Entités

تفسير القرطبي — النحل 61

BE64190Tafsir

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أَيْ بِكُفْرِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، وَعَاجَلَهُمْ. (مَا تَرَكَ عَلَيْها) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لَكِنْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "مِنْ دَابَّةٍ" فَإِنَّ الدَّابَّةَ لَا تَدِبُّ إِلَّا عَلَى الْأَرْضِ. وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ دَابَّةٍ كَافِرَةٍ فَهُوَ خَاصٌّ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَهْلَكَ الْآبَاءَ بِكُفْرِهِمْ لَمْ تَكُنِ الْأَبْنَاءُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْعُمُومُ، أَيْ لَوْ أَخَذَ اللَّهُ الْخَلْقَ بما كسبوا ما ترك على ظَهْرِ هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: لَوْ أَخَذَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ بِذُنُوبِ الْمُذْنِبِينَ لَأَصَابَ الْعَذَابُ جَمِيعَ الْخَلْقِ حَتَّى الْجُعْلَانَ [[الجعلان (بكسر الجيم جمع جعل، كصرد): دابة سوداء من دواب الأرض.]] فِي حُجْرِهَا، وَلَأَمْسَكَ الْأَمْطَارَ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ فَمَاتَ الدَّوَابُّ، وَلَكِنَّ الله يأخذ بالعفو والفضل، كما قال:" وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [[راجع ج ١٦ ص ٣٠.]] " (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) أَيْ أَجَلِ مَوْتِهِمْ وَمُنْتَهَى أعمارهم. (لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) وقد تقدم [[راجع ج ٧ ص ٢٠٢.]] فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَعُمُّ بِالْهَلَاكِ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظَالِمٍ؟ قِيلَ: يُجْعَلُ هَلَاكُ الظَّالِمِ انْتِقَامًا وَجَزَاءً، وَهَلَاكُ الْمُؤْمِنِ مُعَوَّضًا بِثَوَابِ الْآخِرَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتِهِمْ [[في صحيح مسلم «على أعمالهم».]] ". وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَسُئِلَتْ عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَعُوذُ بِالْبَيْتِ عَائِذٌ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ". وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي "كِتَابِ التَّذْكِرَةِ" وَتَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ وَآخِرِ الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٦ ص ٣٥٢ وج ٧ ص ١٥٧.]] مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقِيلَ: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) أَيْ فَإِذَا جَاءَ يوم القيامة. والله أعلم.