل إلى القمر . فبين فيه مثل ما بين في النجم .ثم انتقل إلى الشمس كذلك . فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) أي : أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن ، فإن كانت آلهة ، فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) أي : إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها ، الذي بيده ملكوت كل شيء ، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه ، كما قال تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم [ الخليل ] ناظرا في هذا المقام ، وهو الذي قال الله في حقه : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) الآيات [ الأنبياء : 51 ، 52 ] ، وقال تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ النحل : 120 - 123 ] ، وقال تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ الأنعام : 161 ] .وقد ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " كل مولود يولد على الفطرة " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حماد ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال الله : إني خلقت عبادي حنفاء " وقال الله في كتابه العزيز : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] ، وقال تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) [ الأعراف : 172 ] ومعناه على أحد القولين ، كقوله : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) كما سيأتي بيانه .فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة ، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله ( أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) [ النحل : 120 ] ناظرا في هذا المقام ؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا شك ولا ريب . ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالىBS192214
وجملة { إنّي وجَّهْت وَجْهِي } بمنزلة بدل الاشتمال من جملة { إنِّي بريء ممّا تشركون } ، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله ، وهو إفراده بالعبادة . والوجه في قوله : { وجهي }.و { وجّهت } مشتقّ من الجهة والوجهة ، أي صرفته إلى جهة ، أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو ، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه ، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر . فمعنى { وجَّهت وجهي } صرفتُه وأدرته . وهذا تمثيل : شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره .وأتي بالموصول في قوله : { للذي فطر السماوات والأرض } ليومىء إلى علّة توجّهه إلى عبادته ، لأنّ الكواكب من موجودات السماء ، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى .وفعل ( وجَّه ) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى ، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء ، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول : توجّهت للحبيب ، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام ، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة .وفَطَر : خلَق ، وأصل الفَطْر الشقّ . يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى { فارجع البصر هل تَرى من فُطُور } [ الملك : 3 ] أي اختلال ، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه ، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه ، وهذا كما يقال : الفَتق والفَلْق ، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل .و { حنيفاً } حال من ضمير المتكلّم في { وجهتُ }.وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى : { قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً } في سورة [ البقرة : 135 ].وجملة : وما أنا من المشركين } عطف على الحال ، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم .فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم ، وقد جمعهما أيضاً في سورة [ الممتحنة : 4 ] إذ قال { إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله }وأفادت جملة { وما أنا من المشركين } تأكيداً لجملة { إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً } ، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّىء من أن يكون من المشركين .وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات { هذا ربِّي } هو مناظرة لقومه واستدراج لهم ، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها ، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه . ومن المفسّرين من قال : إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله : { لئن لم يهدني ربِّي } ، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط ، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية ، كما بيّنّاه في موضعه ، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض . على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها ، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه .فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى ، فيكون قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه ، ويكون قوله : { رأى كوكباً } بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل ، ويكون قوله : { قال هذا ربِّي } قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه ، وهو حديث النفس ، كقول النابغة في كلب صيد: ... قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاًوإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد ... وقول العَجّاج في ثور وحشي :ثم انثنى وقال في التفكير ... إنّ الحياة اليوم في الكُروروقوله : { هذا ربِّي } وقوله : { لا أحبّ الآفلين ، } وقوله : { لئِن لم يهدني ربِّي } كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي . وقوله : { قال يا قوم } هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ .BS192206
القول في تأويل قوله : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه لما تبيّن له الحق وعرَفه, شهد شهادةَ الحقّ, وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم, ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه, مع خلاف جميع قومه لقوله، وإنكارهم إياه عليه, وقال لهم: " يا قوم إنّي بريء مما تشركون " مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم, (69) إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض, الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويُحْيي ويميت = لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع.ثم أخبرهم تعالى ذكره: أن توجيهه وجهه لعبادته، بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد, لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف, ولكنه به مشرك, (70) إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، (71) بل ضارّه ومهلكه =" وما أنا من المشركين "، ولست منكم ، أي : لست ممن يدين دينكم، ويتّبع ملّتكم أيُّها المشركون.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:13465م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟ فقال: " إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض "، فقالوا: ما جئت بشيء! ونحن نعبده ونتوجّهه! فقال : لا حنيفًا!! قال: مخلصًا, لا أشركه كما تُشْركون.-------------------الهوامش :(69) انظر تفسير"فطر" فيما سلف ص: 283 ، 284.(70) انظر تفسير"الحنيف" فيما سلف 3: 104 - 108 ، 6 494 ، 9 : 250.(71) في المطبوعة: "إذا كان توجيه الوجه لا على التحنيف" ، وفي المخطوطة: " . . . توجيه الوجه على التحنف" ، والصواب ما أثبت.BS192222

Référencé par

33 entrant
( إني وجهت وجهي ) أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي ( للذي فطر السماوات والأرض ) أي : خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق . ) حنيفا ) أي في حال كوني حنيفا ، أي : مائلا عن الشرك إلى التوحيد ; ولهذا قال : ( وما أنا من المشركين )وقد اختلف المفسرون في هذا المقام ، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر ، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله : ( لئن لم يهدني ربي [ لأكونن من القوم الضالين ] )وقال محمد بن إسحاق : قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه ، حين تخوفت عليه النمرود بن كنعان ، لما أن قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكك على يديه ، فأمر بقتل الغلمان عامئذ . فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد ، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك . وذكر أشياء من خوارق العادات ، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف .والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كان في هذا المقام مناظرا لقومه ، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام ، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية ، التي هي على صورة الملائكة السماوية ، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه ، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر ، وغير ذلك مما يحتاجون إليه . وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل ، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة ، وهي : القمر ، وعطارد ، والزهرة ، والشمس ، والمريخ ، والمشترى ، وزحل ، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس ، ثم القمر ، ثم الزهرة . فبين أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية ; لأنها مسخرة مقدرة بسير معين ، لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا ، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة ، لما له في ذلك من الحكم العظيمة ، وهي تطلع من المشرق ، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال . ومثل هذه لا تصلح للإلهية . ثم انتقل إلى القمر . فبين فيه مثل ما بين في النجم .ثم انتقل إلى الشمس كذلك . فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) أي : أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن ، فإن كانت آلهة ، فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) أي : إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها ، الذي بيده ملكوت كل شيء ، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه ، كما قال تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم [ الخليل ] ناظرا في هذا المقام ، وهو الذي قال الله في حقه : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) الآيات [ الأنبياء : 51 ، 52 ] ، وقال تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ النحل : 120 - 123 ] ، وقال تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ الأنعام : 161 ] .وقد ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " كل مولود يولد على الفطرة " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حماد ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال الله : إني خلقت عبادي حنفاء " وقال الله في كتابه العزيز : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] ، وقال تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) [ الأعراف : 172 ] ومعناه على أحد القولين ، كقوله : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) كما سيأتي بيانه .فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة ، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله ( أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) [ النحل : 120 ] ناظرا في هذا المقام ؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا شك ولا ريب . ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى
وجملة { إنّي وجَّهْت وَجْهِي } بمنزلة بدل الاشتمال من جملة { إنِّي بريء ممّا تشركون } ، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله ، وهو إفراده بالعبادة . والوجه في قوله : { وجهي }.و { وجّهت } مشتقّ من الجهة والوجهة ، أي صرفته إلى جهة ، أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو ، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه ، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر . فمعنى { وجَّهت وجهي } صرفتُه وأدرته . وهذا تمثيل : شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره .وأتي بالموصول في قوله : { للذي فطر السماوات والأرض } ليومىء إلى علّة توجّهه إلى عبادته ، لأنّ الكواكب من موجودات السماء ، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى .وفعل ( وجَّه ) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى ، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء ، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول : توجّهت للحبيب ، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام ، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة .وفَطَر : خلَق ، وأصل الفَطْر الشقّ . يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى { فارجع البصر هل تَرى من فُطُور } [ الملك : 3 ] أي اختلال ، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه ، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه ، وهذا كما يقال : الفَتق والفَلْق ، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل .و { حنيفاً } حال من ضمير المتكلّم في { وجهتُ }.وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى : { قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً } في سورة [ البقرة : 135 ].وجملة : وما أنا من المشركين } عطف على الحال ، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم .فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم ، وقد جمعهما أيضاً في سورة [ الممتحنة : 4 ] إذ قال { إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله }وأفادت جملة { وما أنا من المشركين } تأكيداً لجملة { إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً } ، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّىء من أن يكون من المشركين .وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات { هذا ربِّي } هو مناظرة لقومه واستدراج لهم ، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها ، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه . ومن المفسّرين من قال : إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله : { لئن لم يهدني ربِّي } ، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط ، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية ، كما بيّنّاه في موضعه ، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض . على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها ، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه .فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى ، فيكون قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه ، ويكون قوله : { رأى كوكباً } بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل ، ويكون قوله : { قال هذا ربِّي } قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه ، وهو حديث النفس ، كقول النابغة في كلب صيد: ... قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاًوإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد ... وقول العَجّاج في ثور وحشي :ثم انثنى وقال في التفكير ... إنّ الحياة اليوم في الكُروروقوله : { هذا ربِّي } وقوله : { لا أحبّ الآفلين ، } وقوله : { لئِن لم يهدني ربِّي } كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي . وقوله : { قال يا قوم } هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ .
القول في تأويل قوله : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه لما تبيّن له الحق وعرَفه, شهد شهادةَ الحقّ, وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم, ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه, مع خلاف جميع قومه لقوله، وإنكارهم إياه عليه, وقال لهم: " يا قوم إنّي بريء مما تشركون " مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم, (69) إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض, الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويُحْيي ويميت = لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع.ثم أخبرهم تعالى ذكره: أن توجيهه وجهه لعبادته، بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد, لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف, ولكنه به مشرك, (70) إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، (71) بل ضارّه ومهلكه =" وما أنا من المشركين "، ولست منكم ، أي : لست ممن يدين دينكم، ويتّبع ملّتكم أيُّها المشركون.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:13465م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟ فقال: " إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض "، فقالوا: ما جئت بشيء! ونحن نعبده ونتوجّهه! فقال : لا حنيفًا!! قال: مخلصًا, لا أشركه كما تُشْركون.-------------------الهوامش :(69) انظر تفسير"فطر" فيما سلف ص: 283 ، 284.(70) انظر تفسير"الحنيف" فيما سلف 3: 104 - 108 ، 6 494 ، 9 : 250.(71) في المطبوعة: "إذا كان توجيه الوجه لا على التحنيف" ، وفي المخطوطة: " . . . توجيه الوجه على التحنف" ، والصواب ما أثبت.

Statistiques du graphe

Sortant36
Entrant33
Total69

Traductions

🇫🇷 French
Je tourne mon visage exclusivement vers Celui qui a créé (à partir du néant) les cieux et la terre ; et je ne suis point de ceux qui Lui donnent des associés. »
🇬🇧 English
NULL
🇸🇦 Arabic
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ